الأربعاء، 17 سبتمبر، 2014

6.عرض كتاب صيد الخاطر^^^

فصل : اكبح جماع الرغبة :شكا لي بعض الأشياخ فقال : قد علت سني و ضعفت قوتي ، و نفسي تطلب مني شراء الجواري الصغار . و معلوم أنهن يردن النكاح و ليس في . و لا تقنع مني النفس بربة البيت إذ قد كبرت .
فقلت له : عندي جوابان : أحدهما الجواب العامي ، و هو أن أقول : ينبغي أن تشغل بذكر الموت و ما قد توجهت إليه ، و تحذر من اشتراه جارية لا تقدر على أيفاء حقها فإنها تبغضك ، فإن أجهدت استعجلت التلف . وإن استبقيت قوتك غضبت هي ، على أنها لا تريد شيخاً كيف كان .
و قد أنشدنا علي بن عبد الله ، قال : أنشدنا محمد التميمي :
أفق يا فؤادي من غرامك و استمع مقالة محزون عليك شفيق
علقت فتاةً قلبها متعلق بغيرك فاستوثقت غير و وثيق
و أصبحت موثوقاً و راحت طليقةً فكم بين موثوق و بين طليق
فاعلم أنها تعد عليك الأيام ، و تطلب منك فضل المال لتستعد لغيرك .
و ربما قصدت حنفك ، فاحذر السلامة في الترك ، و لإقتناع بما يدفع الزمان .
الجواب الثاني فإني أقول : لا يخلو أن تكون قادراً على الوطء في وقت أو لا تكون .
فإن كنت لا تقدر فالأولى مصابرة الترك للكل . و إن كان يمكن الحازم أن يداري المرأة بالنفقة و طيب الخلق إلا أنه يخاطر .
و إن كنت تقدر في أوقات على ذلك ، و رأيت من نفسك توقاً شديداً فعليك بالمراهقات فإنهن ما عرفن النكاح ، و ما طلبن بالوطء ، و اغمرهن بالإنفاق و حسن الخلق مع الإحتياط عليهن ، و المنع من مخالطة النسوة .
و إذا اتفق وطء فتصبر عن الإنزال ريثما تقضي المرأة حاجتها .
و اعتمد وعظها و تذكيرها بالآخرة ، و اذكر لها حكايات العشاق من غير نكاح ، و قبح صورة الفعل ، و لفت قلبها إلى ذكر الصالحين ، و لا تخل نفسك من الطيب و التزين و الكياسة و المداراة و الإنفاق الواسع .
فهذا ربما حرك الناقة للمسير مع خطر السلامة .



· فصل : اكبح جماع الرغبة



شكا لي بعض الأشياخ فقال : قد علت سني و ضعفت قوتي ، و نفسي تطلب مني شراء الجواري الصغار . و معلوم أنهن يردن النكاح و ليس في . و لا تقنع مني النفس بربة البيت إذ قد كبرت .
فقلت له : عندي جوابان : أحدهما الجواب العامي ، و هو أن أقول : ينبغي أن تشغل بذكر الموت و ما قد توجهت إليه ، و تحذر من اشتراه جارية لا تقدر على أيفاء حقها فإنها تبغضك ، فإن أجهدت استعجلت التلف . وإن استبقيت قوتك غضبت هي ، على أنها لا تريد شيخاً كيف كان .
و قد أنشدنا علي بن عبد الله ، قال : أنشدنا محمد التميمي :
أفق يا فؤادي من غرامك و استمع مقالة محزون عليك شفيق
علقت فتاةً قلبها متعلق بغيرك فاستوثقت غير و وثيق
و أصبحت موثوقاً و راحت طليقةً فكم بين موثوق و بين طليق
فاعلم أنها تعد عليك الأيام ، و تطلب منك فضل المال لتستعد لغيرك .
و ربما قصدت حنفك ، فاحذر السلامة في الترك ، و لإقتناع بما يدفع الزمان .
الجواب الثاني فإني أقول : لا يخلو أن تكون قادراً على الوطء في وقت أو لا تكون .
فإن كنت لا تقدر فالأولى مصابرة الترك للكل . و إن كان يمكن الحازم أن يداري المرأة بالنفقة و طيب الخلق إلا أنه يخاطر .
و إن كنت تقدر في أوقات على ذلك ، و رأيت من نفسك توقاً شديداً فعليك بالمراهقات فإنهن ما عرفن النكاح ، و ما طلبن بالوطء ، و اغمرهن بالإنفاق و حسن الخلق مع الإحتياط عليهن ، و المنع من مخالطة النسوة .
و إذا اتفق وطء فتصبر عن الإنزال ريثما تقضي المرأة حاجتها .
و اعتمد وعظها و تذكيرها بالآخرة ، و اذكر لها حكايات العشاق من غير نكاح ، و قبح صورة الفعل ، و لفت قلبها إلى ذكر الصالحين ، و لا تخل نفسك من الطيب و التزين و الكياسة و المداراة و الإنفاق الواسع .
فهذا ربما حرك الناقة للمسير مع خطر السلامة .



· فصل : الإحتراز من جائز الوقوع



أبله الناس من عمل على الحال الحاضرة ، و لم يتصور تغيرها و لا وقوع ما يجوز وقوعه .
مثاله أن يغتر بدولة فيعمل بمقتضى ملكه فإذا تغيرت هلك .
و ربما عادى خلقاً اغتراراً بأنه متسلط أو إنه صاحب سلطان ، فإذا تغيرت حاله أكل كفه ندماً عند فوات التدارك .
و كذلك من له مال يبذره سكوناً إلى وجود المال ، و ينسى حاله عند العدم .
و من يتناول الشهوات ، و يكثر من المآكل و المشارب و النكاح ثقة بعافيته ، و ينسى ما يعقب ذلك من الأمراض و الآفات .
و من أظرف الأحوال أن يحب جاريته فيعتقها و يهب لها ، أو امرأة فيسكن إليها و يهب لها فتتمكن ، و لا تمضي الأيام حتى يسلوها أو يطلب غيرها و لا يجد طريقاً للخلاص .
فإن تخلص منها أخذت منها ما غنمت منه فلقي من الغيظ أضعاف ما يلتذ به .
فلا ينبغي أن يوثق بإمرأة و لا بمحبة إنسان ، فإنه قد يحب إمرأة و يظن أنه لا يسلوها أبداً فيسترسل إليها و السلو يحدث .
و ربما أحب غيرها فينسى الأولى فيصعب عليه الخلاص من الأولى .
فالعاقل لا يدخل في شيء حتى يهيء الخروج منه ، فإن الأشياء لا تثبت ، و المحبة لا تدوم ، و التغير مقرون بكل حال .
و كذلك يعطي ماله ولده ثم يبقى كلا عليه فيتمنى الولد هلاكه ، و ربما عل به في النفقة .
و كذلك قد يثق بالصديق فيثبت أسراره إليه ، فربما أظهر ذلك فكان منها ما يوجب هلاكه .
و كذلك يغتر الإنسان بالسلامة و ينسى طروق الموت فيأتيه بغتة فيبهته و قد فات الإستدراك و لم يبق إلا الندم .
فالعاقل من كانت عينه مراقبة للعواقب ، محترزة مما يجوز وقوعه ، عاملة بالإحتياط في كل حال ، حافظة للمال و السر ، غير واثقة بزوجة و لا ولد و لا صديق ، متأهبة للرحيل ، متهيئة للنقلة . هذه صفة أهل الحزم .



· فصل : لا تبحثوا في ذات الله



من أعجب الأمور طلب الإطلاع على تحقيق العرفان لذات الله عز وجل و صفاته و أفعاله ، و هيهات ، ليس إلا المعرفة بالجملة .
و لقد أوغل المتكلمون فما وقعوا بشيء ، فرجع عقلاؤهم إلى التسليم .
و كذلك أصحاب الرأي ، مالوا إلى القياس ، فإذا أشياء كثيرة بعكس مرادهم ، فلم يجدوا ملجأ إلا التسليم ، فسموا ما خالفهم إستحساناً .
فالفقيه من علل بما يمكن ، فإذا عجز إستطرح للتسليم ، هذا شأن العبيد .
فأما من يقول : لم فعل كذا ، و ما معنى كذا ، فإنه يطلب الإطلاع على سر الملك ، و ما يجد إلى ذلك سبيلاً لوجهين :
أحدهما : أن الله تعالى ستر كثيراً من حكمه عن الخلق .
و الثاني : أن ليس في قوى البشر إذاراك حكم الله تعالى كلها ، فلا يبقى مع المعترض سوى الإعتراض المخرج إلى الكفر فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ .
و المعنى من رضي بأفعالي و إلا فليخنق نفسه فما أفعل إلا ما أريد .



· فصل : من خالط أوذي



من رزقه الله تعالى العلم ، و النظر في سير السلف ، رأى أن هذا العلم ظلمة ، و جمهور العالم على غير الجادة ، و المخالطة لهم تضر و لا تنفع .
فالعجب لمن يترخص في المخالطة ، و هو يعلم أن الطبع لص يسرق من المخالطة .
و إنما ينبغي أن تقع المخالطة للأرفع و الأعلى في العلم و للعمل ليستفاد منه .
فأما مخالطة الدون فإنها تؤذي ، إلا أن يكون عامياً يقبل من معمله ، فينبغي ، أن يخالط بالإحتراز .
و في هذا الزمان إن وقعت المخالطة للعوام فهم ظلمة مستحكمة ، فإذا ابتلى العالم بمخالطتهم فليشمر ثياب الحذر ، و لتكن مجالسته إياهم للتذاكرة و التأديب فحسب .
و إن وقعت المخالطة للعلماء فأكثرهم على غير الجادة ، مقصودهم صورة العلم لا العمل به . فلا تكاد ترى من تذاكره أمر الآخرة ، إنما شغلهم الغيبة ، و قصد الغلبة ، و إجتلاب الدنيا .
ثم فيهم من الحسد للنظراء ما لا يوصف . و إن وقعت المخالطة للأمراء ، فذاك تعرض لفساد الدين .
لأنه إن تولى لهم ولاية دنيوية فالظلم من ضروراتها ، لغلبة العادة عليهم و الإعراض عن الشرع .
و إن كانت ولاية دينية كالقضاء ، فإنهم يأمرونه بأشياء لا يكاد يمكنه المراجعة فيها ، و لو راجع لم يقبلوا .
و أكثر القوم يخاف على منصبه ، فيفعل ما أمر به و إن لم يجبر .
و ربما رأيت في هذا الزمان أقواماً يبذلون المال ليكونوا قضاة ، أو شهوداً و مقصودهم الرفعة .
ثم أكثر الشهود يشهد على من لا يعرفه ، و يقول إنه معروف و يدري أنه كذاب ، و إنما عرف لأجل حبة يعطاها .
و كم قد وقعت شهادة على غير المشهود عليه ، و على مكره .
و إن وقعت المخالطة للمتزهدين فأكثرهم على غير الجادة ، و على خلاف العلم ، قد جعلوا لأنفسهم نواميس ، فلا يتنسمون و لا يخرجون إلى سوق ، و يظهرون التخشع الزائد و كله نفاق .
و فيهم من يلبس الصوف تحت ثيابه ، و ربما لوح بكمه ليرى . و قد حكي عن طاهر بن الحسين أنه قال لبعض المتزهدين : مد كم قدمت العراق ؟ قال دخلتها منذ عشرين سنة ، و أنا منذ ثلاثين سنة صائم .
قال : سألناك مسألة فأجبت : عن اثنتين .
و بيت الصوفية أربطة فهي خوارج على المساجد . وهي دكاكين كريهة يقعد فيها الكسالى عن الكسب مع القدرة عليه ، و يتعرضون بالقعود للصدقات ، و لأحوال الظلمة . و قد أراحوا أنفسهم من إعادة العلم .
و أكثرهم لا يصلي نافلة ، و لا يقوم الليل ، بل يهمهم المأكول و المشروب و الرقص .
و قد اتخذوا سنناً تخالف الشريعة فهم يلبسون المرقع لا من فقر . و هذا قبيح . لأنه ليس عندهم من أمارات الزهد سوى الملبس الدون ، فثيابهم تصيح نحن الزهاد ، و باقي أفعالهم المستورة تفضحهم إذا اطلع عليها .
فالمطبخ دائر ، و الحمام و الحلوى كثيرة ، و الطيب و الدعة ، و الكبر حاصل بذلك الزي .
و قد قال النبي صلى الله عليه و سلم لمالك بن فضيلة و قد رآه أشعت الهيئة أما لك مال ؟ قال : بلى من كل المال آتاني الله عز وجل ! قال : فإن الله عز وجل إذا أنعم على عبد نعمة أحب أن ترى عليه .
و من أخلافهم تنفير الناس عن العلم ، يزعمون ألا حاجة إلى الوسائط و إنما هو قلب و رب .
و لهم من الأقوال و الأفعال المنكرات ما قد ذكرته في تلبيس إبليس .
آه لو كان للزمان عمر لاحتاج كل يوم إلى مائة درة ، لا بل كان يستعمل السيف في هؤلاء الخوارج .
و هم داخل البلد لا قدرة للعلماء عليهم ، إذ قولهم فيهم لا يقبل .
فمن رزقه الله سبحانه النظر في سير السلف ، و وفقه للإقتداء بهم ، آثر أن يعتزل عن أكثر الخلق ، و لا يخالطهم ، فإنه من خالط أوذي .
و من دارى يسلم من المداهنة . فالنصح اليوم مردود .



· فصل : لا تبادر بالمخاصمة


من البله أن تبادر عدواً أو حسوداً بالمخاصمة .
و إنما ينبغي إن عرفت حاله أن تظهر له ما يوجب السلامة بينكما . إن اعتذر قلبت ، و إن أخذ في الخصومة صفحت ، و أريته أن الأمر قريب .
ثم تبطن الحذر منه ، فلا تثق به في حال ، و تتجافاه باطناً مع إظهار المخالطة في الظاهر .
فإذا أردت أن تؤذيه فأول ما تؤذيه به إصلاحك لنفسك و اجتهادك في علاج ما يعرفك به .
من أعظم العقوبة له العفو عنه الله .
و إن بالغ في السب فبالغ في الصفح تنب عنك العوام في شتمه ، و يحمدك العلماء على حلمك .
و ما تؤذيه به من ذلك و تورثه بعد الكمد ظاهراً و غيره في الباطن أضعاف و خيراً مما تؤذيه به من كلمة إذا قلتها له سمعت أضعافها .
ثم بالخصومة تعلمه أنك عدوه فيأخذ الحذر و يبسط اللسان ، و بالصفح يجهل مما في باطنك ، فيمكنك حينئذ أن تشتفي منه . أما أن تلقاه بما يؤذي دينك هو الذي قد إشتفى منك .
و ما ظفر قط من ظفر به الإثم بل الصفح الجميل .
و إنما يقع هذا ممن يرى أن تسليطه عليه إما عقوبة لذنب أو لرفع درجة بالإبتلاء فهو لا يرى الخصم و إنما يرى القدرة .



· فصل : الإستخارة من حسن المشاورة


إذا وقعت في محنة يصعب الخلاص منها ، فليس لك إلا الدعاء و اللجأ إلى الله بعد أن تقدم التوبة من الذنوب .
فإن الزلل يوجب العقوبة فإذا زال الزلل بالتوبة من الذنوب ارتفع السبب .
فإذا تبت و دعوت و لم تر للإجابة أثراً فتفقد أمرك ، فربما كانت التوبة ما صحت فصححها ثم أدع و لا تمل من الدعاء .
فربما كانت المصلحة في تأخير الإجابة ، و ربما لم تكن المصلحة في الإجابة فأنت تثاب و تجاب إلى منافعك . و من منافعك ألا تعطى ما طلبت بل تعوض غيره .
فإذا جاء إبليس فقال : كم تدعوه و لا ترى إجابة ؟ فقل : أنا أتعبد بالدعاء ، و أنا موقن أن الجواب حاصل .
فقل : أنا أتعبد بالدعاء ، و أنا موقن أن الجواب حاصل .
غير أن ربما كان تأخيره لبعض المصالح على مناسب ، و لو لم يحصل حصل التعبد و الذل .
فإياك أن تسأل شيئاً إلا و تقرنه بسؤال الخير .
فرب مطلوب من الدنيا كان حصوله سبباً للهلاك .
و إذا كنت قد أمرت بالمشاورة في أمور الدنيا لجليسك ليبين لك في بعض الآراء ما يعجز رأيك و ترى أن ما و قع لك لا يصلح فكيف لا تسأل الخير ربك و هو أعلم بالمصالح ؟ و الإستخارة من حسن المشاورة .



· فصل : الناس بين العلم و الجهل


نظرت إلى الناس فرأيتهم ينقسمون بين عالم و جاهل .
فأما الجهال فانقسموا ، فمنهم سلطان قد ربي في الجهل و لبس الحرير و شرب الخمور و ظلم الناس ، و له عمال على مثل حاله ، فهؤلاء بمعزل عن الخير بالجملة .
و منهم تجار ، همتهم الإكتساب ، و جمع الأموال ، و أكثرهم لا يؤدي الزكاة ، و لا يتحاشى من الربا ، فهؤلاء في صور الناس .
و منهم أرباب معاش ، يطففون المكيال ، و يخسرون الميزان ، و يبخسون الناس ، و يتعاملون ، بالربا و هم في الأسواق طوال النهار لا همة لهم إلا ما هم فيه ، فإذا جاء الليل وقعوا نياماً ، كالسكارى ، فهمة أحدهم ما يأكل و يلتذ به ، و ليس عندهم من الصلاة خبر ، فإن صلى أحدهم نقرها أو جمع بينها ، فهؤلاء في عدد البهائم .
و من الناس ذو رذالة في جميع أحوالهم فهذا كناس ، و هذا زبال ، و هذا نخال ، و هذا يكسح الحش ، فهؤلاء أرذل القوم . و منهم من يطلب اللذات و لا يساعده المعاش فيخرج إلى قطع الطريق ، و هؤلاء أحمق الجماعة ، إذ لا عيش لهم .
فإن إلتذوا لحظة بأكل أو شرب فحركة الريح قصبة هربوا خوفاً من السلطان ، و ما أقل بقاءهم ، ثم القتل و الصلب مع إثم الآخرة .
و منهم أرباب قرى قد عمهم الجهل ، و أكثرهم لا يتحاشى من نجاسة ، فهم في زمرة البقر .
و رأيت النساء ينقسمن أيضاً ، فمنهن المستحسنة التي تبغي ، و منهن الخائنة لزوجها في ماله .
و منهن من لا تصلي و لا تعرف شيئاً من الدين ، فهؤلاء حشوا النار .
فإذا سمعن موعظة فإنها كما مرت على حجر . إذا قرئ عندهن القرآن ، فكأنهن يسمعن السمر .
و أما العلماء فالمبتدئون منهم ينقسمون إلى ذي نية خبيثة يقصد بالعلم المباهاة لا العمل ، و يميل إلى الفسق ظناً إن العلم يدفع عنه ، و إنما هو حجة عليه .
و أما المتوسطون و المشهورون ، فأكثرهم يغشى السلاطين و يسكت عن إنكار المنكر .
و قليل من العلماء من تسلم له نيته ، و يحسن قصده .
فمن أراد الله به خيراً رزقه حسن القصد في طلب العلم ، فهو يحصله لينتفع به و ينفع ، و لا يبالي بعمل مما يدل عليه العلم .
فتراه يتجافى أرباب الدنيا ، و يحذر مخالطة العوام ، و يقنع بالقليل خوفاً من المخاطرة في الدنيا في تحصيل الكثير .
و يؤثر العزلة ، فليس مذكراً للآخرة مثلها .
و ليس على العالم أضر من الدخول على السلاطين ، فإنه يحسن للعالم الدنيا و يهون عليه المنكر .
و ربما أراد أن ينكر فلا يصح له ، فإن عدم القناعة و غلبت نفسه في طلب فضول الدنيا سلم عليه لأنه يتعرض بأربابها .
و إن الإنسان ليمشي في السوق ساعة ، فينسى بما يرى ، ما يعلم . فكيف إذا انضم إلى ذلك التردد إلى الأغنياء و الطمع في أموالهم .
فأما الوحدة فإنها سبب رجوع القلب و جمع الهم ، و النظر في العواقب و التهيؤ للرحيل و تحصيل الزاد .
فإذا انضمنت إليها القناعة ، جلبت الأحوال المستحسنة .
و لا تحسن اليوم المجالسة إلا لكتاب يحدثك عن أسرار السلف .
فأما مجالسة العلماء فمخاطرة ، إذ لا يجتمعون على ذكر الآخرة في الأغلب .
و مجالسة العوام فتنة للدين ، إلا أن يتحرز في مجالسهم و يمنعهم من القول فيقول هو و يكلفهم السماع .
ثم يستوفز للبعد عنهم ، و لا يمكن الإنقطاع الكلي إلا بقطع الطمع ، و لا ينقطع الطمع إلا بالقناعة باليسير أو يتجر بتجارة ، أو أن يكون له عقار يستغله .
فإنه متى احتاج تشتت الهم ، و متى إنقطع العالم عن الخلق و قطع طمعه فيهم و توفر على ذكر الآخرة فذاك الذي ينفع و ينتفع به . و الله الموفق .



· فصل : بع دنياك بآخرتك


من تأمل بعين الفكر دوام البقاء في الجنة في صفاء بلا كدر ، و لذات بلا انقطاع ، و بلوغ كل مطلوب للنفس ، و الزيادة مما لا عين رأت ـ و لا أذن سمعت ، و لا خطر على قلب بشر ، من غير تغيير و لا زوال ، إذ لا يقال ألف ألف سنة ، و لا مائة ألف ألف ، بل و لو أن الإنسان عد ألوف ألوف السنين لا ينقضي عدده و كان له نهاية ، و بقاء الآخرة لا نفاد له .
إلا أنه لا يحصل ذلك إلا بنقد هذا العمر .
و ما مقدار عمر غايته مائة سنة منها خمسة عشر صبوة و جهل ، و ثلاثون بعد السبعين ـ إن حصلت ـ ضعف و عجز .
و التوسط نصفه نوم ، و بعضه زمان أكل و شرب و كسب ، و المنتحل منه للعبادات يسير .
أفلا يشتري ذلك الدائم بهذا القليل ؟ إن الإعراض عن الشروع في هذا البيع و الشراء ، لغبن فاحش في العقل ، و خلل داخل في الإيمان بالوعد .
[ فإن من يدري كيف يعقد البيع بالعلم ] هو الذي يدل على الطريق و يعرف ما يصلح لها و يحذر من فظاعتها .
و لقد دخل إبليس على طائفة من المتزهدين بآفات أعظمها إن صرفهم عن العلم . فكأنه شرع في إطفاء المصباح ليسرق في الظلمة ، حتى إنه أخذ قوماً من كبار العلماء فسلك بهم من ذلك ما ينهى عنه العلم .
فرأيت أبا أحمد الطوسي يحكي عن نفسه في بعض مصنفاته قال : شاورت متبوعاً مقدماً من الصوفية في المواظبة على تلاوة القرآن فمنعني منه ، و قال : السبيل أن تقطع علائقك من الدنيا بالكلية ، بحيث لا يلتفت قلبك إلى أهل و ولد و مال و علم ، بل تصير إلى حالة يستوي عندك وجود ذلك و عدمه . ثم تخلو بنفسك في زاوية ، فتقتصر من العبادة على الفرائض و الرواتب ، و تجلس فارغ القلب ، و لا تزال تقول : الله الله إلى أن تنتهي إلى حالة لو ترك تحريك اللسان رأيت كأن الكلمة جارية على لسانك ، ثم تنظر ما يفتح عليك مما فتح مثله على الأنبياء و الأولياء .
قلت : و هذا أمر لا أتعجب أنا فيه من الموصي به و إنما أتعجب من الذي قبله مع معرفته و فهمه .
و هل يقطع الطريق بالإعراض عن تلاوة القرآن ؟ و هل فتح للأنبياء ما فتح بمجاهدتهم و رياضيتهم ؟ و هل يوثق بما يظهر من هذه المسالك ؟
ثم ما الذي يفتح ؟ أثم اطلاع على علم الغيب أم هو وحي ؟
فهذا كله من تلاعب إبليس بالقوم .
و ربما كان ما يتخايل لهم من أثر الماليخوليا أو من إبليس .
فعليك بالعلم . و انظر في سير السلف هل فعل أحد منهم من هذا شيئاً ؟ أو أمر به ؟
إنما تشاغلوا بالقرآن و العلم فدلهم على إصلاح البواطن و تصفيتها .
نسأل الله عز وجل علماً نافعاً ، للعدو مانعاً ، إنه قادر .



· فصل : الحزم كتمان الحب و البغض


من أراد اصطفاء محبوب ، المحبوب نوعان : امرأة يقصد منها حسن الصورة ، و صديق يقصد منه حسن المعنى .
فإذا أعجبتك صورة إمرأة فتأمل خلالها الباطنة مديدة قبل أن يتعلق القلب بها تعلقاً محكماً ، فإن رأيتها كما تحب ـ و أصل ذلك كله الدين كما قال : عليك بذات الدين ـ فمل إليها و استولدها .
و كن في ميلك معتدلاً ، فإنه من الغلط أن تظهر لمحبوبك المحبة ، فإنه يشتط عليك ، و تلقى منه الأذى من التجني و الهجران و الإدلال و طلب الإنفاق الكثير ـ و إن كانت تحبك ـ لأن هذا إنما يجتلبه حب الإدلال و التسلط على المقهور .
و ثم نكتة عجيبة ، و هو أنك ربما عملت بمقتضى الحال الحاضرة ، و هي تحكم بكمال الحب ، ثم إن ذلك لا يثبت إليك فتقع و تبقى مقهوراً ، و يصعب عليك الخلاص .
و ربما تمكنت بمعرفة سرك أو بأخذ كثير من مالك .
و من أحسن ما بلغني في هذا أن جارية لبعض الخلفاء كانت تحبه حباً شديداً ، و لا تظهر له ذلك ، فسئلت عن هذا ، فقالت : لو أظهرت ما عندي فجفاني هلكت ، قال الشاعر :
لا تظهرن مودة لحبيب فترى بعينك منه كل عجيب
أظهرت يوماً للحبيب مودتي فأخذت من هجرانه بنصيبي
و هكذا ينبغي أن تكتم بعض حبك للولد ، لأنه يتسلط عليك ، و يضيع مالك ، و يبالغ في الإدلال ، و يمتنع عن التعلم و التأدب .
و كذلك إذا اصطفيت صديقاً و خبرته ، فلا تخبره بكل ما عندك ، بل تعاهده بالإحسان كما تتعاهد الشجرة ، فإنها إذا كانت جيدة الأصل حسنت ثمرتها بالتعاهد ، ثم كن منه على حذر فقد تتغير الأحوال ، و قد قيل :
إحذر عدوك مرة و احذر صديقك ألف مرة
فلربما انقلب الصديق فكان أدرى بالمضرة
و أما إذا أبغضت شخصاً لأنه يسوؤك فلا تظهرن ذلك ، فإنك تنبهه على أخذ الحذر منك ، و تدعوه إلى المبارزة ، فيبالغ في حربك و الإحتيال عليك ، بل ينبغي أن تظهر له الجميل إن قدرت ، و تبره ما استطعت حتى تنكسر معاداته بالحياء من بغضك . فإن لم تطق فهجر الجميل ، لا تبين فيه ما يؤذي .
و متى سمعت عنه كلمة قذعة فاجعل جوابها كلمة جميلة . فهي أقوى في كف لسانه .
و كذلك جميع ما يخاف إظهاره ، فلا تتكلمن به . فربما وقعت كلمة أسقطت بها عز السلطان ، فنقلت إليه ، فكانت سبب هلاكك .
أو عن صديق فكانت سبب عداوته ، أو صرت رهيناً لمن سمعها خائفاً أن يظهرها .
فالحزم كتمان الحب و البغض .
و كذا ينبغي أن تكتم سنك فإن كنت كبيراً استهرموك ، و إن كنت صغيراً استحقروك .
و كذلك مقدار مالك ، فأنه إن كان كثيراً نسبوك في نفقتك إلى البخل و إن كان قليلاً طلبوا الراحة منك .
و كذلك المذهب ، فإنك إن أظهرته لم تأمن أن يسمعه مخالف فيقطع بكفرك .
و قد أنشدنا محمد بن عبد الباقي البزار :
احفظ لسانك لا تبح بثلاثة سن و مال ، ما استطعت و مذهب
فعلى ثلاثة تبتلى بثلاثة بمموه و مخرف و مكذب



· فصل : المعين للظالم ظالم


طال تعجبي من مؤمن بالله عز وجل ، مؤمن بجزائه ، يؤثر خدمة السلطان مع ما يرى منه من الجور الظاهر .
فوا عجباً ما الذي يعجبه ؟
إن كان الذي يعجبه دنيوناً فليس ثم إلا أن يصاح بين يديه بسم الله و أن يتصدر في المجالس و يلوي عنقه كبراً على النظراء ، و يأخذ الأسحات و هو يعلم من أين حصل ، و ربما انبسط في البرطيل .
ثم يقابل هذا أن يصادر و يعزل ، فتستخرج منه تلك المرارة منه كل حلاوة كانت في الولاية .
و ربما كان قريب الحال فإفتقر بالمصادرة جداً ، ثم تنطلق الألسن المادحة بالذم .
ثم لو سلم من هذا فإنه لا يسلم من الرقيب لهو الحذر منه ، فهو كراكب البحر إن سلم بدنه من الغرق لم يسلم من الخوف .
و إن كان ديناً فإنه يعلم أنهم لا يمكنونه في الغالب من العمل بمقتضى الدين فإنهم يأمرونه بترك ما يجب و فعل ما لا يجوز ، فيذهب دينه على البارد .
و لعقاب الآخرة أشق .



· فصل : الحر لا يشترى إلا بالإحسان


العجب من الذي أنف الذل كيف لا يصبر على جلف الخبز ، و لا يتعرض لمنن الأنذال .
أتراه ما يعلم أنه ما بقي صاحب مروءة ! وأنه إن سأل سأل بخيلاًً لا يعطي ، فإن أعطى نزراً فإنه يستعبد المعطي بذلك العمر .
ثم ذاك القدر النزر يذهب عاجلاً ، و تبقى المنن و الخجل و رؤية النفس بعين الإحتقار ، إذ صارت سائلة ، و رؤية المعطي بعين التعظيم أبداً .
ثم يوجب ذلك السكوت عن معائب المعطى ، و البدار إلى قضاء حقوقه و خدمته في ما يفي .
و أعجب من هذا من يقدر أن يستعبد الأحرار بقليل العطاء الفاني ، و لا يفعل ، فإن الحر لا يشترى إلا بالإحسان . قال الشاعر :
تفضل على من شئت واعن بأمره فأنت و لو كان الأمير أميره
و كن ذا غنى عمن تشاء من الورى و لو كان سلطاناً فأنت نظيره
و من كنت محتاجاً إليه و واقفاً على طمع منه فأنت أسيره



· فصل : نصيحة للشباب


ينبغي للصبي إذا بلغ أن يحذر كثرة الجماع ليبقى جوهره فيفيده ذلك في الكبر . لأنه مر الجائزة كبره .
و الاستعداد للجائز حزم ، فكيف للغالب ؟ كما ينبغي أن يستعد للشتاء قبل هجومه .
و متى أنفق الحاصل وقت القدرة ، تأذى بالفقر إليه وقت الفاقة .
و ليعلم ذو الدين و الفهم أن المتعة إنما تكون بالقرب من الحبيب ، و القرب يحصل بالتقبيل و الضم ، و ذلك يقوي المحبة ، و المحبة يلذ و جودها ، و اوطء ينقص المحبة و يعدم تلك اللذة .
و قد كان العرب يعشقون و لا يرون وطء المعشوق . قال قائلهم : إن نكح الحب فسد . فأما الإلتذاذ بنفس الوطء فشأن البهائم .
و لقد تأملت المراد من الوطء فوجدت فيه معنى عجيباً يخفى على كثير من الناس ، و هو أن النفس إذا عشقت شخصاً أحبت القرب منه ، فهي تؤثر الضم و المعانقة ، لأنهما غاية في القرب .
ثم تريد قرباً يزيد على هذا ، فيقبل الخد . ثم تطلب القرب من الروح ، فيقبل الفم ، لأنه منفذ إلى الروح .
ثم تطلب الزيادة فيمص لسان المحبوب ، و قد كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يتوشح عائشة و يقلبها يمص لسانها .
فإذا طلبت النفس زيادة في القرب إلى النفس ، استعملت الوطء .
فهذا سره المعنوي ، و يحصل منه الالتذاذ الحسي .



· فصل : على العامي الإيمان بالأصول


ليس على العوام أضر من سماعهم علم الكلام .
و إنما ينبغي أن يحذر العوام من سماعه ، و الخوض فيه ، كما يحذر الصبي من شاطئ النهر ، خوف الغرق .
و ربما ظن العامي أنه له قوة يدرك بها هذا ، و هو فاسد ، فإنه قد زل في هذا خلق من العلماء ، فكيف العوام ؟
و ما رأيت أحمق من جمهور قصاص زماننا ، فإنه يحضر عندهم العوام الغشم فلا ينهونهم عن خمر و زناً و غيبة ، و لا يعلمونهم أركان الصلاة و وظائف التعبد ، بل يملأون الزمان بذكر الإستواء و تأويل الصفات ، و أن الكلام قائم بالذات ، فيتأذى بذلك من كان قلبه سليماً .
و إنما على العامي أن يؤمن بالأصول الخمسة بالله و ملائكته و كتبه و رسله و اليوم الآخر ، و يقنع بما قال السلف : القرآن كلام الله غير مخلوق و الإستواء حق و الكيف مجهول .
و ليعلم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم و سلم لم يكلف الأعراب سوى مجرد الإيمان ، و لم تتكلم الصحابة في الجواهر و الأعراض .
فمن مات على طريقهم مات مؤمناً سليماً من بدعة .
و من تعرض لساحل البحر و هو لا يحسن السباحة ، فالظاهر غرقه .



· فصل : المباحات تشغل عن تحصيل الفضائل


أشد الناس جهلاً منهوم باللذات . و اللذات على ضربين : مباحة و محظورة فالمباحة لا يكاد يحصل منها شيء إلا بضياع ما هو مهم من الدين . فإذا حصلت منها محبة قارنها قنطار من الهم . ثم لا تكاد تصفو في نفسها بل مكدراتها ألوف .
فإذا صور عدمها بعد انقضائها و بقاء هذه الألوف المكدرة صار التصوير مغلصماً للهوى مجرئاً للنفس .
فإذا أنفت أنفت من الأسف على الدوام ما لا تحويه صفة ، فهي تغر الغمر و تهدم العمر ، و تديم الأسى .
و مع هذا فالمنهوم كلما عب من لذة طلب أختها ، و قد عرف جناية الأولى و خيانتها .
و هذا مرض العقل ، و داء الطبع ، فلا يزال هذا كذلك ، إلى أن يختطف بالموت ، فيلقى على بساط ندم لا يستدرك .
فالعجب ممن همته هكذا مع قصر العمر ، ثم لا يهتم بآخرته التي لذتها سليمة من شامت ، منزهة عن معائب دائمة الأمد ، باقية ببقاء الأبد .
و إنما يحصل تقريب هذه بإبعاد تلك ، و عمران هذه بتخريب تلك .
فواعجباً لعاقل حصيف حسن التدبير فاته النظر في هذه الأحوال ، و غفل عن التمييز بين هذين الأمرين .
و إن كانت اللذة معصية إنضم إلى ما ذكرناه عار الدنيا ، و الفضيحة بين الخلق ، و عقوبة الحدود ، و عقاب الآخرة ، و غضب الحق سبحانه .
بالله ، إن المباحات تشغل عن تحصيل الفضائل ، فذم ذلك لبيان الحزم .
فكيف بالمحرمات التي هي غاية الرذائل ؟
نسأل الله عز وجل يقظه تحركنا إلى منافعنا . و تزعجنا عن خوادعنا ، إنه قريب .



· فصل : رجاء الرحمة


تأملت على الخلق و إذا هم في حالة عجيبة ، يكاد يقطع معها بفساد العقل .
و ذلك أن الإنسان يسمع المواعظ ، و تذكر له الآخرة ، فيعلم صدق القائل ، فيبكي و ينزعج على تفريطه ، و يعزم على الإستدلاك ، ثم يتراخى عمله بمقتضى ما عزم عليه .
فإذا قيل له : أتشك فيما وعدت به ؟ قال : لا و الله ، فيقال له : فاعمل ، فينوي ذلك ثم يتوقف عن العمل . و ربما مال إلى لذة محرمة ، و هو يعلم النهي عنها .
و من هذا الجنس تأخر الثلاثة الذين خلفوا ، و لم يكن لهم عذر ، هم يعلمون قبح التأخر ، و كذلك كل عاص فتأملت السبب مع أن الإعتقاد صحيح ، و الفعل بطىء ، فإذاً له ثلاثة أسباب :
أحدها : رؤية الهوى العاجل ، فإن رؤيته تشغل عن الفكر فيما يجنيه .
و الثاني : التسويف بالتوبة ، فلو حضر العقل لحذر من آفات التأخير ، فربما هجم الموت و لم تحصل التوبة .
و العجب ممن يجوز سلب روحه قبل مضي ساعة ، و لا يعمل على الحزم ، غير أن الهوى يطيل الأمد ، و قد قال صاحب الشرع صلى الله عليه و سلم : صل الصلاة مودع . و هذا نهاية الدواء لهذا الداء ، فإنه من ظن أنه لا يبقى إلى الصلاة أخرى جد و اجتهد .
و الثالث : رجاء الرحمة ، فيرى العاصي يقول : ربي رحيم ، و ينسى أنه شديد العقاب . و لو علم أن رحمته ليست رقة إذ لو كانت كذلك لما ذبح عصفوراً و لا آلم طفلاً و عقابه غير مأمون ، فإن شرع قطع اليد الشريفة بسرقة خمسة قراريط .
فنسأل الله عز وجل أن يهب لنا حزماً يبت المصالح جزماً .



· فصل : ذل النفس للخالق


نظرت في قول رسول الله صلى الله عليه و سلم ، لما لبس الخاتم ثم رمى به و قال : شغلني نظري إليكم ، و نظري إليه و قوله : هذا رجل يتبختر في حلته مرجلاً جمته خسف به الأرض ، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة . فرأيت أنه لا ينبغي لأحد أن يلبس ثوباً معجباً و لا شيئاً من زينة ، لأن ذلك يوجب النظر إلى النفس بعين الإعجاب ، و النفس ينبغي أن تكون ذليلة للخالق .
و قد كان قدماء أحبار في بني إسرائيل يمشون على العصي لئلا يقع منهم بطر في المشي .
و لبست أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها درعاً لها فأعجبت به ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه و سلم : إن الله لا ينظر إليك في حالتك هذه .
و لما لبس رسول الله صلى الله عليه و سلم خميصة لها أعلام قال : ألهتني هذه عن صلاتي و هذا كله يوجب الإعراض عن الزينة و ما يحرك إلى الفخر و الزهو و العجب .
و لهذا حرم الحرير .
و أقول على أسباب هذا : إن المرقعات التي يتتوق فيها المتصوفة بالسوارك و التلميع ، ربما أوجبت زهو اللابس إما لحسنها في ذاتها ، أو لعمله أنها تنبئ عنه بالتصوف و الزهد .
و كذلك الخاتم في اليد ، و طول الأكمام و النعال الصرارة .
و لا أقول : إن هذه الأشياء تحرم بل ربما جلبت ما يحرم من الزهو . فينبغي للعاقل أن يتنبه بما قلت في دفع كل ما يحذر من شره .
و قد ركب ابن عمر نجيباً فأعجبه مشيه فنزل ، و قال يا نافع : أخله في البدن .



· فصل : إلزم خلوتك


من أراد إجتماع همه و إصلاح قلبه ، فليحذر من مخالطة الناس في هذا الزمان ، فإنه قد كان يقع الإجتماع على ما ينفع ذكره ، فصار الإجتماع على ما يضر .
و قد جربت على نفسي مراراً أن أحصرها في بيت العزلة ، فتجتمع هي ، و يضاف إلى ذلك النظر في سير السلف ، فأرى العزلة ، حمية ، و النظر في سير القوم دواء ، و استعمال الدواء مع الحمية عن التخليط نافع .
فإذا فسحت لنفسي في مجالسة الناس و لقائهم تشتت القلب المجتمع ، و وقع الذهول عما كنت أراعيه ، و انتقش في القلب ما قد رأته العين ، و في الضمير ما تسمعه الأذن ، و في النفس ما تطمع في تحصيله من الدنيا . و إذا جمهور المخالطين أرباب غفلة ، و الطبع بمجالستهم يسرق من طباعهم .
فإذا عدت أطلب القلب لم أجده ، و أروم ذاك الحضور فأفقده ، فؤادي في غمار ذلك اللقاء للناس أياماً حتى يسلو الهوى .
و ما فائدة تعريض البناء للنقض ؟
فإن دوام العزلة كالبناء ، و النظر في سير السلف يرفع ، فإذا وقعت المخالطة إنتقض ما بني في مدة ، في لحظة، و صعب التلاقي ، و ضعف القلب .
و من له فهم يعرف أمراض القلب ، و إعراضه عن صاحبه ، و خروج طائره من قفصه .
و لا يؤمن على هذا المريض أن يكون مرضه هذا سبب التلف ، و لا على هذا الطائر المحصور أن يقع في الشبكة .
و سبب مرض القلب أنه كان محمياً عن التخليط ، مغذواً بالعلم و سير السلف ، فخلط ، فلم يحتمل مزاجه فوقع المرض .
فالجد الجد فإنما هي أيام و ما نرى من يلقى ، و لا من يؤخذ منه ، و لا من تنفع مجالسته ، إلا أن يكون نادراً ما أعرفه .
ما في الصحاب أخو وجد نطارحه حديث نجد و لا خل نجاريه
فالزم خلوقت ، و راع ـ ما بقيت النفس ـ و إذا قلقت النفس مشتاقة إلى لقاء الخلق فإعلم أنها بعد كدرة ، فرضها ليصير لقاؤهم عندها مكروهاً .
و لو كان عندها شغل بالخالق لما أحبت الزحمة ، كما أن الذي يخلو بحبيبه لا يؤثر حضور غيره .
و لو أنها عشقت طريق اليمن ، لم تلتفت إلى الشام .



· فصل : إنما يتعثر من لم يخلص


تفكرت في سبب هداية من يهتدي ، و إنتباه من يتيقظ من رقاد من رقاد غفلته ، فوجدت السبب الأكبر كاختبار الحق عز وجل لذلك الشخص ، كما قيل : إذا أرادك لأمر هيأك له .
فتار تقع اليقظة بمجرد فكر يوجبه نظر العقل ، فيتلمح الإنسان وجود نفسه ، فيعلم أن لها صانعاً ، و قد طالبه بحقه ، و شكر نعمته ، و خوفه عقاب مخالفته ، و لا يكون ذلك بسبب ظاهر .
و من هذا ما جرى لأهل الكهف : إذ قاموا فقالوا ربنا رب السموات و الأرض .
و في التفسير : أن كل واحد منهم ألقى في قلبه يقظة ، فقال : لا بد لهذا الخلق من خالق ، فاشتد كرب بواطنهم من وقود نار الحذر ، فخرجوا إلى الصحراء ، فاجتمعوا عن غير موعد .
فكل واحد يسأل الآخر : ما الذي أخرجك . . . ؟ فتصادقوا .
و من الناس من يجعل الخالق سبحانه و تعالى لذلك السبب الذي هو الفكر و النظر سبباً ظاهراً ، إما من موعظة يسمعها أو يراها ، فيحرك هذا السبب الظاهر فكرة القلب الباطنة ، ثم ينقسم المتيقظون ، فمنهم من يغلبه هواه و يقتضيه طبعه ، ما يشتهي مما قد إعتاده فيعود القهقرى ، و لا ينفعه ما حصل له من الإنتباه ، ، فإنتباه مثل هذا زيادة في الحجة عليه .
و منهم من هو واقف في مقام المجاهدة بين صفين : العقل الآمر بالتقوى ، الهوى المتقاضى بالشهوات .
فمنهم من يغلب بعد المجاهدات الطويلة فيعود إلى الشر و يختم له به . و منهم من يغلب تارة و يغلب أخرى ، فجراحاته لا في مقتل .
و منهم من يقهر عدوه فيسجنه في حبس ، فلا يبقى للعدو من الحيلة إلا الوساوس .
و من الصفوة أقوام مذ تيقظوا ما ناموا ، و مذ سلكوا ما وقفوا . فهمهم صعود و ترق .
كلما عبروا مقاماً إلى مقام ، رأوا نقص ما كانوا فيه فاستغفروا . و منهم من يرقى عن الإحتياج إلى مجاهدة ، إما لخسة ما يدعو إليه الطبع عنده و لا وقع له . و إما لشرف مطلوبه فلا يلتفت إلى عائق عنه .
و اعلم أن الطريق الموصلة إلى الحق سبحانه ليست مما يقطع بالأقدام ، إنما يقطع بالقلوب .
و الشهوات العاجلة قطاع الطريق ، و السبيل كالليل المدلهم .
غير أن عين الموفق بصر فرس ، لأنه يرى في الظلمة ، كما يرى في الضوء .
و الصدق في الطلب منار أين وجد يدل على الجادة ، و إنما يتعثر من لم يخلص .
و إنما يمتنع الإخلاص ممن لا يراد ، فلا حول و لا قوة إلا بالله .



· فصل : الروح لا الجسد


عجبت لمن يعجب بصورته و يختال في مشيته ، و ينسى مبدأ أمره .
إنما أوله لقمة ضمت إليها جرعة ماء فإن شئت فقل كسيرة خبز معها تمرات ، و قطعة من لحم ، و مذقة من لبن ، و جرعة من ماء ، و نحو ذلك ، طبخته الكبد فأخرجت منه قطرات مني ، فإستقر في الأنثيين فحركتها الشهوة ، فصبت في بطن الأم مدة حتى تكاملت صورتها ، فخرجت طفلاً تتقلب في خرق البول .
و أما آخره فإنه يلقى في التراب ، فيأكله الدود ، و يصبر رفاتاً تسقيه السواقي .
و كم يخرج تراب بدنه من مكان إلى مكان آخر ؟ و يقلب في أحوال إلى أن يعود فيجمع .
هذا خبر البدن .
إنما الروح عليها العمل ، فإن تجوهرت بالأدب ، و تقومت بالعلم ، و عرفت الصانع ، و قامت بحقه ، فما يضرها نقض المركب .
و إن هي بقيت على صفتها من الجهالة شابهت الطين ، بل صارت إلى أخس حالة منه .



· فصل : البعد عمن كان همه الدنيا


هيهات أن يجتمع الهم مع التلبس بأمور الدنيا ، خصوصاً الشاب الفقير الذي قد ألف الفقر .
فإنه إذا تزوج و ليس له شيء من الدنيا ، إهتم بالكسب ، أو بالطلب من الناس فتشتتت همته ، و جاءه الأولاد فزاد الأمر عليه . و لا يزال يرخص لنفسه فيما يحصل إلى أن يتلبس بالحرام .
و من يفكر فهمته ما يأكل و ما يأكله أهله ، ما ترضى به الزوجة من النفقة و الكسوة ، و ليس له ذلك ، فأي قلب يحضر له ؟ و أي هم يجتمع ؟ هيهات .
و الله لا يجتمع الهم و العين تنظر إلى الناس ، و السمع يسمع حديثهم ، و اللسان يخاطبهم ، و القلب متوزع في تحصيل ما لا بد منه .
فإن قال قائل : فكيف أصنع ؟
قلت : إن وجدت ما يكفيك من الدنيا ، أو معيشة تكفك فاقنع بها ، و إنفرد في خلوة عن الخلق مهما قدرت ، و إن تزوجت فبفقيرة تقنع باليسير ، و تصبر أنت على صورتها و فقرها ، و لا تترك نفسك تطمح إلى من تحتاج إلى فضل نفقته .
فإن رزقت إمرأة صالحة جمعت همك فذاك ، و إن لم تقدر فمعالجة الصبر أصلح لك من المخاطرة .
و إياك و المستحسنات ، فإن صاحبهن إذا سلم كعابد صنم ، و إذا حصل بيدك شيء فأنفق بعض ، فبحفظ الباقي تحفظ شتات قلبك .
و إحذر كل الحذر من هذا الزمان و أهله فما بقي مواس و لا مؤثر ، و لا من يهتم لسد خلة ، و لا من لو سئل أعطى ، إلا أن يعطي نذراً بتضجر .
و منة يستعبد بها المعطى بقية العمر ، و يستثقله كلما رآه ، أو يستدعي بها خدمته له و التردد إليه .
و إنما كان في الزمان الماضي مثل أبي عمرو بن نجيد سمع أبا عثمان المغربي يقول يوماً على المنبر : علي ألف دينار ، و قد ضاق صدري .
فمضى أبو عمرو إليه في الليل بألف دينار ، و قال إقض دينك .
فلما عاد و صعد المنبر ، قال : نشكر الله لأبي عمرو ، فإنه أراح قلبي و قضى ديني .
فقام أبو عمرو فقال : أيها الشيخ ذلك المال كان لوالدتي و قد شق عليها ما فعلت ، فإن رأيت أن تتقدم برده فإفعل .
فلما كان في الليل عاد إليه ، و قال له : لماذا شهرتني بين الناس ؟
فأنا ما فعلت لأجل الخلق ، فخذه و لا تذكرني :
ماتوا و غيب في التراب شخوصهم و النشر مسك و العظام رميم
فالبعد البعد عن من همته الدنيا ، فإن زادهم اليوم إلى أن يحصل أقرب منه إلى أن يؤثر .
و لا تكاد ترى إلا عدواً في الباطن ، صديقاً في الظاهر ، شامتاً على الضر ، حسوداً على النعمة .
فاشتر العزلة بما بيعت ، فإن من له قلب إذا مشى في الأسواق و عاد إلى منزله تغير قلبه .
فكيف إن عرقله بالميل إلى أسباب الدنيا ، و اجتهد في جمع الهم بالبعد عن الخلق ليخلو القلب بالتفكر في المآب ، و تتلمح عين البصيرة خيم الرحيل؟



· فصل : زيارة الصالحين تجلو القلب


كان المريد في بداية الزمان إذا أظلم قلبه أو مرض لبه قصد زيادة بعض الصالحين ، فانجلى ما أظلم .
و اليوم متى حصلت ذرة من الصدق لمريد فردته في بيت عزلة ، و وجد نسيما من روح العافية و نوراً في باطن قلبه ، و كاد همه يجتمع ، و شتاته ينتظم ، فخرج فلقى من يومئ إليه بعلم أو زهد رأى عند البطالين يجري معهم في مسلك الهذيان الذي لا ينفع .
و رأى صورته صورة منمس و أهون ما عليه تضييع الأوقات في الحديث الفارغ . فما يرجع المريد عن ذلك الوطن إلا و قد إكتسب ظلمة في القلب ، و شتاتاً في العزم ، و غفلة عن ذكر الآخرة ، فيعود مريض القلب ، يتعب في معالجته أياماً كثيرة حتى يعود إلى ما كان فيه .
ربما لم يعد ، لأن المريد فيه ضعف .
فإنه إذا رأى شيخاً قد جرب و عرف ثم يؤثر البطالة ، لم يأمن أن يتبعه الطبع .
فالأولى للمريد اليوم ألا يزور إلا المقابر ، و لا يقاوض إلا الكتب ، التي قد حوت محاسن القوم .
و ليستعن بالله تعالى على التوفيق لمراضيه ، فإنه إن أراده هيأه لما يرضيه .



· فصل : أولياء الله


تأملت الذين يختارهم الحق عز وجل لولايته و القرب منه . فقد سمعنا أوصافهم و من نظنه منهم ، ممن رأيناه .
فوجدته سبحانه لا يختار إلا شخصاً كامل الصورة ، لا عيب في صورته ، و لا نقص في خلقته . فتراه حسن الوجه ، معتدل القامة ، سليماً من آفة في بدنه .
ثم يكون كاملاً في باطنه ، سخياً جواداً عاقلا ، غير خب و لا خادع ، و لا حقود و لا حسود ، و لا فيه عيب من عيوب الباطن .
فذاك الذي يربيه من صغره ، فتراه في الطفولة معتزلاً عن الصبيان ، كأنه في الصبا شيخ ، ينبو عن الرذائل ، و يفزع من النقائص ، ثم لا تزال شجرة همته تنمو حتى يرى ثمرها متهدلاً على أغصان الشباب ، فهو حريص على العلم ، منكمش على العمل ، محافظ للزمان ، مراع للأوقات ، ساع في طلب الفضائل خائف من النقائص .
و لو رأيت التوفيق و الإلهام الرباني يحوطه ، لرأيت كيفي أخذ بيده إن عثر ، و يمنعه من الخطأ إن هم و يستخدمه في الفضائل ، و يستر عمله عنه حتى لا يراه منه .
ثم ينقسم هؤلاء . فمنهم من تفقه على قدم الزهد و التعبد ، و منهم من تفقه على العلم إتباع السنة .
و يندر منهم من يجمع له الكل و يرقيه إلى مزاحمة الكاملين .
و علامة إثبات الكمال في العلم و العمل ، الإقبال بالكلية على معاملة الحق و محبته ، و استيعاب الفضائل كلها ، و سناء الهمة في نشدان الكمال الممكن .
فلو تصورت النبوة أن تكسب لدخلت في كسبه .
و مراتب هذا لا يحتملها الوصف ، لكونه درة الوجود ، التي لا تكاد تنعقد في الصدف إلا في كل ودود .
نسأل الله عز وجل توفيقاً لمراضيه و قريبه ، و نعوذ به من طرده و إبعاده .



· فصل : ذلك مبلغهم من العلم


أكثر الخلائق على طبع ردىء لا تقومه الرياضة . لا يدرون لم خلقوا و لا ما المراد منهم . و غاية همتهم حصول بغيتهم من أغراضهم . و لا يسألون عند نيلها ما اجتلبت لهم من ذم .
يبذلون العرض دون الغرض ، و يؤثرون لذة ساعة ، و إن اجتلبت زمان مرض .
يلبسون عند التجارات ثياب محتال ، في شعار مختال ، و يلبسون في المعاملات ، و يسترون الحال .
إن كسبوا فشبهة و إن أكلوا فشهوة . ينامون الليل و إن كانوا نياماً بالنهار في المعنى ، و لا نوم بهذه الصورة .
فإذا أصبحوا سعوا في تحصيل شهواتهم بحرص خنزير ، و تبصبص كلب ، و افتراس أسد ، و غارة ذئب ، و روغان ثعلب .
و يتأسفون عند الموت على فقد الهوى ، لا على عدم التقوى . ذلك مبلغهم من العلم .
كيف يفلح من يؤثر ما يراه بعينه على ما يبصره بعقله ، و ما يدركه ببصره أعز عنده مما يراه ببصيرته .
تالله لو فتحوا أسماعهم لسمعوا هاتف الرحيل في زمان الإقامة يصيح في عرصات الدنيا : تلمحوا تقويض خيام الأوائل .
لكن عمرهم سكر الجهالة ، فلم يفيقوا إلا بضرب الحد .



· فصل : الله لا يقبل إلا الطيب


رأيت بعض المتقدمين سئل عمن يكتسب حلالاً و حراماً من السلاطين و الأمراء ، ثم يبنى المساجد و الأربطة : هل له فيها ثواب ؟ فأقتى بما يوجب طيب قلب المنفق ، و أن له في أنفاق ما لا يملكه نوع سمسرة ، لأنه لا يعرف أعيان المغصوبين فيردها .
فقلت : واعجباً ! من المتصدين للفتوى الذين لا يعرفون أصول الشريعة .
ينبغي أن ينظر في حال المنفق أولاً ، فإن كان سلطاناً فما يخرج من بيت المال قد عرفت وجوه مصارفه ، فكيف يمنع مستحقه و يشغله بما لا يفيد من بناء مدرسة و رباط .
و إن كان المنفق من الأمراء و نواب السلاطين ، فإنه يجب أن يرد ما يجب رده إلى بيت المال ، و ليس له فيه إلا ما فرض من إيجاب يليق به .
فإن تصرف في غير ذلك كان مصروفاً فيما ليس له ، و لو أذن له كان الإذن جائزاً .
و إن كان قد أقطع مالاً يقاوم عمله ، كان ما يأخذه فاضلاً من أموال المسلمين لا حق له فيه . و على من أطلقه في ذلك إثم أيضاً .
هذا و إذا كان حرماً أو غصباً فكل تصرف فيه حرام ، و الواجب رده على من أخذ منه له على ورثتهم .
فإن لم يعرف طريق الرد كان في بيت مال المسلمين ، يصرف في مصالحهم أو يصرف في الصدقة ، و لم يحظ آخذه بغير الإثم .
أنبأنا أحمد بن الحسن بن البنا قال : أخبرنا محمد بن علي الزجاجي ، قال : أخبرنا عبد الله بن محمد الأسدي ، قال : أخبرنا علي بن الحسن ، قال : حدثنا أبو داوود ، قال : حدثنا محمد بن عون الطائي ، قال : حدثنا أبو المغيرة ، قال : حدثنا الأوزعي ، قال : حدثني موسى بن سليمان ، قال : سمعت القاسم بن مخيمرة ، يقول : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : من اكتسب مالاً من مأثم ، فوصل رحماً ، أو تصدق به ، أو أنفقه في سبيل الله ، جمع ذلك جميعاً فقذف بهفي جهنم .
فأما إذا كان الباني تاجراً مكتسباً للحلال ، فبنى مسجداً أو وقف و قفاً للمتفقهة ، فهذا مما يثاب عليه .
و يبعد من يكتسب الحلال حتى يفضل عنه هذا المقدار ، أو يخرج الزكاة مستقصاة ، ثم يطيب قلبه بمثل هذا البناء و النفقة .
إذ مثل هذا البنيان لا يجوز أن يكون من زكاة .
و أين سلامة النية و خلوص المقصد .
و إن بناء المدارس اليوم مخاطرة ، إذ قد انعكف أكثر المتفقهة على علم الجدل ، و أرعضوا عن علوم الشريعة ، و تركوا التردد إلى المساجد ، و قنعوا بالمدارس و الألقاب .
و أما بناء الأربطة فليس بشيء أصلاً ، لآن جمهور المتصوفة جلوس على بساط الجهل و الكسل ، ثم يدعي مدعيهم المحبة و القرب ، و يكره التشاغل بالعلم ، و قد تركوه سيرة سري و عادات الجنيد ، و اقتنعوا بأداء الفرائض ، و رضوا بالمرقعات .
فلا تحسن إعانتهم على بطالتهم و راحتهم ، و لا ثواب في ذلك .



· فصل : القلوب تشهد للصالح بالصلاح


عجبت لمن يتصنع للناس بالزهد يرجو بذلك قربه من قلوبهم ، و ينسى أن قلوبهم بيد من يعمل له . فإن رضي عمله و رآه خالصاً لفت القلوب إليه ، و إن لم يره خالصاً أعرض بها عنه .
و متى نظر العامل إلى إلتفات القلوب إليه فقد زاحم الشرك لأنه ينبغي أن يقنع بنظر من يعمل له .
و من ضرورة الإخلاص ألا يقصد إلتفات القلوب إليه ، فذاك يحصل لا بقصده بل بكراهته لذلك .
و ليعلم الإنسان أن أعماله كلها يعلمها الخلق جملة . و إن لم يطلعوا عليها .
فالقلوب تشهد للصالح بالصلاح ، و إن لم يشاهد منه ذلك .
فأما من يقصد رؤية الخلق بعمله فقد مضى العمل ضائعاً ، لأنه غير مقبول عند الخالق و لا عند الخلق ، لأن قلوبهم قد ألفتت عنه ، فقد ضاع العمل و ذهب العمر .
و لقد أخبرنا ابن الحصين ، قال : أخبرنا ابن المذهب ، قال : أخبرنا أحمد بن جعفر ، قال : حدثنا حسن بن موسى ، قال : حدثنا ابن لهيعة ، قال : حدثنا دراج ، عن أبي الهثيم ، عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال : لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب و لا كوة لخرج الناس عمله كائناً ما كان
فليتق الله العبد ، و ليقصد من ينفعه قصده ، و لا يتشاغل بمدح من عن قليل يبتلي هو . . . و هم .



· فصل : سيرة السلف الصالح


قدم علينا بعض الفقهاء من بلاد الأعاجم ، و كان قاضياً ببلده ، فرأيت على دابته الذهب و معه أنوار الفضة و أشياء كثيرة من المحرمات .
فقلت : أي شيء أفاد هذا العلم ؟ بل و الله قد كثرت عليه الحجج .
و أكبر الأسباب قلة علم هؤلاء بسيرة السلف و ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم ، إنهم يجهلون الجملة ، ويتشاغلون بعلم الخلاف ، و يقصدون التقدم بقشور المعرفة و ليس يعنيهم سماع حديث و لا نظر في سير السلف .
و يخالطون السلاطين فيحتاجون إلى التزيي بزيهم ، و ربما خطر لهم أن هذا قريب ، و إن لم يخطر لهم فالهوى غالب بلا صاد .
و ربما خطر لهم أن : هذا يحتمل و يغفر ، في جانب تشاغلنا بالعلم . ثم يرون العلماء يكرمونهم لنيل شيء من دنياهم ، و لا ينكرون عليهم .
و لقد رأيت من الذين ينتسبون إلى العلم من يستصحب المردان ، و يشتري المماليك ، و ما كان يفعل هذا إلا من قد يئس من الآخرة .
و رأيت من قد بلغ الثمانين من العلماء ، و هو على هذه الحالة .
فالله الله من يريد حفظ دينه و يوقن بالآخرة ، إياك و التأويلات الفاسدة ، الأهواء الغالبة ، فإنك أن ترخصت بالدخول في بعضها جرك الأمر إلى الباقي ، و لم تقدر على الخروج لموضع إلف الهوى .
فإقبل نصحي ، و اقنع بالكسرة ، و ابعد عن أرباب الدنيا ، فإذا
ضج الهوى فدعه لهذا .
وربما قال لك : فالأمر الفلاني قريب ، فلا تفعل ، فإنه لو كان قريباً يدعو إلى غيره و يصعب التلافي .
فالصبر الصبر على شظف العيس ، و البعد عن أرباب الهوى ، فما يتمدين إلا بذلك .
و متى وقع الترخص حمل إلى غيره ، كالشاطئ إلى اللجة . و إنما هو طعام دون طعام و لباس دون لباس ، و وجه أصبح من وجه ، و إنما هي أيام يسيرة .



· فصل : سلم لما لا تعلم


من تفكر في عظمة الله عز وجل ، طاش عقله ، لأنه يحتاج أن يثبت موجوداً
لا أول لوجوده . هذا شيء لا يعرفه والحس ، و إنما يقربه العقل ضرورة .
و هو متحير بعد الإقرار ، ثم يرى من أفعاله ما يدل على و جوده ثم تجري في أقداره أمور لولا ثبوت الدليل على وجوده لأوجبت الجحد .
فإنه يفرق البحر لبني إسرائيل ، و ذلك شيء لا يقدر عليه سوى الخالق ، و يصير العصا حية ثم يعيدها تلقف ما صنعوا ولا يزيد فيها شيء .
فهل بعد هذا بيان ؟
فإذا آمنت السحرة تركهم مع فرعون يصلبهم و لا يمنع ، و الأنبياء يبتلون بالجوع و القتل ، و زكريا ينشر ، و يحيى تقتله زانية ، و نبينا صلى الله عليه و سلم يقول كل عام : من يؤويني ؟ من ينصرني ؟
فيكاد الجاهل بوجود الخالق يقول : لو كان موجوداً لنصر أولياءه .
فينبغي للعاقل الذي قد ثبت عنده وجوده بالأدلة الظاهرة الجلية ألا يمكن عقله من الإعتراض عليه في أفعاله، لا يطلب لها علة .
إذ قد ثبت أنه مالك و حكيم ، فإذا خفي علينا وجه الحكمة في فعله ، نسبنا ذلك العجز إلى فهومنا .
و كيف لا وقد عجز موسى عليه السلام أن يعرف حكمة خرق السفينة ، و قتل الغلام ، فلما بان له حكمة ذلك الفساد في الظاهرة أقر .
فلو قد بانت الحكمة في أفعال الخالق جحد العقل جحد موسى يوم الخضر .
فمتى رأيت العقل يقول لم فأخرسه بأن تقول له : يا عاجز أنت لا تعرف حقيقة نفسك ، فما لك و الإعتراض على المالك ؟
و ربما قال العقل : أي فائدة في الابتلاء و هو قادر أن يثيب و لا بلاء ؟
و أي غرض في تعذيب أهل النار و ليس ثم تشف ؟
قل له حكمته فوق مرتبتك ، فسلم لما لا تعلم ، فإن أول من إعترض بعقله إبليس ، رأى فضل النار على الطين فأعرض عن السجود .
و قد رأينا خلقاً كثيراً و سمعنا عنهم أنهم يقدحون في الحكمة لأنهم يحكمون العقول على مقتضاها ، و ينسون أن حكمة لخالق وراء العقول .
فإياك أن تفسح لعقلك في تعليل ، أو أن تطلب له جواب إعتراض ، و قل له : سلم تسلم ، فإنك لا تدري غور البحر إلا و قد أدركك الغرق قبل ذلك .
هذا أصل عظيم ، متى فات الآدمي أخرجه الاعتراض إلى الكفر .



· فصل : الخروج للمقابر للعظة



العجب ممن يقول : أخرج إلى المقابر فاعتبر بأهل البلى . و لو فطن علم أنه مقبرة يغنيه الإعتبار بما فيها عن غيرها .
خصوصاً من قد أوغل في السن ، فإن شهوته ضعفت ، و قواه قلت ، و الحواس كلت ، و النشاط فتر و لشعر إبيض .
فليعتبر بما فقد ، و ليستغن عن ذكر من فقد فقد إستغنى بما عنده التطلع إلى غيره .



· فصل : لا غفلة لكامل العقل


متى تكامل فقدت لذة الدنيا ، فتضاءل الجسم ، و قوي السقم ، و اشتد الحزن .
لأن العقل كلما تلمح العواقب أعرض عن الدنيا ، و إلتفت إلى ما تلمح و لا لذة عنده بشيء من العاجل .
و إنما يلتذ أهل الغفلة عن الآخرة ، و لا غفلة لكامل العقل .
و لهذا لا يقدر على مخالطة الخلق ، لأنهم كأنهم من غير جنسه ، كما قال الشاعر :
ما في الديار أخو وجد نطارحه حديث نجد و لا خل نجاريه



· فصل : هل البعث للروح أم للجسد ؟


إذ دعى الطبيعيون أن مادة الموجودات الماء و التراب و النار و الهواء ، فإذا كان في القيامة أذهب الأصول ، ثم أعاد الله الحيوان ليعلم أنها كانت بالقدرة لا عن تأثير الكليات .
أقول : من قدح في البعث فقد بالغ في القدح في الحكمة .
و من قال : الروح عرض ، فقد جحد البعث ، لأن العرض لا يبقى و الأجساد تصير تراباً ، فإن وجد شيء ، فهو ابتداء خلق .
كلا و الله بل يعيد النفس بعينها روحاً و جسداً بدليل إعادة مذكوراتها قال قائل منهم إني كان لي قرين .
و عزته ، إن لطفه في البداية ، لدليل على النهاية .
حنن الوالدين ، و أجرى اللبن في الثدي ، و أنشأ الأطعمة ، و أطلع العقل على العواقب .
أفيحسن أن يقال بعد هذا للتدبير ، إنه يمهل بعد الموت فلا يبعث ؟
أترى من أحب أن يعرف فأنشأ الخلق و قال : كنت كنزاً لا أعرف فأحببت أن أعرف . يؤثر أن يعدمهم فيجهل قدره ؟
سبحان من أعمى أكثر القلوب عن معرفته .




· فصل : الصنعة كدليل على وجود الصانع


سبحان من ظهر لخلقه لم يبق خفاء ، ثم خفى حتى كأنه لا ظهور .
أي ظهور أجلى من هذه المصنوعات التي تنطق كلها بأن لي صانعاً صنعني و رتبني على قانون الحكمة .
خصوصاً هذا الآدمي الذي أنشأه من قطرة ، و بناه على أعجب فطرة ، و رزفه الفهم و الذهن و اليقظة و العلم ، و بسط له المهاد ، و أجرى له الماء و الريح ، و أنبت له الزرع ، و رفع له من فوقه السماء ، فأوقد له مصباح الشمس بالنهار ، و جاء بالظلمة ليسكن ، إلى غير ذلك ، مما لا يخفى .
و كله ينطق بصوت فصيح يدل على خالقه . و قد تجلى الخالق سبحانه بهذه الأفعال ، فلا خفاء .
ثم بعث الرسل فقراء من الدنيا ، صعاف الأبدان ، فقهر بهم الجبابرة ، و أظهر على أيديهم من المعجزات ما لا يدخل تحت مقدور بشر ، و كل ذلك ينطق بالحق ، و قد تجلى سبحانه بذلك .
ثم يأتي موسى عليه السلام إلى البحر فينفرق ، فلا يبقى شك في أن الخالق فعل هذا .
و يكلم عيسى عليه السلام ، الميت ، فيقوم . و يبعث طيراً أبابيل تحفظ بيته ، فيهلك قاصديه .
و هذا أمر يطول ذكره . كله يدل على تجلي الخالق سبحانه بغير خفاء .
فإذا ثبت عند العقلاء ذلك من غير ارتياب و لا شك ، ثم جاءت أشياء كأنها تستر الظاهر ، مثل ما سبق من تسليط الأعداء على الأولياء .
إذا ثبت التجلي بأدلة لا تحتمل التأويل ، علمت أن لهذا الخلفاء سراً لا نعلمه ، يفترض على العقل فيه التسليم للحكيم .
فمن سلم سلم ، و من إعترض هلك .



· فصل : الإجتهاد في معرفة الحق


قد يدعي أهل كل مذهب الاجتهاد في طلب الصواب أكثرهم لا يقصد إلا الحق ، فترى الراهب يتعبد و يتجوع ، و اليهودي يذل و يؤدي الجزية .
و صاحب كل مذهب يبالغ فيه و يتحمل الضيم و الأذى للهدى و تحصيل الأجر ـ في إعتقاده ـ و مع هذا فيقطع بضلال الأكثرين .
و هذا قد يشكل . و إنما كشفه أنه ينبغي أن يطلب الهدى بأسبابه ، و يستعمل الإجتهاد بالإبانة .
فأما من فاتته الأسباب ، أو فقد بعض الآلات ، فلا يقال له مجتهد .
فاليهود و النصارى بين عالم قد عرف صدق كنبينا صلى الله عليه و سلم لكنه يجحد إبقاء لرئاسته فهذا معاند، و بين مقلد لا ينظر بعقله فهذا مهمل ، فهو يتعبد مع إهمال الأصل ، و ذاك لا ينفع ، و بين ناظر منهم لا ينظر حق النظر ، فيقول : في التوراة إن ديننا لا ينسخ . و نسخ الشرائع لاختلاف الأزمنة حق ، و لكنه يقول النسخ بداء و لا ينظر في الفرق بينهما ، فينبغي أن ينظر حق النظر .
و من هذا الجنس تعبد الخوارج مع إقناعهم بعلمهم القاصر ، و هو قولهم : لا حكم إلا لله ، و لم يفهموا أن التحكيم من حكم الله فجعلوا قتال علي رضي الله عنه و قتله مبنياً على ظنهم الفاسد .
و لما نهب مسلم بن عقبة المدينة و قتل الخلق قال : إن دخلت النار بعد هذا إنني لشقي .
فظن بجهله أنهم لما خالفوا بيعة يزيد يجوز استباحتهم و قتلهم .
فالويل لعامي قليل العلم لا يتهم نفسه في واقعة و لا يذاكر من هو أعلم منه ، بل يقطع بظنه و يقدم .
و هذا أصل ينبغي تأمله ، فقد هلك في إهماله خلق لا تحصى . و قد رأينا خلقاً من العوام إذا وقع لهم واقعة لم يقبلوا فتوى وجوه يومئذ خاشعة * عاملة ناصبة * تصلى نارا حامية .



· فصل : التقوى خير ذخيرة للنفس


للنفس ذخائر في البدن ، منها الدم و المني و أشياء تتقوى بها . فإذا فقدت الذخائر و لم يبق منها شيء ذهبت .
و من ذخائرها بالمال و الجاه و ما يوجب الفرح . فإذا فقدت ذلك و كانت عزيزة ذات أنفة حرجت .
و قد يهجم عليها الخوف فلا تجد ذخيرة من الرجاء يقاومه فتذهب .
و يغلب عليها الفرح فلا تجد من الحزن ما يقاومه فتذهب .
فاجتهد كفي حفظ ذخائرها و خصوصاً الشيخ ، فإنه ينبغي له ألا يفرح بإخراج الدم ، و لا بإخراج المني و إن وجد شبقاً ، إلا أن يكون الشبق زائداً في الحد فيخرج المؤذي في كل حين .
و علامة أن يكون مؤذياً وجود الرحة عند خروجه ، فمتى وجد ضعفاً فقد آذى خروجه .
و ليحفظ ذو الأنفة على نفسه حشمته ، بألا يقف في موقف يعاب به ، فإنه يتمتع بذخيرة العز و الأنفة و يضاد النفس ضد ذلك .
و كذلك ينبغي أن يستعد لآخر عمره بالمال مخافة أن يحتاج فيذل أو يسعى و قد كلت الآلة .
و لأن يخلف لعدوه ، أولى من أن يحتاج إلى صديقه .
و لا يلتفت إلى من يذم المال ، فإنهم الحمقى الجهال ، الذين اتكلوا على خبز الراحة فاستطابوا الكسل و الدعة ، و لم يأنفوا من تناول الصدقة ، و لا من التعرض للسؤال .
و قد كان لكل نبي معاش ، و لجميع الصحابة ، و خلفوا أموالاً كثيرة .
فافهم هذا الأصل ، و لا تلتفت إلى كلام الجهال .



· فصل : الزهد الكاذب


رأيت في زهاد زماننا من الكبر و حفظ الناموس ، و رتبة الجاه في قلوب العامة ، ما كدت أقطع به أنهم أهل رياء و نفاق .
فترى أحدهم يلبس الثوب الذي يرى بعين الزهد ، و يأكل أطايب الطعام ، و يتكبر على أبناء الجنس ، و يصادق الأغنياء ، و يباعد الفقراء ، و يحب الخطاب بمولانا ، و المشي بحاجيه ، و يضيع الزمان في الهذيان ، و يتفاوت بخدمة الناس له و التسليم عليه .
و لو أنه لبس ثوباً يخلطه بالفقهاء لذهب الجاه و لم يبق له متعلق . و لو أن أفعاله ناسبت ثيابه لهان الأمر ، لكنهم بهرجوا على من لا يخفى أمرهم عليه من الخلق ، فكيف الخالق سبحانه و تعالى ؟





· فصل : التشاغل بالمعاش


كثيراً ما أعيد هذا المعنى الذي أنا ذاكره في هذا الكتاب بعبارات.
ينبغي للمؤمن أن يتشاغل بمعاشه و يرفق في نفقته .
فإنه قد كان للعلماء ، شيء من بيت المال و رفق من الإخوان ، و معونة من العوام . فانقطع الكل ، و بقي المتشاغل بالعلم أو التعبد مسكيناً ، خصوصاً ذو العائلة .
و ما رأينا مثل هذا الزمان القبيح . فما بقي من يومىء إليه بمعونة و لا باستقراض فيحتاج الإنسان المؤمن أن يدخل في مداخل لا تليق به ، و آن يتعرض بما لا يصلح .
فينبغي تقليل العائلة ، و تقويت القوت ، و ترقيع الخلق .
و إن أمكن معاش فهو أولى من التشاغل بالتعبد و التعلم لفضول العلم ، و إلا ضاع الدين في مداخل لا تصلح ، أو التعريض لبذل نذل .



· فصل : لا يغني حذر عن قدر


ينبغي للعاقل أن يحرز غاية ما يمكنه ، فإذا جرى القدر مع احترازه لم يلم .
و الإحتراز ينبغي من كل شيء يمكن و وقوعه ، و أخذ العدة لذلك واجب ، وهذا يكون في كل حال ، فقد قص رجل ظفره فجار عليه فخبثت يده فمات .
و مر شيخنا أحمد الحربي هو راكب بمكان ضيق فتطأطأ على السرج فإنعصر فؤاده ، فمرض فمات .
و كان يحي بن نزار شيخاً يحضر مجلسي قد طرق عليه ثقل الأذن ، فاستدعى طرقياً فمص أذنه فجرى شيء من مخه فمات .
و أنظر إلى إحتراز رسول الله صلى الله عليه و سلم حين مر على حائط مائل فأسرع .
و ينبغي أن يحترز بالكسب في زمن شبابه إدخاراً لزمن شيبه .
و لا ينبغي أن يثق بمعامل إلا بوثيقة . يبادر بالوصية مخافة أن يطرقه الموت ، و يحتزر من صديقه فضلاً عن عدوه .
و لا يثق بمودة من قد آذاه هو فإن الحقد في القلوب قلما يزول .
و ليحترز من زوجته ، فربما أطلعها على سره ، ثم طلقها فيتأذى بما تفعل به .
و قد كان ابن أفلح الشاعر يكاتب رئيساً في زمن المسترشد فعلم بذلك بوابه ، و أتفق أنه صرف بوابه فنم عليه و نقضت داره .
فهذه المذكرات أمثلة تنبه على ما لم يذكر .
و أهم الكل أن يحترز بأخذ العدة ، و تحقيق التوبة ، قبل أن يهجم عليه ما لا يؤمن هجومه .
و ليحذر من لص الكسل ، فإنه محتال على سرقة الزمان .



· فصل : اللذات الحسية


تأملت خصومات الملوك ، و حرص التجار ، و نفاق المتوهدين ، فوجدت جمهور ذلك على لذات الحس .
و إذا تفكر العاقل في ذلك علم أن أمر الحسيات قريب يندفع بأقل شيء ، و أن الغاية منه لا يمكن نيلها .
و إن بالغ عاد بالأذى على نفسه أضعاف ما ناله من اللذة ، كمن يأكل كثيراً أو
ينكح كثيراً .
فالسعيد من إهتم لحفظ دينه ، و أخذ من ذلك بمقدار الحاجة .
واعجباً ، هذا الملبوس إذا كان وسطاً خدم ، و إذا كان مرتفعاً خدم .
فإن نظر اللابس إليه معجباً به ، فإن الله لا ينظر إليه حينئذ .
و في الصحيح : بينا رجل يتبختر في بردته خسف به .
و المشروب إن كان حراماً ، فعقابه أضعاف لذته .
و هتكه العرض بين الناس عقاب آخر .
و إن كان مباحاً ، فالشره فيه يؤذي البدن .
و أما المنكوح فمداراة المستحسن يؤذي كل أذى .
و مقاساة المستقبح أشد أذى . فعليك بالتوسط .
و تفكر في أحوال السلاطين كم قتلوا ظلماً ، و كم ارتكبوا حراماً ؟ و ما نالوا إلا يسيراً من لذات الحس .
فإنقشع غيم العمر عن حسرات الفضائل و حصول العقاب .
فليس في الدنيا أطيب عيشاً من منفرد عن العالم بالعلم ، فهو أنيسه و جليسه قد قنع بما سلم به دينه من المباحات الحاصلة ، لا عن تكلف و لا تضييع دين ، و ارتدى بالعز عن الذل للدنيا و أهلها ، و التحف بالقناعة بالسير ، إذ لم يقدر على الكثير ، فوجدته يسلم دينه و دنياه .
و إشتغاله بالعلم يدله على الفضائل ، و يفرحه في البساتين ، فهو يسلم من الشيطان و السلطان و العوام بالعزلة .
و لكن لا يصلح هذا إلا للعالم ، فإنه إذا إعتزل الجاهل فاته العلم فتخبط .



· فصل : فضل الإعادة و الحفظ


تأملت حالة تدخل على طلاب العلم توجب الغفلة عن المقصود ، و هو حرصهم على الكتابة ،خصوصاً المحدثين ، فيستغرق ذلك زمانهم عن أن يحفظوا و يفهموا ، فيذهب العمر و قد عروا عن العلم إلا اليسير .
فمن وفق جعل معظم الزمان مصروفاً في الإعادة و الحفظ و جعل وقت التعب من التكرار للنسخ فيحصل له المراد .
و الموفق من طلب المهم ، فإن العمر يعجز عن تحصيل الكل ، و جمهور العلوم الفقه .
و في الناس من حصل له العلم و غفل عن العمل ، بمقتضاه ، و كأنه ما حصل شيئاً.
نعوذ بالله من الخذلان .



· فصل : التثبت و النظر في العواقب


ما إعتمد أحد أمراً إذا هم بشيء مثل التثبت ، فإنه متى عمل بواقعه من غير تأمل للعواقب كان الغالب عليه الندم .
و لهذا أمر بالمشاورة لأن الإنسان بالتثبت يفتكر فتعرض على نفسه الأحوال و كأنه شاور .
و قد قيل : خمير الرأي خير من فطيره .
و أشد الناس تفريطاً من عمل مبادرة في واقعة من غير تثبت و لا استشارة .
خصوصاً فيما يوجبه الغضب ، فإنه طلب الهلاك أو الندم العظيم .
و كم من غضب فقتل و ضرب ، ثم لما سكن غضبه بقي طول دهره في الحزن و البكاء و الندم .
و الغالب في القاتل أنه يقتل فتفوته الدنيا و الآخرة . فكذلك من عرضت له شهوة فاستعجل لديها و نسي عاقبتها .
فكم من ندم يتجرعه في باقي عمره ، وعتاب يستقبله من بعد موته ، و عقاب لا يؤمن وقوعه .
كل ذلك للذة لحظة كانت كبرق .
فالله الله ، التثبت التثبت في كل الأمور ، و النظر في عواقبها .
خصوصاً الغضب المثير للخصومة و تعجيل الطلاق .



· فصل : الكمال للخالق وحده


سألني سائل ، قد قال بعض الحكماء : من لم يحترز بعقله هلك بعقله فما معنى هذا ؟ فبقيت مدة لا ينكشف لي المعنى ،ثم إتضح .
و ذلك أنه إذا طلبت معرفة ذات الخالق سبحانه من العقل فزع إلى الحس فوقع التشبيه .
فالاحتراز من العقل بالعقل هو أن ينظر ، فيعلم أنه لا يجوز أن يكون جسماً ، و لا شبهاً لشيء .
و إذا نظر العاقل إلى أفعال الباري سبحانه ، رأى أشياء لا يقتضيها العقل مثل الآلام ، و الذبح للحيوان و تسليط الأعداء على الأولياء ، مع القدرة على المنع ، و الابتلاء بالمجاعة للصالحين ، و المعاقبة على الذنب بعد البعد بزلة ، و أشياء كثيرة من هذا الجنس يعرضها العقل على العادات في تدبيره ، فيرى أنه لا حكمة تظهر له فيها .
أن يقال له : أليس قد ثبت عندي أنه مالك و أنه حكيم و أنه لا يفعل فيقول : بلى .
فيقال : فنحن نحترز من تدبيرك الثاني بما ثبت عندك في الأول .
فلم يبق إلا أنه خفي عليك وجه الحكمة في فعله .
فيجب التسليم له ، لعلمنا أنه حكيم .
حينئذ يذعن و يقول : قد سلمت .
و كثير من الخلق نظروا لمقتضى واقع العقل الأول ، فاعترضوا .
حتى إن العامي يقول : كيف قصى على سوء عاقبتي ؟ و لم ضيق رزقي ؟
و ما وجه الحكمة في إبتلائي بفنون البلاء ؟
و لو أنه تلمح أنه مالك حكيم ، لم يبق إلا التسليم لما خفي .
و لقد أنس ببديهة العقل خلق من الأكابر أولهم إبليس ، فإنه رأى تفضيل النار على الطين ، فاعترض .
و رأينا خلقاً ممن نسب إلى العلم قد زلوا في هذا و إعترضوا ، و رأوا أن كثيراً من الأفعال لا حكمة تحتها .
و السبب ما ذكرنا ، و هو الأنس بنظر العقل في البديهة و العادات ، و القياس على أفعال المخلوقين .
و لو استخرجوا علم العقل الباطن ، و هو أنه قد ثبت الكمال للخالق ، و انتفت عنه النقائض ، و علم انه حكيم لا يعبث ، لبقي التسليم لما لا يعقل .
و اعتبر هذا بحال الخضر و موسى عليهما السلام ، لما فعل الخضر أشياء تخرج عن العادات ، أنكر موسى و نسي إعلامه له بأني أنظر فيما لا تعلمه من العواقب .
فإذا خفيت مصلحة العواقب على موسى عليه السلام مع مخلوق ، فأولى أن يخفى علينا كثير من حكمة الحكيم .
و هذا أصل إن لم يثبت عند الإنسان أخرجه إلى الإعتراض و الكفر ، و إن ثبت إستراح عند نزول كل آفة .



· فصل : أعظم التوسل إلى الله با لله


بلغني عن بعض الكرماء أن رجلاً سأله فقال : أنا الذي أحسنت إلي يوم كذا و كذا ، فقال : مرحباً بمن يتوسل إلينا بنا ، ثم قضى حاجته .
فأخذت من ذلك إشارة ، فناجيت بها فقلت : أنت الذي هديته من زمن الطفولة ، و حفظته من الضلال ، و عصمته عن كثير من الذنوب و ألهمته طلب العلم لا بفهم لشرفه ، لموضع الصغر ، و لا بحب والده ، و رزقته فهماً لتفقهه و تصنيفه ، و هيأت له أسباب جمعه ، و قمت برزقه من غير تعب منه ، و لا ذل للخلق بالسؤال ، و حاميت عنه الأعداء ، فلم يقصده جبار ، و جمعت له ما لم تجمع لأكثر الخلق من فنون العلم ، التي لا تكاد تجتمع في شخص ، و أضفت إليها تعلق القلب . بمعرفتك و محبتك ، وحسن العبارة و لطفها في الدلالة عليك ، و وضعت له في القلوب القبول حتى أن الخلق يقبلون عليه و يقبلون ما يقوله ، و لا يشكون فيه ، و يشتاقون إلى كلامه ، و لا يدركهم الملل منه ، و صنته بالعزلة عن مخاطبة من لا يصلح ، و آنسته في خلوته بالعلم تارة ، و بمناجاتك أخرى . و إن ذهبت أعد لم أقدر على إحصاء عشير العشير و إن تعدوا نعمة الله لا تحصوها .
فيا محسناً إلي قبل أن أطلب . لا تخيب أملي فيك و أنا أطلب .
فبإنعامك المتقدم أتوسل إليك .



· فصل : شر البلاء عشق المال


سبحان من جعل الخلق بين طرفي نقيض ، و المتوسط منهم يندر .
منهم من يغضب فيقتل و يضرب .
و منهم من هو أبله بقوة الحلم لا يؤثر عنده السب .
و منهم شره يتناول كل ما يشتهي .
و منهم متزهد يتجفف فيمنع النفس حقها .
و كذلك سائر الأشياء المحمود منها المتوسط .
فالمنفق كل ما يجد مبذر ، و البخيل يخبىء المال ، و يمنع نفسه حظها .
و معلوم أن المال لا يراد لنفسه ، بل للمصالح ، فإذا بذر الإنسان فيه إحتاج إلى بذل و جهه و دينه ، و منه البخلاء عليه ، و هذا لا يصلح .
و لأن يخلف الإنسان لعدوه أحسن من أن يحتاج إلى صديقه .
و من الناس من يبخل ، ثم يتفاوتون في البخل حتى ينتهي البلاء بهم إلى عشق عين المال .
فربما مات أحدهم هزالاً و هو لا ينفقه ، فيأخذه الغير و يندم المخلف .
و لقد بلغني في هذا ما ليس فوقه مزيد ، ذكرته لتعتبر به .
فحدثني شيخنا أبو الفضل بن ناصر ، عن شيخه عبد المحسن الصوري ، قال : [ كان بصور تاجر في غرفة له يأخذ كل ليلة من البقال رغيفين و جوزة ، فيدخل إلى غرفته و قت المغرب ، فيضرم النار في الجوزة فتضيء بمقدار ما ينزل ثوبه .
و في زمان إحراق القشر تكون قد استوت فيمسح بها الرغيفين و يأكلهما .
فبقي على هذا مدة فمات ، فأخذ منه ملك صور ثلاثين ألفاً ] .
و رأيت أن رجلاً من كبار العلماء قد مرض ، فاستلقى عند بعض أصدقائه ، ليس له من يخدمه ، و لا يرافقه ، و هو مضر فلما مات و جدوا بين كتبه خمسمائة دينار .
و حدثني أبو الحسن الراندسي ، قال : [ مرض رجل عندنا ، فبعث إلي فحضرت ، فقال : قد : ختم القاضي على مالي ، فقلت : إن شئت قمت و فتحت الختم و أعطيتك الثلث تفرقة و تعمل به ما تشاء .
فقال : لا و الله ما أريد أن أفرقه ، بل أريد مالي أن يكون عندي . فقلت : ما يعطونك بلى أنا آخذ لك الثلث كي تكون حراً فيه .
فقال : لا أريد ، فمات و أخذ ماله ] .
قال : [ وجاء رجل فحدثني بعجيبة ، قال : مرضت حماتي ، فقالت لي : أريد أن تشتري لي خبيصاً ، فإشتريت لها ، و كانت ملقاة في صفة ، و نحن في صفة أخرى .
فجاءني ولدي الصغير و قال : يا سيدي ، إنها تبلع الذهب ، فقمت . و إذا بها تجعل الدينار في شيء من الخبيص فتبلعه .
فأمسكت يدها و زجرتها عن هذا .
فقالت : أنا أخاف أن تتزوج على إبنتي ، فقلت : ما أفعل ، فقالت إحلف لي ، فحلفت ، فأعطتني باقي الذهب ، ثم ماتت فدفنتها .
فلما كان بعد أشهر ، مات لنا طفل ، فحملناه إليها ، و أخذت معي خرقة خام ، و قلت للحفار : إجمع لي عظام تلك العجوز في الخرقة ، فجئت بها إلى البيت و تركتها ، في أجانة ، و صببت عليها الماء و حركتها ، فأخرت ثمانين ديناراً أو نحوها كانت قد إبتلعتها ] .
و حكى لي صديق لنا ، أن رجلاً مات و دفن في الدار ، ثم نبش بعد مدة ليخرج فوجد تحت رأسه لبنة مقيرة .
فسأل أهله عنها فقالوا : هو قير هذه اللبنة و أوصى أن تترك تحت رأسه في قبره و قال : إن اللبن يبلى سريعاً ، و هذه لموضع القار لا تبلى .
فأخذوها فوجدوها رزينة ، فكسروها فوجدوا فيها تسعمائة دينار فتولاها أصحاب التركات .
و بلغني أن رجلاً كان يكنس المساجد ، و يجمع ترابها ، ثم ضربه لبنا ، فقيل له هذا لأي شيء ؟ فقال : هذا تراب مبارك ، و أريد أن يجعلوه على لحدي ، فلما مات جعل على لحده ، ففضل منه لبنات ، فرموها في البيت ، فجاء المطر فتفسخت اللبنات فإذا فيها دنانير .
فمضوا وكشفوا اللبن عن لحده و كله مملوء دنانير .
و لقد مات بعض أصدقائنا و كنت أعلم أن له مالاً كثيراً ، و طال مرضه فما أطلع أهله علىشيء و لا أكاد أشك أنه من شحه و حرصه على الحياة ، و رجائه أن يبقى لم يعلمهم بمدفونه ، خوفاً أن يؤخذ فيحيا هو ، و قد أخذ المال .
و ما يكون بعد هذا الخزي شيء .
و حدثني بعض أصحابنا عن حالة شاهدها من هذا الفن . قال : [ كان فلان له و لدان ذكران و بنت و له ألف دينار مدفونة .
فمرض مرضاً شديداً فاحتوشته أهله ، فقال لأحد ابنيه : لا تبرح من عندي .
فلما خلا به قال له : إن أخاك مشغول باللعب بالطيور ، و إن أختك لها زوج تركي و متى وصل من مالي إليهما شيء أنفقوه في اللعب و أنت على سيتي و أخلاقي ، ولي في الموضع الفلاني ألف دينار ، فإذا أنا مت فخذها وحدك . فاشتد بالرجل المرض فمضى الولد فأخذ المال فعوفي الأب ، فجعل يسأل الولد أن يرد المال إليه فلا يفعل ، فمرض الولد فجعل الأب يتضرع إليه و يقول : ويحك خصصتك بالمال دونهم ، فتموت فيذهب المال ، و يحك لا تفعل ، فما زال به حتى أخبره بمكانه ، فأخذه ثم عوفي الولد ، و مضت مدة فمرض الأب ، فاجتهد الولد أن يخبره بمكان المال ، و بالغ فلم يخبره ، و مات و ضاع المال .
فسبحان من أعدم هؤلاء العقول و الفهوم ، إن هم إلا كالأنعام بل هم أضلوا سبيلا .



· فصل : لا تنخدع بمن يظهر لك الود


كان لنا أصدقاء و إخوان أعتد بهم ، فرأيت منهم من الجفاء ، و ترك شروط الصداقة و الأخوة عجائب ، فأخذت أعتب .
ثم إنتبهت لنفسي فقلت : و ما ينفع العتاب ، فإنهم إن صلحوا فللعتاب لا للصفاء .
فهممت بمقاطعتهم ، ثم تفكرت فرأيت الناس بين معارف و أصدقاء في الظاهر وإخوة مباطنين ، فقلت : لا تصلح مقاطعتهم .
إنما ينبغي أن تنقلهم من ديوان الأخوة ، إلى ديوان الصداقة الظاهرة .
فإن لم يصلحوا لها نقلتهم إلى جملة المعارف ، و عاملتهم معاملة المعارف ، و من الغلط أن تعاتبهم .
فقد قال يحيىبن معاذ : بئس الأخ أخ تحتاج أن تقول له أذكرني في دعائك .
و جمهور الناس اليوم معارف ، و يندر فيهم صديق في الظاهر ، فأما الأخوة و المصافات فذاك شيء نسخ ، فلا يطمع فيه .
و ما أرى الإنسان تصفو له أخوة من النسب و لا ولده و لا زوجته .
فدع الطمع في الصفا ، و خذ عن الكل جانباً ، و عاملهم معاملة الغرباء .
و إياك أن تنخدع بمن يظهر لك الود ، فإنه مع الزمان يبين لك الحال فيما أظهره ، و ربما أظهر لك ذلك لسبب يناله منك .
و قد قال الفضيل بن عياض : إذا أردت أن تصادق صديقاً فأغضبه ، فإن رأيته كما ينبغي فصادقه .
و هذا اليوم مخاطرة ، لأنك إذا أغضبت أحداً صار عدواً في الحال .
و السبب في نسخ حكم الصفا ، أن السلف كان همتهم الآخرة و حدها ، فصفت نياتهم في الأخوة و المخالطة ، فكانت ديناً لا دنيا . و الآن فقدإستولى حب الدنيا على القلوب ، فإن رأيت متملقاً في باب الدين فأخبره تقله.



· فصل : النفس تطلب مالا تقدر عليه


رأيت المعافى لا يعرف قدر العافية إلا في المرض كما لا يعرف شكر الإطلاق إلا في الحبس .
و تأملت على الآدمي حاله عجيبة ، و هو أن تكون معه إمرأة لا بأس بها ، إلا أن قلبه لا يتعلق بمحبتها تعلقاً يلتذ به .
و لذلك سببان : أحدهما : أن تكون غير غاية في الحسن . و الثاني : أن كل مملوك مكروه ، و النفس تطلب ما لا تقدر عليه .
فتراه يضح و يشتهي شيئاً يحبه أو امرأة يعشقها ، و لا يدري أنه إنما يطلب قيداً وثيقاً ، يمنع القلب من التصرف في أمور الآخرة ، أو في أي علم أو عمل و يخبطه في تصريف الدنيا ، فيبقى ذلك العاشق أسير المعشوق ، همه كله معه .
فالعجب لمطلق يؤثر القيد ، و مستريح يؤثر التعب .
فإن كانت تلك المرأة تحتاج أن تحفظ ، فالويل له لا قرار ، و لا سكون .
و إن كانت من المتبرجات اللواتي لا يؤمن فسادهن ، فذاك هلاكه بمرة .
فلا هو إن نام يلتذ بنومه ، ولا إن خرج من الدار يأمن من محنه .
و إن كانت تريد نفقة واسعة و ليس له ، فكم يدخل مدخل سوء لأجلها .
و إن كانت تؤثر الجماع و قد علت سنة ، فذاك الهلاك العظيم .
و إن كانت تبغضه فما بقيت من أسباب تلفه بقية ، فيكون هذا ساعياً في تلف نفسه ، كما قال القائل :
نحب القدود و نهوى الحدود و نعلم أنا نحب المنوناً
و هذا على الحقيقة كعابد صنم .
فاليتق الله من عنده إمرأة لا بأس بها ، و ليعرض عن حديث النفس و مناها فما له منتهى .
و لو حصل له غرضه كما يريد ، وقع الملل و طلب ثالثه .
ثم يقع الملل و يطلب رابعة ، و ما لهذا آخر .
إنما يفيده ذلك في العاجلة تعلق قلبه و أسر لبه فيبقى كالمبهوت .
فكره كله في تحصيل ما يريد محبوبه ، فإن جرت فرقة أو آفة ، فتلك الحسرات الدائمة إن يبقى أو التلف عاجلاً .
و أين المستحسن المصون الدين القنوع المحب لمن يحبه هذا أقل من الكبريت الأحمر .
فلينظر في تحصيل ما يجمع معظم الهم ، و لا يلتفت إلى سواد الهوى و غاية المنى ، يسلم .



· فصل : إنما يخشى الله من عباده العلماء


إذا تم علم الإنسان لم ير لنفسه عملاً ، و إنما يرى إنعام الموفق لذلك العمل الذي يمنع العاقل أن يرى لنفسه عملاً أو يعجب به .
و ذلك بأشياء : منها أنه وفق لذلك العمل حبب إليكم الإيمان و زينه في قلوبكم .
و منها أنه إذا قيس بالنعم لم يف بمعشار عشرها .
و منها : أنه إذا لوحظت عظمة المخدوم ، إحتقر كل عمل و تعبد .
هذا إذا سلم من شائبه و خلص من غفلة ، فأما و الغفلاة تحيط به ، فينبغي أن يغلب الحذر من رده ، و يخاف العتاب على التقصير فيه ، فيشتغل عن النظر إليه .
و تأمل على الفطناء أحوالهم في ذلك ، فالملائكة الذي يسبحون الليل و النهار لا يفترون قالوا ما عبدناك حق عبادتك .
و الخليل عليه السلام يقول : و الذي أطمع أن يغفر لي و ما أدل بتصبره على النار و تسليمه الولد إلى الذبح . و رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : ما منكم من أحد ينجيه عمله .
قالوا : و لا أنت ؟ قال : و لا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته .
و أبو بكر رضي الله عنه يقول : [ و هل أنا و مالي إلا لك يا رسول الله ] .
و عمر رضي الله عنه يقول : [ لو أن لي طلاع الأرض لإفتديت بها من هول ما أمامي قبل أن أعلم ما الخبر ] .
و ابن مسعود يقول : [ ليتني إذا مت لا أبعث ] .
و عائشة رضي الله عنها تقول : [ ليتني كنت نسياً منسياً ] .
و هذا شأن جميع العقلاء فرضي الله عن الجميع .
و قد روي عن قوم من صلحاء بني إسرائيل ما يدل على قلة الأفهام لما شرحته ، لأنهم نظروا إلى أعمالهم فأدنوا بها . فمنه حديث العابد الذي تعبد خمسمائة سنة في جزيرة ، و أخرج له كل ليلة رمانة ، و سأل الله تعالى أن يميته في سجوده ، فإذا حشر قيل له أدخل الجنة برحمتي ، قال : بل بعملي ، فيوزن جميع عمله بنعمة واحدة فلا يفي ، فيقول : يارب برحمتك .
و كذلك أهل الغار الذين انطبقت عليهم الصخرة ، فإن أحدهم توسل بعمل كان ينبغي أن يستحي من ذكره ، و هو أنه عزم على الزنا ،ثم خاف العقوبة فتركه .
فليت شعري بماذا يدل من خاف أن يعاقب على شيء فتركه تخوف العقوبة .
إنما لو كان مباحاً فتركه كان فيه ما فيه . و لو فهم لشغله خجل الهمة عن الإدلال ، كما قال يوسف عليه السلام : و ما أبرئ نفسي .
و الآخر ترك صبيانه يتضاغون إلى الفجر ليسقى أبويه اللبن . و في هذا البر أذى للأطفال ، و لكن الفهم عزيز .
و كأنهم لما أحسنوا ، قال لسان الحال كان أعطوهم ما طلبوا ، فإنهم يطلبون أجرة ما عملوا .
و لولا عزة الفهم ما تكبر متكبر على جنسه ، و لكان كل كامل خائفاً محتقراً لعلمه ، حذراً من التقصير في شكر ما أنعم عليه . و فهم هذا المشروح ينكس رأس الكبر ، و يوجب مساكنة الذل .
فتأمله فإنه أصل عظيم .



· فصل : الخوف من الذنوب و لو بعد التوبة


ينبغي للعاقل أن يكون على خوف من ذنوبه و إن تاب منها و بكى عليها .
و إني رأيت أكثر الناس قد سكنوا إلى قبول التوبة ، و كأنهم قد قطعوا على ذلك .
و هذا أمر غائب ، ثم لو غفرت بقي الخجل من فعلها .
و يؤيد الخوف بعد التوبة أنه في الصحاح : أن الناس يأتون إلى آدم عليه السلام فيقولون : إشفع لنا فيقول : ذنبي . و إلى نوح عليه السلام فيقول : ذنبي . و إلى إبراهيم ، و إلى موسى ، و إلى عيسى صلوات الله و سلامه عليهم .
فهؤلاء إذا اعتبرت ذنوبهم لم يكن أكثرها ذنوباً حقيقة .
ثم إن كانت فقد تابوا منها و اعتذروا ، و هم بعد على خوف منها .
ثم إن الخجل بعد قبول التوبة لا يرتفع . و ما أحسن ما قال الفضيل بن عياض رحمه الله : و اسوأتاه منك و إن عفوت . فأف و الله لمختار الذنوب و مؤثر لذة لحظة تبقى حسرة لا تزول عن قلب المؤمن و إن غفر له .
فالحذر الحذر من كل ما يوجب خجلاً .
و هذا أمر قل أن ينظر فيه تائب أو زاهد ، لأنه يرى أن العفو قد غمر الذنب بالتوبة الصادقة .
و ما ذكرته يوجب دوام الحذر و الخجل .



· فصل : إعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم


نعوذ بالله من سوء الفهم و خصوصاً من المتسمين بالعلم .
روى أحمد في مسنده أنه : تنازع أبو عبد الرحمن السلمي و حيان بن عبد الله ، فقال أبو عبد الرحمن لحيان : قد علمت ما الذي حدا صاحبك ، يعني علياً .
قال : ما هو ؟
قال : قول النبي صلى الله عليه و سلم : لعل الله إطلع إلى أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم .
و هذا سوء فهم من أبي عبد الرحمن حين ظن أن علياً قاتل و قتل إعتماداً على أنه غفر له .
و ينبغي أن يعلم أن معنى الحديث : لتكن أعمالكم المتقدمة ما كانت ، فقد غفرت لكم .
فأما غفران ما سيأتي فلا يتضمنه ذلك ، أتراه لو وقع من أهل بدر ـ و حاشاهم ـ الشرك ـ إذ ليسوا بمعصومين ـ أما كانوا يؤاخذون به ؟ فكذلك المعاصي .
ثم لو قلنا : إنه يتضمن غفران ما سيأتي ، فالمعنى أن مآلكم إلى الغفران .
ثم دعنا من معنى الحديث ، كيف يحل لمسلم أن يظن في أمير المؤمنين علي رضي الله عنه أنه فعل ما لا يجوز اعتماداً على أنه سيغفر له ؟ حوشى من هذا .
و إنما قاتل بالدليل المضطر له إلى القتال ، فكان على الحق .
و لا يختلف العلماء أن علياً رضي الله عنه لم يقاتل أحداً و الحق مع علي .
كيف و قد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : اللهم أدر معه الحق كيفا دار .
فقد غلط أبو عبد الرحمن غلطاً قبيحاً ، حمله عليه أنه كان عثمانياً ...



· فصل : الزهد بلا إخلاص


تأملت على متزهدي زماننا أشياء تدل على النفاق و الرياء ، و هم يدعون الإخلاص .
منها أنهم يلتزمون زاوية فلا يزورون صديقاً ، و لا يعودون مريضاً ، و يدعون أنهم يريدون الانقطاع عن الناس اشتغالاً بالعبادة .
و أنما هي إقامة نواميس ليشار إليهم بالانقطاع ، إذ لو مشوا بين الناس زالت هيبتهم .
و ما كان الناس كذلك ، كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يعود المريض و يشتري الحاجة من السوق ، و أبو بكر رضي الله عنه يتجر في البز . و أبو عبيدة بن الجراح يحفر القبور . و أبو طلحة أيضاً ، و ابن سيرين يغسل الموتى . و ما كان عند القوم إقامة ناموس .
و أصحابنا يلزمون الصمت بين الناس و التخشع و التماوت ، و هذا هو النفاق .
فقد كان ابن سيرين يضحك بالنهار ، و بين الناس ، و يبكي بالليل .
و قد رأيت من المتزهدين من يلزم المسجد و يصلي فيجتمع فيصلون الناس بصلاته ليلاً و نهاراً ، و قد شاع هذا له ، فتقوى نفسه عليه بحب المحمدة .
و النبي صلى الله عليه و سلم قال في صلاة التطوع : اجعلوا هذه في البيوت .
و في أصحابنا من يظهر الصوم الدائم ، و يتقوت بقول الناس : فلان ما يفطر أصلاً .
و هذا الأبله ما يدري أنه لأجل الناس يفعل ذلك ، لولا هذا كان يفطر و الناس يرونه يومين أو ثلاثة حتى يذهب عنه ذلك الاسم ثم يعود إلى الصوم .
و قد كان إبراهيم بن أدهم إذا مرض يترك عنده من الطعام ما يأكله الأصحاء .
و رأيت في زهادنا من يصلي الفجر يوم الجمعة بالناس ، و يقرأ المعوذتين و المعنى قد ختمت !
فإن هذه الأعمال هي صريحة في النفاق و الرياء .
و فيهم من يأخذ الصدقات و هو غني ، و لا يبالي أخذ الظلمة أو من أهل الخير ، و يمشي إلى الأمراء يسألهم ، و هو يدري من أين حصلت أموالهم .
فالله الله في إصلاح النيات ، فإن جمهور هذه الأعمال مردود .
قال مالك بن دينار : [ و قولوا لمن لم يكن صادقاً لا يتعنى ] .
و ليعلم المرائى أن الذي يقصده يفوته ، و هو التفات القلوب إليه .
فأنه متى لم يخلص حرم محبة القلوب ، و لم يلتفت إليه أحد ، و المخلص محبوب .
فلو علم المرائي أن قلوب الذين يرائيهم بيد من يعصيه ، لما فعل .
و كم رأينا من يلبس الصوف و يظهر النسك لا يلتفت إليه ، و آخر يلبس جيد الثياب و يبتسم و القلوب تحبه .
نسأل الله عز وجل إخلاصاً يخلصنا و نستعيد به من رياء يبطل أعمالنا إنه قادر .



· فصل : ليس لك من الأمر شيء


من الجهل أن يخفى على الإنسان مراد التكليف ، فإنه موضوع على عكس الأغراض .
فينبغي للعاقل أن يأنس بانعكاس الأغراض . فإن دعا و سأل بلوغ غرض تعبد الله بالدعاء . فإن أعطى مراده شكر ، و إن لم ينل مراده فلا ينبغي أن يلح في الطلب ، لأن الدنيا ليست لبلوغ الأغراض ، و ليقل لنفسه و عسى أن تكرهوا شيئاً و هو خير لكم .
من أعظم الجهل أن يمتعض في باطنه لانعكاس أغراضه ، و ربما إعترض في الباطن ، أو ربما قال : حصول غرضي لا يضر ، و دعائي لم يستجب .
و هذا كله دليل على جهله و قلة إيمانه و تسليمه للحكمة .
و من الذي حصل له غرض ثم لم يدرك ؟
هذا آدم طاب عيشه في الجنة و أخرج منها .
و نوح سأل في إبنه فلم يعط مراده . و الخليل إبتلى بالنار . و إسماعيل بالذبح و يعقوب بفقد الولد . ويوسف بمجاهدة الهوى ، و أيوب بالبلاء . و داود و سليمان بالفتنة ، وجميع الأنبياء على هذا . و أما ما لقي نبينا محمد صلى الله عليه و سلم من الجوع و الأذى و كدر العيش فمعلوم .
فالدنيا و ضعت للبلاء ، فينبغي للعاقل أن يوطن نفسه على الصبر ، و أن يعلم أن ما حصل من المراد فلطف ، و ما لم يحصل فعلى أصل الخلق و الجبلة للدنيا ، كما قيل :
طبعت على كدر و أنت تريدها صفواً من الأقذاء و الأكدار
و مكلف الأيام ضد طباعها متطلب في الماء جذوة نار
و ها هنا تتبين قوة الإيمان و ضعفه ، فليستعمل المؤمن من أدوية هذا المرض التسليم للمالك ، و التحكيم لحكمته .
و ليقل . قد قيل لسيد الكل : ليس لك من الأمر شيء .
ثم ليسل نفسه بأن المنع ليس عن بخل ، و إنما هو لمصلحة لا يعلمها ، و ليؤجر الصابر عن أغراضه ، و ليعلم الله الذين سلموا و رضوا .
و إن زمن الإبتلاء يسير ، و الأغراض مدخر تلقى بعد قليل ، و كأنه بالظلمة قد إنجلت ، و بفجر الأجر قد طلع . و متى إرتقى فهمه إلى أن ما جرى مراد الحق سبحانه ، إقتضى إيمانه أن يريد ما يريد ، و يرضى بما يقدر ، إذ لو لم يكن كذلك كان خارجاً عن حقيقة العبودية في المعنى .
و هذا أصل ينبغي أن يتأمل و يعمل عليه في كل غرض إنعكس .



· فصل : التعفف عن مال الحكام


رأيت خلقاً من العلماء و القصاص تضيق عليهم الدنيا فيفزعون إلى مخالطة السلاطين ، لينالوا من أموالهم ، و هم يعلمون أن السلاطين لا يكادون يأخذون الدنيا من وجهها و لا يخرجونها في حقها .
فإن أكثرهم إذا حصل له خراج ينبغي أن يصرف إلى المصالح و هبه لشاعر .
و ربما كان معه جندي يصلح أن تكون مشاهرته عشرة دنانير فأعطاه عشرة ألاف .
و ربما غزا فأخذ ما ينبغي أن يقسم على الجيش فإصطفاه لنفسه .
هذا غير ما يجري من الظلم في المعاملات .
و أول ما يجري على ذاك العالم أنه قد حرم النفع بعلمه ، و قد رأى بعض الصالحين رجلاً عالماً يخرج من دار يحي بن خالد البرمكي ، فقال : أعوذ الله من علم لا ينفع .
ألم ير المنكرات و لا ينكر ، و يتناول ل من طعامهم الذي لا يكاد يحصل إلا بظلم فينطمس قلبه و يحرم لذة المعاملة للحق سبحانه ، ثم لا يقدر لك أن يهتدي بك أحد . بل ربما كان فعل هذا سبباً لإضلال الناس و صرفهم عن الإقتداء به ، فهو يؤذي أميره ، لأنه يقول : لولا أنني على صواب ما صحبني و لأنكر علي .
و يؤذي العوام تارة بأن يروا أن ما فيه لأمير صواب ، و تارة بأن الدخول عليه و السكوت عن الإنكار جائز .
أو يحبب إليهم الدنيا ، و لا خير و الله في سعة من الدنيا ضيقت طريق الآخرة .
و أنا أفتدي أقواماً صابروا عطش الدنيا في هجير الشهوات زمان العمر حتى رووا يوم الموت من شراب الرضى ، و بقيت أذكارهم تروى ، فتروي صدأ القلوب و تجلو صداها .
هذا الإمام أحمد يحتاج فيخرج إلى اللقاط و لا يقبل مال سلطان .
هذا إبراهيم الحربي يتغذى بالبقل و يرد على المعتصم ألف دينار .
هذا بشر الحافي يشكو الجوع ، فيقال له : يصنع لك حساء من دقيق ؟
فيقول : أخاف أن يقول الله لي : هذا الدقيق من أين لك ؟
بقيت و الله أذكار القوم ، و ما كان الصبر إلا غفوة نوم .
و مضت لذات المترخصين و بليت الأبدان ، و وهن الدين .
فالصبر الصبر يا من و فق ، و لا تغبطن من إتسع له أمر الدنيا .
فإنك إذا تأملت تلك السعة رأيتها ضيقاً في باب الدين .
و لا ترخص لنفسك في تأويل ، فعمرك في الدنيا قليل :
و سواء إذا انقضى يوم كسرى في سرور و يوم صابر كسره
و متى ضجت النفس لقلة صبر ، فأتل عليها أخبار الزهاد ، فإنها ترعوي و تستحي و تنكسر ، إن كانت لها همة أو فيها يقظة .
و مثل لها بين ترخص علي بن المديني و قبوله مال ابن أبي داود ،و صبر أحمد .
و كم بين الرجلين و الذكرين .
و انظر ما يروى عن كل واحد منهما و ما يذكران به .
وسيندم ابن المديني إذا قال أحمد : [ سلم لي ديني ] .



· فصل : لا تغرك تأخير العقوبة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق