الأربعاء، 17 سبتمبر، 2014

5.عرض كتاب صيد الخاطر*****



فصل : في طريق الاستذكار



ما رأيت أصعب على النفس من الحفظ للعلم و التكرار له .
و خصوصاً تكرار ما ليس لها في تكراره و حفظه حظ ، مثل مسائل الفقه ، بخلاف الشعر و السجع ، فإن لها لذة في إعادة و إن كان يصعب لأنها تلتذ به مرة و مرتين .
فإذا زاد التكرار صعب عليها ، و لكن دون صعوبة الفقه و غيره من المستحسنات عند الطبع ، فتراها تخلد إلى الحديث و الشعر و التصانيف و النسخ لأنه يمر بها كل لحظة ما لم تره ، فهو في المعنى كالماء الجاري ، لأنه جزء بعد جزء .
كذا من ينسخ ما يحب أن يسمعه أو يصنف ، فإنه يلتذ بالجدة و يستريح من تعب الإعادة .
إلا أنه ينبغي للعاقل أن يكون جل زمانه للإعادة ، خصوصاً الصبي و الشاب ، فإنه يستقر المحفوظ عندهما استقرار لا يزول .
و يجعل أوقات التعب من الإعادة للنسخ ، و يحذر من تفلتها إلى النسخ عند الإعادة فيقهرها ، فإنه يحمد ذلك حمد السرى وقت الصباح . و سيندم من لم يحفظ ندم الكسعي وقت الحاجة إلى النظر و الفتوى .
و في الحظ نكته ينبغي أن تلحظ ، و هو أن الفقيه يحفظ الدرس و يعيده ثم يتركه فينساه فيحتاج إلى زمان آخر لحفظه ، فينبغي أن يحكم الحفظ و يكثر التكرار ليثبت قاعدة الحفظ .

· فصل : في العزلة التفكير في زاد الرحيل


ما أعرف نفعاً كالعزلة عن الخلق خصوصاً للعالم و الزاهد فإنك لا تكاد ترى إلا شامتاً بنكبة أو حسوداً على نعمة ، و من يأخذ عليك غلطاتك .
فيا للعزلة ما الذها ، سلمت من كدر غيبة ، و آفات تصنع ، و أحوال المداجاة و تضييع الوقت . ثم خلا فيها القلب بالفكر ، لأنه مستلذ عنه بالمخالطة فدبر أمر دنياه و آخرته . فمثله كمثل الحمية يخلو فيها المعي بالأخلاط فيذيبها .
و ما رأيت مثل ما يصنع المخالط ، لأنه يرى حالته الحاضرة من لقاء الناس و كلامهم فيشتغل بها عما بين يديه . فمثله كمثل رجل يريد سفراً قد أزف ، فجالس أقواماً فشغلوه بالحديث حتى ضرب البوق و ما تزود . فلو لم يكن في العزلة إلا التفكير في زاد الرحيل و السلامة من شر المخالطة كفى .
ثم لا عزلة على الحقيقة إلا للعالم و الزاهد ، فإنهما يعلمان مقصود العزلة و إن كانا لا في عزلة .
أما العالم فعلمه مؤنسه ، و كتبه محدثه ، و النظر في سير السلف مقومه ، و التفكير في حوادث الزمان السابق فرجته .
فإن ترقى بعلمه إلى مقام المعرفة الكاملة للخالق سبحانه ، و تشبث بأذيال محبته ، تضاعفت لذاته ، و اشتغل بها عن الأكوان و ما فيها .
فخلا بحبيبه ، و عمل معه بمقتضى علمه .
و كذلك الزاهد ، تعبده أنيسه ، و معبوده جليسه ، فإن كشف لبصره عن المعمول معه غاب عن الخلق ، و غابوا عنه .
إنما اعتزلا ما يؤذي . فهما في الوحدة بين جماعة . فهذان رجلان قد سلما من شر الخلق ، و سلم الخلق من شرورهما .
بل هما قدوة للمتعبدين ، و علم للسالكين . ينتفع بكلامهما السامع ، و تجري موعظتهما المدافع ، و تنتشر هيبتها في المجامع .
فمن أراد أن يشتبه بأحدهما فليصابر الخلوة و إن كرهها ، ليثمر له العسل . و أعوذ با الله من عالم مخالط للعالم ، خصوصاً لأرباب المال و السلاطين ، يجتلب و يجتلب و يختلب ، فما يحصل له شيء من الدنيا إلا و قد ذهب من دينه أمثاله .
ثم أين الأنفة من الذل للفساق ؟
فالذي لا يبالي بذلك هو الذي لا يذوق طعم العلم و لا يدري ما المراد به ، و كأنه به و قد وقع في بادية جرز ، و قفر مهلك في تلك البراري .
و كذلك المتزهد إذا خالط و خلط ، فإنه يخرج إلى الرياء و التصنع و النفاق فيفوته الحظان ، لا الدنيا و نعيمها تحصل له و لا الآخرة .
فنسأل الله عز وجل خلوة حلوة ، و عزلة عن البشر لذيذة يستصلحنا فيها لمناجاته ، و يلهم كلا منا طلب نجاته . إنه قريب مجيب .



· فصل : الاستعداد للقاء الموت


ما أبله من لا يعلم متى يأتيه الموت ، و هو لا يستعد للقائه .
و أشد الناس بلهاً و تغفيلاً من قد عبر الستين و قارب السبعين ـ فإن ما بينهما هو معترك المنايا . و من نازل المعترك استعد و هو مع ذلك غافل عن الاستعداد .
قال الشباب لعلنا في شيبنا ندع الذنوب فما بقول الأشيب ؟
و الله إن الضحك من الشيخ ماله معنى . و إن المزاح منه بارد المعنى .
و إن تعرضه بالدنيا و قد دفعته عنها يضعف القوى و يضعف الرأي .
و هل بقي لابن ستين منزل ؟
فإن طمع في السبعين فإنما يرتقي إليها بعناء شديد ، إن قام دفع الأرض . و إن مشى لهث ، و إن قعد تنفس .
و يرى شهوات الدنيا و لا يقدر على تناولها . فإن أكل كد المعدة ، و صعب الهضم و إن و طىء أذى المرأة ، و وقع دفناً لا يقدر على رد ما ذهب من القوة إلى مدة طويلة . فهو يعيش عيش السير .
فإن طمع في الثمانين فهو يزحف إليها زحف الصغير .
و عشر الثمانين من خاضها فإن الملمات فيها فنون
فالعاقل من فهم مقادير الزمان . فإنه فيما قيل قبل البلوغ صبي ليس على عمره عيار .
إلا أن يرزق فطنه ففي بعض الصبيان فطنه تحثهم من الصغر على اكتساب النكارم و العلوم .
فإذا بلغ فليعلم أنه زمان المجاهدة للهوى ، و تعلم العلم .
فإذا رزق الأولاد فهو زمان الكسب للمعاملة ، فإذا بلغ الأربعين انتهى تمامه و قضى مناسك الأجل . و لم يبق إلا الانحدار إلى الوطن .
كأن الفتى يرقى من العمر معلماً إلى أن يجوز الأربعين و ينحط
فينبغي له عند تمام الأربعين أن يجعل جل همته التزود للآخرة ، و يكون كل تلمحه لما بين يديه ، و يأخذ في الاستعداد للرحيل . و إن كان الخطاب بهذا لابن عشرين ، إلا أن رجاء التدارك في حق الصغير لا في حق الكبير .
فإذا بلغ الستين فقد أعذر الله إليه في الأجل و جاز من الزمن . فليقل بكليته على جمع زاده ، و تهيئة آلات السفر .
و ليعتقد أن كل يوم يحيا فيه غنيمة ما هي في الحساب .
خصوصاً إذا قوي عليه الضعف و زاد .
و كلما علت سنه فينبغي أن يزيد اجتهاده . فإذا دخل في عشر الثمانين فليس إلا الوداع و ما بقي من العمر إلا أسف على تفريط ، أو تعبد على ضعف .
نسأل الله عز وجل يقظة تامة تصرف عنا رقاد الغفلات ، و عملاً صالحاً نأمن معه من الندم يوم الانتقام ، الله الموفق .



· فصل : سبب النهي عن الاشتغال بالكلام


ما نهى السلف عن الخوض في الكلام إلا لأمر عظيم ، و هو أن أن الإنسان يريد أن ينظر ما لا يقوى عليه بصره ، فربما تحير فخرج إلى الحجب .
لأنا إذا نظرنا في ذات الخالق حار العقل و بهت الحس ، فهو لا يعرف شيئاً لا بداية له . إنه لا يعلم إلا الجسم و الجوهر و العرض ، فإثبات ما يخرج عن ذاك لا يفهمه .
و إن نظرنا في أفعاله رأيناه يحكم البناء ثم ينقضه و لا نطلع على تلك الحكمة ، فالأولى للعاقل أن يكف كف التطلع إلى ما لا يطبق النظر إليه .
و متى قام العقل فنظر في دليل و جود الخالق بمصنوعاته ، و أجاز بعثه نبي و استدل بمعجزاته ، كفاه ذلك أن يتعرض لما قد أغنى عنه .
إذا قال القرآن كلام الله تعالى بدليل قوله حتى يسمع كلام الله كفاه .
و أما من تحذلق فقال : التلاوة هي المتلو أو غير المتلو ، و القراءة هي المقروء أو غير المقروء ، فيضيع الزمان في غير تحصيل ، و المقصود العمل بما فهم .
و قد حكى أن ملكاً كتب إلى عماله في البلدان أني قدم عليكم فاعملوا كذا و كذا ، فعملوا إلا واحد منهم ، فإنه قعد يتفكر في الكتاب فيقول : أترى كتبه بمداد أو بحبر ؟ أترى كتبه قائماً أو قاعداً ؟ فما زال يفكر حتى قدم الملك و لم يعمل مما أمر به شيئاً . فأحسن جوائز الكل و قتل هذا .



· فصل : لذة الدنيا شرف العلم


لقد غفل طلاب الدنيا عن اللذة فيها شرف العلم و زهرة العفة و أنفه الحمية . و عز القناعة ، و حلاوة الافضال على الخلق . فأما الالتذاذ بالمطعم و المنكح فشغل جاهل باللذة ، لأن ذاك لا يراد لنفسه ، بل لإقامة العوض في البدن و الولد .
و أي لذة في نكاح ، و هي قليل المباشرة لا تحصل .
و في حال المباشرة قلق لا يثبت .
و عند انقضائها ، كأن لم تكن ، ثم تثمر الضعف في البدن .
و أي لذة في جمع المال فضلاً عن الحاجة . فإنه مستعبد للخازن ، يبيت حذراً عليه ، و يدعوه قليله إلى كثيره .
أي لذة في المطعم ، و عند الجوع يستوي خشنه و حسنه .
فإن ازداد الأكل خاطر بنفسه .
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : بنيت الفتنة على ثلاث ، النساء وهن فخ إبليس المنصوب ، و الشراب و هو سيفه المرهف ، و الدينار و الدرهم ، و هما سهماء المسمومان .
فمن مال إلى النساء لم يصف له عيش . و من أحب الشراب لم يمتع بعقله . و من أحب الديار و الدرهم كان عبداً ما عاش .



· فصل : قياس صفات الخالق على صفات المخلوقين كفر


أصل كل محنة في العقائد قياس أمر الخالق على أحوال الخلق .
فإنه الفلاسفة لما رأوا إيجاد شيء لا من شيء كالمستحيل في العادات قالوا بقدم العالم .
و لما عظم عندهم في العادة الإحاطة بكل شيء قالوا : إنه يعلم الجمل لا التفاصيل .
و لما رأوا تلف الأبدان بالبلاء أنكروا إعادتها . و قالوا الإعادة رجوع الأرواح إلى معادنها .
و كل من قاس صفة الخالق على صفات المخلوقين خرج إلى الكفر . فإن المجسمة دخلوا في ذلك لأنهم حملوا أوصافه على ما يعقلون .
و كذلك تدبيره عز وجل ، فإن من حمله على ما يعقل في العادات رأى ذبح الحيوان لا يستحسن ، و الأمراض تستقبح ، و قسمه الغني للأبله ، و الفقر للجلد العاقل أمراً ينافي الحكمة .
و هذا في الأوضاع بين الخلق . فأما الخالق سبحانه فإن العقل لا ينتهي إلى حكمته . بلى . قد ثبت عنده و جوده و ملكه و حكمته .
فتعرضه بالتفاصيل على ما تجري به عادات الخلق ، جهل .
ألا ترى إلى أول المعترضين و هو إبليس كيف ناظر فقال : أنا خير منه ، و قول خليفته و هو أبو العلاء المعري :
رأى منك ما لا يشتهي فتزندقاً
و نسأل الله عز وجل توفيقاً للتسليم ، و تسليماً للحكيم ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا .
أترى نقدر على تعليل أفعاله فضلاً عن مطالعة ذاته ؟
و كيف نقيس أمره على أحوالنا ؟
فإذا رأينا نبينا صلى الله عليه و سلم يسأل في أمه و عمه فلا يقبل منه ، و يتقلب جائعاً و الدنيا ملك يده . و يقتل أصحابه و النصر بيد خالقه ، أو ليس هذا مما يحير !
فما لنا و الاعتراض على مالك قد ثبتت حكمته و استقر ملكه .



· فصل : احتقار الأعمال و الاعتذار عن التقصير


تأملت عجباً ، و هو أن كل شيء نفيس خطير يطول طريقه و يكثر التعب في تحصيله .
فإن العلم لما كان أشرف الأشياء لم يحصل إلا بالتعب و السهر و التكرار و هجر اللذات و الراحة . حتى قال بعض الفقهاء : بقيت سنين أشتهي الهريسة لا أقدر ، لأن وقت بيعها وقت سماع الدرس .
و نحو هذا تحصيل المال فإنه يحتاج إلى المخاطرات و الأسفار و التعب الكثير .
و كذلك نيل الشرف بالكرم و الجود ، فإنه يفتقر إلى جهاد النفس في بذل المحبوب ، و ربما آل إلى الفقر .
و كذلك الشجاعة ، فإنها لا تحصل إلا بالمخاطرة بالنفس قال الشاعر :
لولا المشقة ساد الناس كلهم الجود يفقر و الإقدام قتال
و من هذا الفن تحصيل الثواب في الآخرة ، فإنه يزيد على قوة الاجتهاد و التعبد ، أو على قدر وقع المبذول من المال في النفس . أو على قدر الصبر على فقد المحبوب و منع النفس من الجزع .
و كذلك الزهد يحتاج إلى صبر عن الهوى .
العفاف لا يكون إلا بكف كف الشره .
و لولا ما عاني يوسف عليه السلام ما قيل له : أيها الصديق .
و الله أقوام ما رضوا من الفضائل إلا بتحصيل جميعها ، فهم يبالغون في كل علم ، و يجتهدون في كل عمل ، و يثابرون على كل فضيلة . فإذا ضعفت أبدانهم عن بعض ذلك قامت النيات نائبة و هم لها سابقون .
و أكمل أحوالهم إعراضهم عن أعمالهم . فهم يحتقرونها مع التمام ، و يعتذرون من التقصير .
و منهم من يزيد على هذا فيتشاغل بالشكر على التوفيق لذلك .
و منهم من لا يرى ما عمل أصلاً ، لأنه يرى نفسه و عمله لسيده .
و بالعكس من المذكور من أرباب الاجتهاد حال أهل الكسل و الشره و الشهوات .
فلئن التذوا بعاجل الراحة لقد أوجبت ما يزيد على كل تعب من الأسف و الحسرة .
و من تلمح صبر يوسف عليه السلام ، و عجلة ماعز ، بأن له الفرق ، و فهم الربح من الخسران .
ولقد تأملت نيل الدر من البحر ، فرأيته بعد معاناة الشدائد .
و من تفكر فيما ذكرته مثلاً بانت له أمثال .
فالموفق من تلمح قصر الموسم المعمول فيه ، وامتداد زمان الجزاء الذي لا آخر له ، فانتهب حتى اللحظة ، و زاحم كل فضيلة ، فإنها إذا فاتت فلا وجه لا ستدراكها .
أو ليس في الحديث يقال للرجل : اقرأ و ارق فمنزلك عند آخر آية تقرؤها .
فلو أن الفكر عمل في هذا حق العمل حفظ القرآن عاجلاً .



· فصل : المؤمن هو من إذااشتد البلاء زاد إيماناً


ليس المؤمن بالذي يؤدي فرائض العبارات صورة ، و يتجنب المحظورات فحسب .
إنما المؤمن هو الكامل الإيمان ، لا يختلج في قلبه اعتراض ، و لا يساكن نفسه فيما يجري و سوسة .
و كلما اشتد البلاء عليه زاد إيمانه وقوي تسليمه .
و قد يدعو فلا يرى للإجابة أثراً ، و سره لا يتغير لأنه يعلم أنه مملوك و له مالك يتصرف بمقتضى إرادته .
فإن اختلج في قلبه اعتراض خرج من مقام العبودية إلى مقام المناظرة ، كما جرى لإبليس .
و الإيمان القوي يبين أثره عند قوة البلاء .
فأما إذا رأينا مثل يحيى بن زكريا تسلط عليه فاجر فيأمر بذبحه فيذبح و ربما اختلج في الطبع أن يقول فهلا ردعنه من جعله نبياً ؟ .
و كذلك كل تسلط من الكفار على الأنبياء و المؤمنين و ما وقع رد عنهم ، فإن هجس بالكفر أن القدرة تعجز عن الرد عنهم كان كفراً .
و إن علم أن القدرة متمكنة من الرد و ما ردت و يجوع المؤمن و يشبع الكفار ، و يعافي العصاة . و يمرض المتقين ، لم يبق إلا التسليم للمالك و إن أمض و أرمض .
و قد ذهب يوسف بن يعقوب عليهما السلام فبكى يعقوب ثمانين سنة ثم لم ييأس، فلما ذهب ابنه الآخر قال : عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً .
و قد دعا موسى عليه السلام على فرعون ، فأجيب بعد أربعين سنة .
و كان يذبح الأنبياء و لا ترده القدرة القديمة العظيمة ، و صلب السحرة ، و قطع أيديهم .
و كم من بلية نزلت بمعظم القدر ، فلما زاده ذلك إلا تسليماً و رضى فهناك يبين معنى قوله : و رضوا عنه
و ههنا يظهر قدر قوة الإمان لا في ركعات .
قال الحسن البصري : [ استوى الناس في العافية ، فإذا نزل البلاء تباينوا ] .


· فصل : خطر علم الكلام على العامة


أضر ما على العوام المتكلمون فإنهم يخلطون عقائدهم بما يسمعونه منهم .
من أقبح الأشياء أن يحضر العامي الذي لا يعرف أركان الصلاة و لا الربا في البيع مجلس الوعظ فلا ينهاه عن التواني في الصلاة ، و لا يعلمه الخلاص من الربا بل يقول له القرآن قائم بالذات ، و الذي عندنا مخلوق .
فيهون القرآن عند ذلك العامي ، فيحلف به على الكذب .
ويح المتكلم لو كان له فهم علم أن الله سبحانه و تعالى نصب أعلاماً تأنس بها النفوس و تطأمن إليها الكعبة و سماها بيته ، و العرش و ذكر استواءه عليه ، و ذكر من صفاته اليد و السمع و البصر و العين ، و ينزل إلى السماء الدنيا ، و يضحك ، و كل هذا لتأنس بالعادات .
و قد جل عما تضمنته هذه الصفات من الجوراح .
و كذلك عظم أمر القرآن ، و نهى المحدث أن يمس المصحف فآل الأمر لقوم من المتكلمين إلى أن أجازوا الإستنجاء به .
فهؤلاء على معاندة الشريعة ، لأنهم يهينون ما عظم الشرع .
و هل الإيغال في الكلام مما يرقب إلى معرفة الحقائق التي لا يمكن خلافها ! هيهات لو كان كذلك ما وقع بين المتكلمين خلاف .
أوليس الشرب الأول ما تكلموا في شيء من هذا ! و إن كانوا تعرضوا ببعض الأصول .
ثم جاء فقهاء الأمصار فنهوا عن الخوض في الكلام لعلمهم ما يجلب و ما يجتنب .
و من لم يقنع بعقيدته مثل الصحابة ، و لا بطريق مثل طريق أحمد و الشافعي في ترك الخوض فلا كان من كان .
ثم بالله تأملوا أليس قد وجب علينا هجر الربا لقوله تعالى : لا تأكلوا الربا و هجر الزنا بقوله : ولا تقربوا الزنى .
فأي فائدة لنا في ذكر قراءة و مقروء و تلاوة و متلو و قديم و محدث ؟
فإن قيل : فلا بد من الاعتقاد .
قلنا : طريق السلف أوضح محجة ، لأن لا نقوله تقليداً بل بالدليل ، ولكن لم نستفده عن جوهر و عرض و جزء لا يتجزء .
بل بأدلة النقل مع مساعدة العقل من غير بحث عما لا يحتاج إليه و ليس هذا مكان الشرح .



· فصل : نفس المؤمن طائر تعلق في الجنة


مازلت على عادة الخلق في الحزن على من يموت من الأهل و الأولاد ، و لا أتخايل إلا بلى الأبدان في القبور ، فأحزن لذلك ، فمرت بي أحاديث قد كانت تمر بي و لا أتفكر فيها .
منها قول النبي صلى الله عليه و سلم : إنما نفس المؤمن طائر تعلق في شجر الجنة حتى يرده الله عز وجل على جسده يوم يبعثون . فرأبت أن الرحيل إلى الراحة ، و أن هذا البدن ليس بشيء ، لأنه مركب تفكك و فسد ، و سيبنى جديداً يوم البعث ، فلا ينبغي أن يتفكر في بلاء .
و لتسكن النفس إلى أن الأرواح انتقلت إلى راحة فلا يبقى كبير حزن ، و أن اللقاء للأحباب عن قرب .
و إنما يبقى الأسف لتلعق الخلق بالصور ، فلا يرى الإنسان إلا جسداً مستحسناً قد نقض فيحزن لنقضه .
و الجسد ليس هو الآدمي ، و إنما هو مركبه ، فالأرواح لا ينالها البلى . و الأبدان ليست بشيء .
و اعتبر هذا بما إذا قلعت ضرسك و رميته في حفرة ، فهل عندك خبر مما يلقى في مدة حياتك ؟
فحكم الأبدان حكم ذلك الضرس ، لا تدري النفس ما يلقى ، و لا ينبغي أن تغتم بتمزيق جسد المحبوب و بلاه .
و اذكر تنعم الأرواح ، و قرب التجديد ، و عاجل اللقاء ، فإن الفكر في تحقيق هذا يهون الحزن ، و يسهل الأمر .



· فصل : ينبغي كتمان المذاهب


ينبغي للعاقل ألا يتكلم في الخلوة عن أحد بشيء حتى يمثل ذلك الشيء ظاهراً معلناً به ثم ينظر فيما يجني .
فرب رجل وثق بصديق فتكلم أمامه عن سلطان بأمر فبلغه فأهلكه ، أو عن صديق فبلغه فوقعت الواقعة .
و كذلك ينبغي كتم المذاهب ، فإنه ما يربح مظهرها إلا المعاداة .
و لما صرح الشريف أبو جعفر في زمان المقتدي بمخالفة الأشاعرة ، أخذ و حبس حتى مات .
و كان المقصود قطع الفتن و إصلاح الرعية ، فإنه أهم إلى السلطان من التعصب لمذهب .



· فصل : هل يرد الاعتراض الأقدار ؟


رأيت كثيراً من المغفلين يظهر عليهم السخط بالأقدار . و فيهم من قل إيمانه فأخذ يعترض .
و فيهم من خرج إلى الكفر ، و رأى أن ما يجري كالعبث ، و قال ما فائدة الإعدام بعد الإيجاد و الابتلاء ممن هو غني عن أذانا ؟
فقلت لبعض من كان يرمز إلى هذا : إن حضر عقلك و قلبك حدثتك .
و إن كنت تتكلم بمجرد واقعك من غير نظر و إنصاف فالحديث معك ضائع .
ويحك ، أحضر عقلك ، و اسمع ما أقول :
أليس قد ثبت أن الحق سبحانه مالك ، و للمالك أن يتصرف كيف يشاء ؟
أليس قد ثبت أنه حكيم و الحكيم لا يعبث ؟
و أنا أعلم أن في نفسك من هذه الكلمة شيئاً ، فإنه قد سمعنا عن جالينوس أنه قال : ما أدري ؟ أحكيم هو أم لا .
و السبب في قوله هذا ، أنه رأى نقضاً بعد إحكام ، فقاس الحال على أحوال الخلق ، و هو أن من بنى ثم نقض لا لمعنى فليس بحكيم .
و جوابه لو كان حاضراً أن يقال : بماذا بان لك أن النقص ليس بحكمة ؟
أليس بعقلك الذي وهبه الصانع لك ؟
و كيف يهب لك الذهن الكامل و يفوته هو الكمال ؟
و هذه هي المحنة التي جرت لإبليس . فإنه أخذ يعيب الحكمة بعقله ، فلو تفكر على أن واهب العقل أعلى من العقل ، و أن حكمته أوفى من كل حكيم ، لأنه بحكمته التامة أنشأ العقول .
فهذا إذا تأمله المصنف زال عنه الشك .
و قد أشار سبحانه إلى نحو هذا في قوله تعالى : أم له البنات و لكم البنون .
أي أجعل لنفسه الناقصات و أعطاكم الكاملين ؟
فلم يبق إلا أن نضيف العجز عن فهم ما يجري إلى نفسنا .
و نقول هذا فعل عالم حكيم و لكن ما يبين لنا معناه .
و ليس هذا بعجب ، فإن موسى عليه السلام خفي عليه وجه الحكمة في نقض السفينة الصحيحة ، و قتل الغلام الجميل ، فلما بين له الخضر وجه الحكمة أذعن فلنكن مع الخالق كموسى مع الخضر .
أو لسنا نرى المائدة المستحسنة بما عليها من فنون الطعام النظيف الظريف يقطع و يمضغ و يصير إلى ما نعلم . و لسنا نملك ترك تلك الأفعال و لا ننكر الإفساد له ، لعلمنا بالمصلحة الباطنة فيه .
فما المانع أن يكون فعل الحق سبحانه له باطن لا نعلمه ؟
و من أجل الجهال العبد المملوك إذا طلب أن يطلع على سر مولاه ، فإن فرضه التسليم لا الاعتراض .
و لو لم يكن في الابتلاء بما تنكره الطباع إلا أن يقصد إذعان العقل و تسليمه لكفي .
و لقد تأملت حالة عجيبة ، يجوز أن يكون المقصود بالموت هي ، و ذلك أن الخالق سبحانه في غيب لا يدركه الإحساس .
فلو أنه لم ينقض هذه البنية لتخايل للإنسان أنه صنع لا بصانع .
فإذا وقع الموت عرفت النفس نفسها التي كانت لا تعرفها لكونها في الجسد ، و تدرك عجائب الأمور بعد رحيلها .
فإذا ردت إلى البدن عرفت ضرورة أنها مخلوقة لمن أعادها .
و تذكرت حالها في الدنيا ـ الأفكار تعاد كما تعاد الأبدان ـ فيقول قائلهم إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين .
و متى رأيت ما قد وعدت به من أمور الآخرة أيقنت يقيناً لا شك معه .
و لا يحصل هذا بإعادة ميت سواها . و إنما يحصل برؤية هذا الأمر فيها .
فتبني بنية تقبل البقاء و تسكن جنة لا ينقضي دوامها .
فيصلح بذلك اليقين أن تجاور الحق، لأنها آمنت بما وعد ، و صبرت بما ابتلى ، و سلمت لأقداره ، فلم تعترض ، و رأت في غيرها العبر ، ثم في نفسها . فهذه هي التي يقال لها : ارجعي إلى ربك راضية مرضية * فادخلي في عبادي * و ادخلي جنتي .
فأما الشاك و الكافر فيحق لهما الدخول إلى النار و اللبث فيها ، لأنهما رأيا الأدلة و لم يستفيدا و نازعا الحكيم و اعترضا عليه ، فعاد شؤم كفرهما يطمس قلوبهما ، فبقيت على ما كانت عليه .
فلما لم تنتفع بالدليل في الدنيا لم تنتفع بالموت و الإعادة و دليل بقاء الخبث في القلوب قوله تعالى : و لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه .
فنسأل الله عز وجل عقلاً مسلماً يقف على حده ، و لا يعترض على خالقه و موجده .
ثم الويل للمعترض ، أيرد اعتراضه الأقدار ؟
فما يستفيد إلا الخزي ، نعوذ بالله ممن خذل .



· فصل : الجزاء من جنس العمل


لا ينبغي للمؤمن أن ينزعج من مرض أو نزول موت ، و إن كان الطبع لا يملك .
إلا أنه ينبغي له التصبر مهما أمكن ، إما لطلب الأجر بما يعاني ، أو لبيان أثر الرضى بالقضاء ، و ما هي إلا لحظات ثم تنقضي .
و ليتفكر المعافي من المرض في الساعات التي كان يقلق فيها أين هي في زمان العافية ؟ ذهب البلاء و حصل الثواب .
كما تذهب حلاوة اللذات المحرمة و يبقى الوزر . و يمضي زمان التسخط بالأقدام ، و يبقى العتاب .
و هل الموت إلا آلام تزيد فتعجز النفس عن حملها فتذهب .
فليتصور المريض و جود الراحة بعد رحيل النفس ، و قد هان ما يلقى ، كما يتصور العافية بعد شرب الشربة المرة .
و لا ينبغي أن يقع جزع بذكر البلى ، فإن ذلك شأن المركب ، أما الراكب ففي الجنة أو في النار .
و إنما ينبغي أن يقع الاهتمام الكلي بما يزيد في درجات الفضائل قبل نزول المعوق عنها .
فالسعيد من و فق لاغتنام العافية . ثم يختار تحصيل الأفضل فالأفضل في زمن الإغتنام .
و ليعلم أن زيادة المنازل في الجنة على قدر التزيد من الفضائل ههنا ، و العمر قصير ، و الفضائل كثيرة ، فاليبالغ في البدار .
فيا طول راحة التعب ، و يا فرحة المغموم ، و يا سرور المحزون .
و متى تخايل دوام اللذة في الجنة من غير منغص و لا قاطع ، هان عليه كل بلاء و شدة .



· فصل : تذكر الموت


حضرنا يوما جنازة شاب مات أحسن ما كانت الدنيا له ، فرأيت من ذم الناس للدنيا ، و عيب من سكن إليها و التقبيح للغافلين عن الاستعداد لهذا المصرع أمراً كبيراً من الحاضرين .
فقلت : نعم ما قلتم . و لكن اسمعوا مني ما لم تسمعوه .
أعجب الأشياء أن العاقل إذا علم قرب هذا المصرع منه أوجب عليه عقله البدار بالعمل و القلق من الخوف .
وقد اشتد ذلك بأقوام فهاموا في البراري ، و طووا الأيام بالمجاعة ، و داموا على سهر الليل ، و لازموا المقابر ، فهلكوا سريعاً .
و لعمري إن ما خافوه يستحق أكثر من هذا الفعل .
و لكن نرى العقل الذي أوجب هذا القلق قد أمر بما يوجب السكون ، فقال : إنما خلق هذا البدن ليحمل النفس كما تحمل الناقة الراكب .
و لا بد من التلطف بالناقة ليحصل المقصود من السير ، و لا يحسن في العقل دوام السهر و طول القلق ، لأنه يؤثر في البدن فيفوت اكثر المقصود .
كيف و قد خلق بدن الآدمي خلقاً لطيفاً ، فإذا هجر الدسم نشف الدماغ . و إذا دام على السهر قوى اليبس ، و إذا لازم الحزن مرض القلب .
فلا بد من التلطف بالبدن بتناول ما يصلحه ، و بالقلب بما يدفع الحزن المؤذي له .
و إلا فمتى دام المؤذي عجل التلف .
ثم يأتي الشرع بما قد قاله العقل ، فيقول : [ إن لنفسك عليك حقاً و إن لزوجك عليك حقاً ، فصم و أفطر ، و قم و نم ] .
و يقول : [ كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت ] .
و يحث على النكاح و دوام القلق و اليبس يترك الزوجة كالأرملة ، و الولد كاليتيم .
و لا وجه للتشاغل بالعلم مع هذا القلق .
و من أراد مصداق ما قلته ، فاليتأمل حالة الرسول صلى الله عليه و سلم . فإنه كان يعدل ما عنده من الخوف فيمازح ، و يسابق عائشة ، و يكثر من التزوج . و كان يتلطف ببدنه ، فيختار الماء البائت ، و يحب الحلوى و اللحم .
و لولا مساكنة نوع غفلة لما صنف العلماء ، و لا حفظ العلم ، و لا كتب الحديث .
لأن من بقول : ربما مت اليوم كيف يكتب و كيف يسمع و يصنف ،
فلا يهولنكم ما ترون من غفلة الناس عن الموت و عدم ذكره حق ذكره ، فإنها نعمة من الله سبحانه بها تقوم الدنيا و يصلح الدين .
و إنما تذم قوة الغفلة الموجبة للتفرط و الإهمال للمحاسبة للنفس ، وتضييع الزمان في غير التزود ، وربما قويت فحملت على المعاصي .
فأما إذا كانت بقدر كانت كالملح في الطعام لا بد منه، فإن كثر صار الطعام زعافاً .فالغفلة تمدح إذا كانت بقدر كما بينا . و متى زادت وقع الذم .
فافهم ما قلته .
و لا تقل فلان شديد اليقظه ما ينام الليل ، و فلان غافل ينام أكثر الليل ، فإن غفلة توجب مصلحة البدن و القلب لا تذم ، و السلام .



· فصل : الزهد الظاهري


ما يكاد يحب الاجتماع بالناس إلا فارغ .
لأن المشغول القلب بالحق يفر من الخلق و متى تمكن فراغ القلب من معرفة الحق امتلأ بالخلق فصار يعمل لهم و من أجلهم ، و يهلك بالرياء و لا يعلم .
و إني لأتأمل بعض من يتزيى بالفقر و التصوف و هو يلبس ثياباً لا تساوي ديناراً ، و عنده المال الكثير ، و قد أمرع نفسه في المطاعم الشهية و هو عامل بمقتضى الكبر و التصدر ، فتقرب إلى أرباب الدنيا ، و يستذري أرباب العلم ، و يزور أولئك دونهم .
و إنما يرد ما يعطى ليشيع له اسم زاهد ، فتراه يربي الناموس و هو في احتياله كثعلب ، و في نهوضه إلى أغراضه في الباطن كلب شري .
فأقول : سبحان الله ، ما يزهد إلا الثياب ، أترى : ما سمع قول النبي صلى الله عليه و سلم : إن الله يحب أن يري أثر نعمته على عبده ؟ .
و أعوذ بالله من رؤية النفس ، رؤية الخلق ، فإن من رأى نفسه تكبر ، و المتكبر أحمق ، لأنه ما من شيء يتكبر به إلا و لغيره أكثر منه .
و من راءى الخلق عبدهم و هو لا يعلم .
فأما العامل لله سبحانه و تعالى فهو بعيد من الخلق ، فإن تقربوا إليه ستر حاله بما يوجب بعدهم عنه .
و قد رأينا من يرائي و لا يدري فيمتنع من المشي في السوق ، و من زيارة الإخوان ، و من أن يشتري شيئاً بنفسه .
و توهمه نفسه أني أكره مخالطة السوقة ، و إنما هذا يربي جاهاً بين العلماء إذ لو خالطهم لا متحى جاهه ، و بطل تقبيل يده .
و قد كان بشر الحافي يجلس في مجلس عند العطار .
و أبلغ من هذا كله أن نبينا صلى الله عليه و سلم كان يشتري حاجته و يحملها ، و خرج علي بن أبي طالب رضي الله عنه و هو أمير المؤمنين فاشترى ثوباً . و قد كان طلحة بن مطرف قارئ أهل الكوفة ، فلما كثر الناس عليه مشى إلى الأعمش فقرأ عليه ، فمال الناس إلى الأعمش و تركوا طلحة .
هذا و الله الكبريت الأحمر و الإكسير ، لا يظن إكسيراً في الكيمياء .
و المعاملة مع الله تعالى هكذا تكون .
فأما ضد هذه الحال فحالة عابد للخلق ملبس . و قد عم هذا جمهور الخلق حاشا السلف .
أفدي ظباء فلاة ما عرفن بها مضغ الكلام و لا صبغ الحواجيب



· فصل : الزنا اقبح الذنوب


كل المعاصي قبيحة ، و بعضها أقبح من بعض .
فإن الزنا من أقبح الذنوب ، فإنه يفسد الفرش ، و يغير الأنساب ، و هو بالجارة أقبح .
فقد روي في الصحيحين من حديث ابن مسعود قال : قلت يا رسول الله أي الذنب أعظم ؟ قال : أن تجعل الله نداً و هو خلقك .
قلت : ثم أي؟ قال : أن تقتل ولدك من أجل أن يطعم معك
قلت : ثم أي ؟ قال : أن تزاني حليلة جارك .
و قد روى البخاري في تاريخه من حديث المقداد بن الأسود عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : لأن يزني الرجل بعشرة نسوة أيسر من أن يزني بامرأة جاره ، و لن يسرق من عشرة أبيات ، أيسر عليه من أن يسرق من بيت جاره .
و إنما كان هذا ، لأنه يضم إلى معصية الله عز وجل انتهاك حق الجار .
و من أقبح الذنوب أن يزني الشيخ ، ففي الحديث إن الله يبغض الشيخ الزاني لأن شهوة الطبع قد ماتت ، و ليس فيها قوة تغلب ، فهو يحركها و يبالغ فكانت معصيته عناداً .
و من المعاصي التي تشبه المعاندة لبس الرجل الحرير و الذهب ، خصوصاً خاتم الذهب الذي يتحلى به الشيخ ، و أنه من أرد الأفعال و أقبح الخطايا .
و من هذا الفن ، الرياء ، و التخاشع ، و إظهار التزهد للخلق ، فإنه كالعبادة لهم مع إهمال جانب الحق عز وجل .
و كذلك المعاملة بالربا الصريح ، خصوصاً من الغني الكثير المال .
و من أقبح الأشياء أن يطول المرض بالشيخ الكبير و لا يتوب من ذنب .
لا يعتذر من زلة ، و لا يقضي ديناً ، و لا يوصى بإخراج حق عليه .
و من قبائح الذنوب ، أن يتوب السارق أو الظالم ، و لا يرد المظالم .
و المفرط في الزكاة أو في الصلاة و لا يقضي .
و من أقبحها ، أن يحنث في يمين طلاقه ، ثم يقيم مع المرأة .
و قس على ما ذكرته فالمعاصي كثيرة ، و أقبحها لا يخفى .
و هذه المستقبحات فضلاً عن القبائح تشبه العناد للآمر ، فيستحق صاحبها اللعن و دوام العقوبة .
و إني لأرى شرب الخمر من ذلك الجنس ، لأنها ليست مشتهاة لذاتها ، و لا لريحها و لا لطعمها ، فيما يذكر .
إنما لذتها ـ فيما يقال ـ بعد تخرج مرارتها .
فالإقدام على ما لا يدعو إليه الطبع إلى أن يصل التنازل إلى اللذة معاندة .
نسأل الله عز وجل إيماناً يحجز بيننا و بين مخالفته و توفيقاً لما يرضيه ، فإنما نحن به و له .



· فصل : الكبر و خطره على العالم


انتقدت على أكثر العلماء و الزهاد أنهم يبطنون الكبر .
فهذا ينظر في موضعه و ارتفاع غيره عليه ، و هذا لا يعود مريضاً فقيراً يرى نفسه خيراً منه .
حتى إني رأيت جماعة يوماً إليهم ، منهم من يقول لا أدفن إلا في دكة أحمد بن حنبل ، و يعلم أن في ذلك كسر عظام الموتى ، ثم يرى نفسه أهلاً لذلك التصدر .
و منهم من يقول : ادفنوني إلى جانب مسجدي ، ظناً منه أنه يصير بعد موته مزاراً كمعروف الكرخي .
و هذه خلة مهلكة و لا يعلمون .
قال النبي صلى الله عليه و سلم : من ظن أنه خير من غيره فقد تكبر .
و قل من رأيت ، إلا و هو يرى نفسه .
و العجب كل العجب ممن يرى نفسه ، أتراه بماذا رآها ؟
إن كان بالعلم ، فقد سبقه العلماء ، و إن كان بالتعبد ، فقد سبقه العباد ، أو بالمال ، فأن المال لا يوجب بنفسه فضيلة دينية .
فإن قال : قد عرفت ما لم يعرف غيري من العلم في زمني ، فما علي ممن تقدم .
قيل له : ما نأمرك يا حافظ القرآن ، أن ترى نفسك في الحفظ كمن يحفظ النصف .
و لا يا فقيه أن ترى نفسك في العلم كالعامي .
إنما نحذر عليك أن ترى نفسك خيراً من ذلك الشخص المؤمن و إن قل علمه .
فإن الخيرية بالمعاني لا بصورة العلم و العبادة .
و من تلمح خصال نفسه و ذنوبها علم أنه على يقين من الذنوب و التقصير ، و هو من حال غيره على شك .
فالذي يحذر منه الإعجاب بالنفس ، و رؤية التقدم في أحوال الآخرة ، و المؤمن لا يزال يحتقر نفسه .
و قد قيل لعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه : إن مت ندفنك في حجرة رسول الله صلى الله عليه و سلم ؟
فقال : [ لأن ألقى الله بكل ذنب غير الشرك ، أحب إلي من أن أرى نفسي أهلاً لذلك ] .
و قد روينا : أن رجلاً من الرهبان رأى في المنام قائلاً : يقول له : [ فلان الإسكافي خير منك ] فنزل من صومعته ، فجاء إليه فسأله عن عمله ، فلم يذكر كبير عمله .
فقيل له في المنام : عد إليه ، و قل له مم صفرة وجهك ؟
فعاد فسأله فقال : ما رأيت مسلماً إلا و ظننته خيراً مني ، فقيل له : فبذاك ارتفع .



· فصل : الغضب غلبة من الشيطان


متى رأيت صاحبك قد غضب و أخذ يتكلم بما لا يصلح ، فلا ينبغي أن تعقد على ما يقوله خنصراً ، و لا أن تؤاخذه به .
فإن حاله حال السكران ، لا يدري ما يجري .
بل اصبر لفورته ، و لا تعول عليها ، فإن الشيطان قد غلبه ، و الطبع قد هاج ، و العقل قد استتر .
و متى أخذت في نفسك عليه ، أو أجبته بمقتضى فعله ، كنت كعاقل واجه مجنوناً ، أو كمفيق عاتب مغمى عليه . فالذنب لك .
بل انظر بعين الرحمة ، و تلمح تصريف القدر له ، و تفرج في لعب الطبع به . و اعلم أنه إذا انتبه ندم على ما جرى ، و عرف لك فضل الصبر .
و أقل الأقسام أن تسلمه فيما يفعل في غضبه إلى ما يستريح به .
و هذه الحالة ينبغي أن يتلمحها الولد عند الغضب الوالد ، و الزوجة عند غضب الزوج ، فتتركه يشتفي بما يقول ، و لا تعول على ذلك ، فسيعود نادماً معتذراً .
و متى قوبل على حالته و مقالته صارت العداوة متمكنة ، و جازى في الإفاقة على ما فعل في حقه وقت السكر .
و أكثر الناس على غير هذه الطريق .
متى رأوا غضبان قابلوه بما يقول و يعمل ، و هذا على مقتضى الحكمة ، بل الحكمة ما ذكرته ، و ما يعقلها إلا العالمون .



· فصل : الحذر من الحديث عن الناس


ليس في الدنيا أكثر بلاهة ممن يسئ إلى شخص و يعلم أنه قد بلغ إلى قلبه بالأذى ثم يصطلحان في الظاهر ، فيعلم أن ذلك الأثر محي بالصلح .
و خصوصاً مع الملوك ، فإن لذتهم الكبرى ألا يرتفع عليهم أحد ، و لا ينكر لهم غرض ، فإذا جرى شيء من ذلك لم ينجبر .
و اعتبر هذا بأبي مسلم الخراساني ، فإنه غض من قدر المنصور قبل ولايته فحصل ذلك في نفسه فقتله .
و من نظر في التواريخ رأى جماعة قد جرى لهم مثل هذا .
و لا ينبغي لمن أساء إلى ذي سلطان لأن يقع في يده ، فإنه إذا رام التخلص لم يقدر . فيبقى ندمه على ترك احترازه ، و حسرته على مساكنة الضمان للسلامة ، أشد عليه من كل ما يلقى به من الهوان و الأذى .
و من هذا الجنس الأصدقاء المتماثلون ، فإنك متى آذيت شخصاً و بلغ إلى قلبه أذاك فلا تثق بمودته ، فإن أذاك نصب عينه ، فإن لم يحتل عليك لم يصف لك .
و لا تخالط إلا من أنعمت عليه فحسب ، فهو لم ير منك إلا خيراً ، فيكون في نفسه ، و كذلك الولد و الزوجة و المعاملون .
و يلحق بهذا أن أقول : لا ينبغي أن تعادي أحداً و لا تتكلم في حقه ، فربما صارت له دولة فاشتفى .
و ربما احتيج إليه فلم يقدر عليه .
فالعاقل يصور نفسه كل ممكن ، و يستر ما في قلبه من البغض و الود ، و يداري مع الغيظ و الحقد ، هذه مشاورة العقل إن قبلت .



· فصل : لا تسوف في التوبة


كل من يتلمح العواقب و لا يستعد لما يجوز وقوعه فليس بكامل العقل .
و اعتبر هذا في جميع الأحوال ، مثل أن يغتر بشبابه و يدوم على المعاصي و يسوف بالتوبة .
فربما أخذ بغته و لم يبلغ بعض ما أمل .
و كذلك إذا سوف بالعمل أو بحفظ العلم ، فإن الزمان ينقضي بالتسويف و يفوت المقصود .
و ربما عزم على فعل خيراً أو وقف شيء من ماله فسوف فبغت .
فالعاقل من أخذ بالحزم في تصوير ما يجوز وقوعه و عمل بمقتضى ذلك .
فإن امتد الأجل لم يضره ، و إن وقع المخوف كان محترزاً .
و مما يتعلق بالدنيا أن يميل مع السلطان و يسيء إلى بعض حواشيه ثقة بقربه منه ، فربما تغير ذلك السلطان فارتفع عدوه فانتقم منه .
و قد يعادي بعض الأصدقاء و لا يبالي به لأنه دونه في الحالة الحاضرة .
فربما صعدت مرتبة ذلك فاستوفى ما أسفله إليه من القبيح و زاد .
فالعاقل من نظر فيما يجوز وقوعه و لم يعاد أحداً .
فإن كان بينهما ما يوجب المعاداة كتم ذلك ، فإن صح له أن يثب على عدوه فينتقم منه انتقاماً يبيحه الشرع جاز على أن العفو أصلح في باب العيش .
و لهذا ينبغي أن يخدم البطال ، فإنه ربما عمل فعرف ذلك لمن خدم .
و قس على أنموذج ما ذكرته من جميع الأحوال .



· فصل : عزة العلم تضع أصحابها فوق الملوك


بقدر صعود الإنسان في الدنيا تنزل مرتبته في الآخرة .
و قد صرح بهذا ابن عمر رضي الله عنهما فقال : و الله لا ينال أحد من الدنيا شيئاً إلا نقص من درجاته عند الله ، و إن كان عنده كريماً .
فالسعيد من اقتنع بالبلغة ، فإن أشرف من أن يضيع في طلب الدنيا .
اللهم إلا أن يكون متورعاً في كسبه ، معيناً لنفسه عن الطمع ، قاصداً إعانة أهل الخير ، و الصدقة على المحتاجين ، فكسب هذا أصلح من بطالته .
فأما الصعود الذي سببه مخالطة السلاطين فبعيد أن يسلم معه الدين ، فإن وقعت سلامته ظاهراً فالعاقبة خطرة .
قال أبو محمد التميمي : ما غبطت أحداً إلا الشريف أبا جعفر يوم مات القائم بأمر الله فإنه غسله و خرج ينفض أكمامه فقعد في مسجده لا يبالي بأحد و نحن منزعجون لا ندري ما يجري علينا .
و ذاك أن التميمي كان متعلقاً على السلطان يمضي له في الرسائل ، فخاف مغبة القرب .
و قد رأينا جماعة من العلماء خالطوا السلطان فكانت مغبتهم سيئة .
و لعمري إنهم طلبوا الراحة فأخطئوا طريقها ، لأن غموم القلب لا توازيها لذة مال و لا لذة مطعم ، هذا في الدنيا قبل الآخرة .
و من أشرف و أطيب عيشاً من منفرد في زاوية لا يخالط السلاطين و لا يبالي أطاب مطعمه أم لم يطب .
فإنه لا يخلو من كسرة و قعب ماء ، ثم هو سليم من أن تقال له كلمة تؤذيه أو يعيبه الشرع حين دخوله عليهم أو الخلق .
و من تأمل حال أحمد بن حنبل في انقطاعه ، و حال ابن أبي داؤد ، و يحيى بن أكثم عرف الفرق في طيب العيش في الدنيا و السلامة في الآخرة .
و ما أحسن ما قال ابن أدهم : لو علم الملوك و أبناء الملوك ما نحن فيه من لذيذ العيش لجالدونا عليه بالسيوف .
و لقد صدق ابن أدهم ، فإن السلطان إن أكل شيئاً خاف أن يكون قد طرح له فيه سم ، و إن نام خاف أن يغتال ، و هو وراء المغاليق لا يمكنه أن يخرج لفرجة ، فإن خرج كان منزعجاً من أقرب الخلق إليه ، و اللذة التي ينالها تبرد عنده ، و لا يبقى له لذة مطعم و لا منكح .
و كلما استظرف المطاعم أكثر منها ففسدت معدته ، و كلما استجد الجواري أكثر منهن فذهبت قوته ، و لا يكاد يبعد ما بين الوطء و الوطء فلا يجد في الوطء كبيرة لذة لأن لذة الوطء بقدر بعد ما بين الزمانين ، و كذلك لذة الأكل فإن من أكل على شبع ، و وطئ من غير صدق شهوة و قلق ، لم يجد اللذة التامة التي يجدها الفقير إذا جاع ، و العزب إذا وجد امرأة .
ثم إن الفقير يرمي نفسه على الطريق في الليل فينام ، و لذة الأمن قد حرمها الأمراء فلذتهم ناقصة ، و حسابهم زائد .
و الله ما أعرف من عاش رفيع القدر بالغاً من اللذات ما لم يبلغ غيره إلا العلماء المخلصين كالحسن و سفيان و أحمد و العباد المحققين كمعروف ، فإن لذة العلم تزيد على كل لذة .
و أما ضرهم إذا جاعوا أو ابتلوا بأذى ، فإن ذلك يزيد في رفعتهم .
و كذلك لذة الخلوة و التعبد . فهذا معروف ، كان منفرداً بربه طيب العيش معه ، لذيذ الخلوة به .
ثم قد مات منذ نحو أربعمائة سنة فما يخلو أن يهدي إليه كل يوم ما تقدير مجموعة أجزاء من القرآن .
و أقله من يقف على قبره فيقرأ : قل هو الله أحد و يهديها له . و السلاطين تقف بين يدي قبره ذليلة .
هذا بعد الموت ، و يوم الحشر تنشر الكرامات التي لا توصف ، و كذلك قبور العلماء المحققين .
و لما بليت أقوام بمخالطة الأمراء أثر ذلك التكدير في أحوالهم كلها .
فقال سفيان بن عتبة : منذ أخذت من مال فلان الأمير ، منعت ما كان وهب لي من فهم القرآن .
و هذا أبو يوسف القاضي ، لا يزور قبره اثنان .
فالصبر عن مخالطة الأمراء و إن أوجب ضيق العيش من وجه ، يحصل طيب العيش من جهات .
و مع التخليط ، لا يحصل مقصود . فمن عزم جزم .
كان أبو الحسن القزويني ، لا يخرج من بيته إلا وقت الصلاة ، فربما جاء السلطان فيقعد لانتظاره ، ليسلم عليه .
و مد النفس في هذا ربما أضجر السامع ، و من ذاق عرف .



· فصل : معرفة الله و الشرع تهدي لسبل الخير


من عرف الشرع كما ينبغي و علم حالة الرسول صلى الله عليه و سلم و أحوال الصحابة و أكابر العلماء ، علم أن أكثر الناس على غير الجادة .
و إنما يمشون مع العادة ، يتزاورون ، فيغتاب بعضهم بعضاً ،و يطلب كل واحد منهم عورة أخته ، و يحسده إن كانت نعمة ، و يشمت به إن كانت مصيبة و يتكبر عليه إن نصح له ، و يخادعه لتحصيل شيء من الدنيا ، و يأخذ عليه العثرات إن أمكن .
هذا كله يجري بين المنتمين إلى الزهد لا الرعاع .
فالأولى بمن عرف الله سبحانه ، و عرف الشرع ، و سير السلف الصالحين الانقطاع عن الكل .
فإن اضطر إلى لقاء منتسب إلى العلم و الخير تلقاه و قد لبس درع الحذر ، و لم يطل معه الملام ، ثم عجل الهرب منه إلى مخالطة الكتب التي تحوي تفسيراً لنطاق الكمال .



· فصل : الكمال قليل الوجود


الكمال عزيز . و الكمال قليل الوجود .
فأول أسباب الكمال تناسب أعضاء البدن و حسن صورة الباطن و صورة البدن تسمى خلقاً ، و صورة الباطن تسمى خلقاً .
و دليل كمال صورة البدن حسن السمت و استعمال الأدب .
و دليل صورة الباطن حسن الطبائع و الأخلاق .
فالطبائع : العفة . و النزاهة ، و الأنفة من الجهل ، و مباعدة الشره .
و الأخلاق : الكرم ، و الإيثار ، و ستر العيوب ، و ابتداء المعروف ، والحلم عن الجاهل .
فمن رزق هذه الأشياء ، رقته إلى الكمال ، و ظهر عنه أشرف الخلال ، و إن نقصت خلة ، أوجبت النقص .



· فصل : في التسليم يظهر جواهر الرجال


ليس في الدنيا أبله ممن يريد معاملة الحق سبحانه على بلوغ الأغراض .
فأين تكون البلوى إذن ؟.
لا و الله لا بد من انعكاس المرادات ، و من توقف أجوبة السؤالات ، و من تشفي الأعداء في أوقات .
فأما من يريد أن تدوم له السلامة و النصر على من يعاديه ، و العافية من غير بلاء ، فما عرف التكليف ، و لا فهم التسليم .
أليس الرسول صلى الله عليه و سلم ينصر يوم بدر ثم يجري عليه ما جرى يوم أحد ! .
أليس يصد عن البيت ثم قهر بعد ذلك !
فلا بد من جيد و ردىء و الجيد يوجب الشكر ، و الردىء يحرك إلى السؤال و الدعاء .
فإن امتنع الجواب ، أريد نفوذ البلاء ، و التسليم للقضاء .
و ههنا يبين ما الإيمان ، و يظهر في التسليم جواهر الرجال .
فإن تحقق التسليم باطناً و ظاهراً فذلك شأن الكامل .
و إن وجد الباطن انعصار من القضاء لا من المقضي ـ فإن الطبع لا بد أن ينفر من المؤذى دل ـ على ضعف المعرفة .
فإن خرج الأمر إلى الاعتراض باللسان ، فتلك حال الجهال ، نعوذ بالله منها .



· فصل : الله ينظر كيف تعملون


من الابتلاء العظيم إقامة الرجل في غير مقامه . مثل أن يحوج الرجل الصالح إلى مداراة الظالم و التردد إليه ، و إلى مخالطة من لا يصلح ، و إلى أعمال لا تليق به ، أو إلى أمور تقطع عليه مراده الذي يؤثره .
مثل أن يقال للعالم : تردد على الأمير و إلا خفنا عليك سطوته ، فيتردد فيرى ما لا يصلح له و لا يمكنه أن ينكر .
أو يحتاج إلى شيء من الدنيا و قد منع حقه ، فيحتاج أن يعرض بذكر ذلك ، أو يصرح لينال بعض حقه ، و يحتاج إلى مداراة من تصعب مداراته ، بل تتشتت همته لتلك الضرورات . و كذلك يفتقر إلى الدخول في أمور لا تليق به مثل أن يحتاج إلى الكسب فيتردد إلى السوق أو يخدم من يعطيه أجرته .
و هذا لا يحتمله قلب المراقب لله سبحانه لأجل ما يخالطه من الأكدار .
أو يكون له عائلة و هو فقير فيتفكر في إغنائهم ، فيدخل في مداخل كلها عنده عظيم .
و قد يبتلى بفقد من يحب ، أو ببلاء في بدنه ، و بعكس أغراضه و تسليط معاديه عليه فيرى الفاسق يقهره . و الظالم يذله .
و كل هذه الأشياء إلا التسليم و اللجأ إلى القدر في الفرج .
فيرى الرجل المؤمن الحازم يثبت لهذه العظائم ، و لا يتغير قلبه ، و لا ينطق بالشكوى لسانه .
أو ليس الرسول صلى الله عليه و سلم يحتاج أن يقول : من يؤويني من ينصرني ؟
و يفتقر إلى أن يدخل مكة في جواز كافر ؟
و يشق السلي على ظهره ، و تقتل أصحابه و يداري المؤلفة ، و يشتد جوعه و هو ساكن لا يتغير ؟
و ما ذاك إلا أنه علم أن الدنيا دار ابتلاء ، لينظر الله فيها كيف تعملون .
و مما يهون هذه الأشياء علم العبد بالأجر ، و أن ذلك مراد الحق .
فما لجرح إذا أرضاكم ألم



· فصل : العجماوات خير من علماء يعبدون المال


لا ينكر أن الطباع تحب المال ، لأنه سبب بقاء الأبدان ، لكنه يزيد حبه في بعض القلوب حتى يصير محبوباً لذاته لا للتواصل به إلى المقاصد .
فترى البخيل يحمل على نفسه العجائب ، و يمنعها اللذات و تصبر لذاته في جمع المال . و هذا جبلة في خلق كثير .
و ليس العجب أن تكون في الجهال و ينبغي أن يؤثر فيها عند العلماء المجاهدة للطبع و مخالفته ، خصوصاً في الأفعال اللازمة في المال .
فأما أن يكون العالم جامعاً للمال من وجوه قبيحة و من شبهات قوية و بحرص شديد و بذل في الطالب ، ثم يأخذ من الزكوات و لا تحل له مع الغنى ، ثم يدخره و لا ينفع به ، فهذه بهيمية تخرج من صفات الآدمية .
بل البهيمية أعذر ، لأنها بالرياضة تتغير طباعها ، و هؤلاء ما غيرهم رياضة ، و لا أفادهم العلم .
و لقد كان أبو الحسن البسطامي مقيماً في رباط البسطامي الذي على نهر عيسى ، و كان لا يلبس إلا الصوف شتاء و صيفاً ، و كان يحترم و يقصد ، فخلف مالاً يزيد على أربعة الآف دينار .
و رأينا بعض أشياخنا و قد بلغ الثمانين و ليس له أهل و لا ولد ، و قد مرض فألقى نفسه عند بعض أصدقائه يتكلف له ذلك الرجل ما يشتهيه و ما يشفيه ، فمات فخلف أموالاً عظيمة .
و رأينا صدقة بن الحسين الناسخ ، و كان على الدوام يذم الزمان و أهله ، و يبالغ في الطلب من الناس و يتجفف و هو في المسجد وحده ليس له من يقوم بأمره ، فمات فخلف فيما قيل ثلاث مائة دينار .
و كان يصحبنا أبو طالب بن المؤيد الصوفي ، و كان يجمع المال ، فسرق منه نحو مائة دينار ، فتلهف عليها و كان ذلك سبب هلاكه .
و من أحوال الناس أنك ترى أقواماً جلسوا على صفة القوم يطلبون الفتوح فيأتهم منها الكثير الذي يصيرون به من الأغنياء ، و هم لا يمتنعون من أخذ زكاة و لا من طلب .
و كذلك القصاص ، يخرجون إلى البلاد و يطلبون ، فيحصل لهم المال الكثير ، فلا يتركون الطلب عادة .
فيا سبحان الله . . أي شيء أفاد العلم . بل الجهل كان لهؤلاء أعذر .
و من أقبح أحوالهم لزومهم الأسباب التي تجلب لهم الدنيا من التخاشع و التنسك في الظاهر ، و ملازمة حث العزلة عن المخالطة ، و كل هؤلاء بمعزل عن الشرع .
و لقد تأملت على بعضهم من القدح في نظيره إلى أن يبلغ به إلى التعرض به للهلاك .
فالويل لهم ، ما أقل ما يتمتعون بظواهر الدنيا ، و إن كان مقلب القلوب قد صرف القلوب عن محبتهم ، لأن الحق عز وجل لا يميل بالقلوب إلا إلى المخلصين .
فقد فاتتهم الدنيا على الحقيقة ، و ما حصلوا إلا صورة الحطام .
نسأل الله عز وجل عقلاً يدبر دنيانا ، و يحصل لنا آخرتنا ، و الرزاق قادر .



· فصل : أنفس الأشياء معرفة الله


ينبغي لمن عرف شرف الوجود أن يحصل أفضل الموجود .
هذا العمر موسم . و التجارات تختلف . و العامة تقول : عليكم بما خف حمله و كثر ثمنه .
فينبغي للمستيقظ ألا يطلب إلى الأنفس .
و أنفس الأشياء في الدنيا معرفة الحق عز وجل .
فمن العارفين السالكين من وافى في طريقه بغيته في السفر ، و منهم من همته متعلقة بطلب ربحه ، و منهم من ينظر إلى ما يرضي الحبيب فيجلبه إلى بلد المعاملة ، و يرضى بالقبول ثمناً ، و يرى أن كل البضائع لا تفي بحق الخفارة .
منهم من يرى لزوم الشكر في اختيار هذا السلوك دون غيره فيقر بالعجز .
و قد ارتفع قوم عن الأحوال ، فرأوا مجرد التوفيق يشغلهم عن النظر إلى العمل .
أولئك الأقلون عدداً ، و إن الأعظمين قدراً أقل نسلاً من عنقاء مغرب .



· فصل : البدار أيها المسنون


من علم قرب الرحيل عن مكة ، استكثر من الطواف ، خصوصاً إن كان لا يؤمل العود لكبر سنه و ضعف قوته .
فكذلك ينبغي لمن قاربه ساحل الأجل بعلو سنه أن يبادر اللحظات ، و ينتظر الهاجم بما يصلح له .
فقد كان في قوس الأجل منزع زمان الشباب ، و استرخى الوتر في المشيب عن سية القوس ، فانحدر إلى القلب و ضعفت القوى .
و ما بقي إلى الإستسلام لمحارب التلف ، فالبدار البدار أن يؤثر إلى أن التنظيف ليكون القدوم على طهارة .
و أي عيش في الدنيا يطيب لمن أيامه السليمة تقربه إلى الهلاك ، و صعود عمره نزول عن الحياة و طول بقائه نقص مدى المدة ، فليتفكر فيما بين يديه ، و هو أهم مما ذكرناه .
أليس في الصحيح : ما منكم أحد إلا و يعرض عليه مقعدة بالغداة و العشي من الجنة و النار فيقال : هذا مقعدك حتى يبعث الله .
فوا أسفاً لمهدد ، لم يحسن التأهب ، و يا طيب عيش الموعود بأزيد المنى .
و ليعلم من شارف السبعين ، أن النفس أنين ، أعان الله من قطع عقبة العمر على رمل زرود الموت .



· فصل : تذكر أحوال الرسول صلى الله عليه و سلم


من أراد أن يعلم حقيقة الرضى عن الله عز وجل ففي أفعاله ، و أن يدري من أين ينشأ الرضى ، فليتفكر في أحوال رسول الله صلى الله عليه و سلم .
فإنه لما تكاملت معرفته بالخالق سبحانه رأى أن الخالق مالك ، و للمالك التصرف في مملوكه ، و رآه حكيماً لا يصنع شيئاً عبثاً ، فسلم تسليم مملوك لحكيم فكانت العجائب تجري عليه و لا يوجد منه تغير ، و لا من الطبع تأفف .
و لا يقول بلسان الحال : لو كان كذا ، بل يثبت للأقدار ثبوت الجبل لعواصف الرياح .
هذا سيد الرسل صلى الله عليه و سلم بعث إلى الخلق وحده ، و بالكفر قد ملأ الآفاق ، فجعل يفر من مكان إلى مكان ، و استتر في دار الخيزران ، و هم يضربونه إذا خرج ، و يدمون عقبه ، و شق السلى على ظهره ، و هو ساكت ساكن .
و يخرج كل موسم فيقول : من يؤويني ، من ينصرني ؟
ثم خرج من مكة فلم يقدر على العود إلا في جواز كافر ، و لم يوجد من الطبع تأنف ، و لا من الباطن اعتراض .
إذ لو كان غيره لقال : يا رب أنت مالك الخلق ، و قارد على النصر ، فلم أذل ؟
كما قال عمر رضي الله عنه يوم صلح الحديبية : ألسنا على الحق ؟ فلم نعطي الدنية في ديننا ؟
و لما قال هذا ، قال له الرسول صلى الله عليه و سلم : إني عبد الله و لن يضيعني ، فجمعت الكلمتان الأصلين اللذين ذكرناهما .
فقوله : إني عبد الله ، إقرار بالملك و كأنه قال : أنا مملوك يفعل بي ما يشاء .
و قوله : لن يضيعني ، بيان حكمته ، و أنه لا يفعل شيئاً عبثاً .
ثم يبتلي بالجموع فيثد الحجر ، و لله خزائن السموات و الأرض .
و تقتل أصحابه و يشج وجهه ، و تكسر رباعيته ، و يمثل بعمه و هو ساكت
ثم يرزق ابناً و يسلب منه ، فيتعلل بالحسن و الحسين ، فيخبر بما سيجري عليهما .
و يسكن بالطبع إلى عائشة رضي الله عنها ، فينغص عيشه بقذفها .
و يبالغ في إظهار المعجزات فيقام في وجهه مسيلمة و العنسي و ابن صياد .
و يقيم ناموس الأمانة و الصدق ، فيقال : كذاب ساحر . ثم يعلقه المرض كما يوعك رجلان و هو ساكن ساكت . فإن أخبر بحاله فليعلم الصبر .
ثم يشدد عليه الموت ، فيسلب روحه الشريفة و هو مضطجع في كساء ملبد و إزار غليظ ، و ليس عندهم زيت يوقد به المصباح ليلتئذ .
هذا شيء ما قدر على الصبر عليه كما ينبغي نبي قلبه ، و لو ابتليت به الملائكة ما صبرت .
هذا آدم عليه السلام يباح له الجنة سوى شجرة فلا يقع ذباب حرصه إلا على العقر .
و نبينا صلى الله عليه و سلم يقول في المباح : مالي و للدنيا !
و هذا نوح عليه السلام يضج مما لاقى ، فيصبح من كمد وجده لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا . و نبينا صلى الله عليه و سلم يقول : اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون .
هذا الكليم موسى صلى الله عليه و سلم ، يستغيث عند عبادة قومه العجل على القدر قائلاً إن هي إلا فتنتك و يوجه إليه ملك الموت فيقلع عينه .
و عيسى صلى الله عليه و سلم يقول : [ إن صرفت الموت عن أحد فاصرفه عني ] .
و نبينا صلى الله عليه و سلم يخير بين البقاء و الموت ، فيختار الرحيل إلى الرفيق الأعلى .
هذا سليمان صلى الله عليه و سلم يقول : هب لي ملكاً ، و نبينا صلى الله عليه و سلم يقول : اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً
هذا و الله فعل رجل عرف الوجود و الموجود ، فماتت أغراضه ، و سكنت اعتراضاته ، فصار هواه فيما يجري .



· فصل : لا يحصل المراد التام


أكثر شهوات الحس النساء ، و قد يرى الإنسان امرأة في ثيابها فيتخايل له أنها أحسن من زوجته .
أو يتصور بفكره المستحسنات و فكره لا ينظر إلا إلى الحسن من المرأة ، فيسعى في التزوج و التسري .
فإذا حصل له مراده لم يزل ينظر في عيوب الحاصل التي ما كان يتفكر فيها ، فيمل و يطلب شيئاً آخر .
و لا يدري أن حصول أغراضه في الظاهر ربما اشتمل على محن .
منها أن تكون الثانية لا دين لها أو لا عقل ، أو لا محبة لها ، أو لا تدبير ، فيفوت أكثر مما حصل .
هذا المعنى هو الذي أوقع الزناة في الفواحش ، لأنهم يجالسون المرأة حال استتار عيوبها عنهم و ظهور محاسنها ، فتلذهم تلك الساعة ، ثم ينتقلون إلى أخرى .
ليعلم العاقل أن لا سبيل غلى حصول مراد تام كما يريد و لستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه .
ما عيب نساء الدنيا بأحسن من قوله عز وجل و لهم فيها أزواج مطهرة .
و ذو الأنفة يأنف من الوسخ صورة ، و عيب الخلق معنى .
فليقنع بما باطنه الدين ، و ظاهره الستر و القناعة . فإنه يعيش مرفه السر ، طيب القلب .
و متى ما استكثر ، فإنما يستكثر من شغل قلبه ورقة دينه .



· فصل : يخلق ما يشاء و يختار


سبحان من شغل كل شخص بفن لتنام العيون في الدنيا .
فأما في العلوم فحبب إلى هذا القرآن ، و إلى هذا الحديث ، و إلى هذا النحو . إذ لولا ذلك ما حفظت العلوم .
ألهم هذا المتعيش أن يكون خبازاً ، و هذا أن يكون هراسا ، و هذا أن ينقل الشوك من الصحراء ، و هذا أن ينقي البثار ليلتئم الخلق .
و لو ألهم أكثر الناس أن يكونوا خبازين مثلاً ، بات الخبز و هلك ، أو هراسين جفت الهرايس ، بل يلهم هذا و ذاك بقدر لينتظم أمر الدنيا و أمر الآخرة .
و يندر من الخلق من يلهمه الكمال و طلب الأفضل ، و الجمع بين العلوم و الأعمال ، و معاملات القلوب ، و تتفاوت أرباب هذه الحال .
فسبحان من يخلق ما يشاء و يختار .
نسأل العفو إن لم يقع الرضى ، و السلامة إن لم نصلح للمعاملة .



· فصل : القرآن و السنة أساس الدين


علم الحديث هو الشريعة ، لأنه مبين للقرآن و موضح للحلال و الحرام و كاشف عن سيرة رسول الله صلى الله عليه و سلم و سير أصحابه .
و قد مزجوه بالكذب ، و أدخلوا في المنقولات كل قبيح .
فإذا وفق الزاهد و الواعظ لم يذكرا إلا ما شهد بصحته .
و إن حرما التوفيق ، عمل الزاهد بكل حديث يسمعه لحسن ظنه بالرواة ، و قال الواعظ كل شيء يراه الجهلة بالتصحيح ، ففسدت أحوال الزاهد ، و انحرف عن جادة الهدى ، و هو لا يعلم .
كيف لا وعموم الأحاديث الدالة على الزاهد لا تثبت ، مثل حديث ابن عمر رضي الله عنهما : أيما امرىء مسلم اشتهى شهوة فرد شهوته و آثر على نفسه غفر له . و هذا حديث موضوع ، يمنع الإنسان ما أبيح مما يتقوى به على الطاعة .
و مثل قوله : من وضع ثياباً حسناً ، و كذلك ما رووا إن رسول الله صلى الله عليه و سلم قدم له أدمان فقال : أدمان في قدح ، لا حاجة لي فيه ، أكره أن يسألني الله عن فضول الدنيا .
و في الصحيح : أن رسول الله صلى الله عليه و سلم : أكل البطريخ بالرطب و مثل هذا إذا تتبع كثير فقد بنوا على فساد ، ففسدت أحوال الواعظ و الموعوظ ، لأنه يبني كلامه على أشياء فاسدة و محالات .
و لقد كان جماعة من المتزهدين يعملون على أحاديث و مقولات لا تصح فيضيع زمانهم في غير المشروع .
ثم ينكرون على العلماء استعمالهم للمباحات ، و يرون أن التجفف هو الدين .
و كذلك الوعاظ يحدثون الناس بما لا يصح عن الرسول صلى الله عليه و سلم و لا أصحابه ، فقد صار المحال عندهم شريعة .
فسبحان من حفظ هذه الشريعة بأخبار ينفون عنها تحريف الغالين و انتحال المبطلين .



· فصل : مسند الإمام أحمد و ما فيه من الأحاديث


كان قد سألني بعض أصحاب الحديث : هل في مسند أحمد ما ليس بصحيح ؟ فقلت : نعم .
فعظم ذلك على جماعة ينسبون إلى المذهب ، فحملت أمرهم على أنهم عوام ، و أهملت فكر ذلك .
إذا بهم قد كتبوا فتاوي ، فكتب فيها جماعة من أهل خراسان ، منهم أو أبو العلاء الهمداني يعظمون هذا القول ، و يردونه و يقبحون قول من قاله .
فبقيت دهشاً متعجباً ، و قلت في نفسي : و اعجباً صار المنتسبون إلى العلم عامة أيضاً .
و ما ذاك إلا أنهم سمعوا الحديث و لم يبحثوا عن صحيحه و سقيمه ، و ظنوا أن من قال ما قلته قد تعرض للطعن فيما أخرجه أحمد .
و ليس كذلك ، فإن الإمام أحمد روى المشهور و الجيد و الرديء .
ثم هو قد رد كثيراً مما روى ، و لم يقل به ، و لم يجعله مذهباً له .
أليس هو القائل في حديث الوضوء بالنبيذ مجهول !
من نظر في كتاب العلل الذي صنفه أبو بكر الخلال رأى أحاديث كثيرة كلها في المسند ، و قد طعن فيها أحمد .
و نقلت من خط القاضي أبي يعلى محمد بن الحسين الفراء في مسألته النبيذ قال : إنما روى أحمد في مسنده ما اشتهر ، و لم يقصد و لا السقيم .
و يدل على ذلك أن عبد الله قال : قلت لأبي : ما تقول في حديث ربعي بن حراش عن حذيفة ؟ قال : الذي يرويه عبد العزيز بن أبي داود ؟ قلت : نعم .
قال : الأحاديث بخلافه . قلت : فقد ذكرته في المسند . قال قصدت في المسند المشهور ، فلو أردت أن أقصد ما صح عندي لم أرد لهذا المسند إلا الشيء بعد الشيء اليسير .
و لكنك يا بني تعرف طريقتي في الحديث ، لست أخالف ما ضعف من الحديث إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه . قال القاضي ـ و قد أخبر عن نفسه ـ كيف طريقه في المسند فمن جعله أصلاً للصحة فقد خالفه و ترك مقصده .
قلت : قد غمني في هذا الزمان أن العلماء لتقصيرهم في العلم صاروا كالعامة و إذا مر بهم حديث موضوع قالوا : قد روي .
و البكاء ينبغي أن يكون على خساسة الهمم و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم .



· فصل : اتباع الشهوات


بلغني عن بعض فساق القدماء أنه كان يقول :
ما أرى العيش غير أن تتبع النفس هواها ، فمخطئاً أو مصيباً .
فتدبرت حال هذا ، و إذا به ميت النفس ، ليس له أنفة على عرضه ، و لا خوف عار .
و مثل هذا ليس في مسلاخ الآدميين ، فإن الإنسان قد يقدم على القتل لئلا يقال جبان . و يحمل الأثقال ليقال ما قصر . و يخاف العار فيصبر على كل آفة من الفقر ، و هو يستر ذلك حتى لا يرى بعين ناقصة .
حتى إن الجاهل إذا قيل له يا جاهل إغضب . و اللصوص المتهيؤون للحرام إذا قال أحدهم للآخر لا تتكلم ، فإن أختك تفعل و تصنع ، أخذته الحمية فقتل الأخت .
و من له نفس لا يقف في مقام تهمة لئلا يظن به .
فأما من لا يبالي أن يرى سكراناً ، و لا يهمه أن شهر بين الناس ، و لا يؤلمه ذكر الناس له بالسوء فذاك في عداد البهائم .
و هذا الذي يريد أن يتبع النفس هواها لا يلتذ به أنه لا يخاف عنتاً و لا لوماً ، و لا يكون له عرض يحذر عليه ، فهو بهيمة في مسلاخ إنسان .
و إلا فأي عيش لمن شرب الخمر ، و أخذ عقيب ذلك وضرب و شاع في الناس ما قد فعل به .
أما يفي ذلك باللذة ، لا ؟ بل يربو عليها أضعافاً . و أي عيش ساكن الكسل إذا رأى أقرانه قد برزوا في العلم و هو جاهل . أو استغنوا بالتجارة و هو فقير ، فهل يبقى للالتذاذ بالكسل و الراحة معنى ؟ و لو تفكر الزاني في الأحدوثة عنه ، أو تصور أخذ الحد منه ، لكف الكف . غير أنه يرى لذة حاضرة كأنها لمع برق ، و يا شؤم ما أعقبت من طول الأسى .
هذا كله في العاجل . فأما الأجل فمنغصه العذاب دائمة ، و الذين آمنوا مشفقون منها .
نسأل الله أنفة من الرذائل ، و همة فيطلب الفضائل ، إنه قريب مجيب .



فصل : أتبع السيئة الحسنة تمحها


قد تبغت العقوبات ، و قد يؤخرها الحلم .
و العاقل من إذا فعل خطيئة بادرها بالتوبة ، فكم مغرور بإمهال العصاة لم يمهل .
و أسرع المعاصي عقوبة ما خلا عن لذة تنسي النهي ، فتكون تلك الخطيئة كالمعاندة و المبارزة .
فإن كانت توجب اعتراضاً على الخالق أو منازعة له في عظمته ، فتلك التي لا تتلافى . خصوصاً إن وقعت من عارف بالله ، فإنه يندر إهماله .
قال عبد المجيد بن عبد العزيز : كان عندنا بخراسان رجل كتب مصحفاً في ثلاثة أيام فلقيه رجل فقال : في كم كتبت هذا ؟ فأومأ بالسبابة و الوسطى و الإبهام و قال : في ثلاث [ و ما مسنا من لغوب ] فجفت أصابعه الثلاث ، فلم ينتفع بها فيما بعد .
و خطر لبعض الفصحاء أن يقدر أن يقول مثل القرآن ، فصعد إلى غرفة فانفرد فيها ، و قال أمهلوني ثلاثاً ، فصعدوا إليه بعد الثلاث و يده قد يبست على القلم و هو ميت .
قال عبد المجيد : و رأيت رجلاً كان يأتي امرأته حائضاً ، فحاض ، فلما كثر الأمر به تاب فانقطع عنه و يلحق هذا أن يعير الإنسان شخصاً بفعل ، و أعظمه أن يعيره بما ليس إليه ، فيقول يا أعمى ، و يا قبيح الخلقة .
و قال ابن سيرين : [ عيرت مرجلاً بالفقر ، فحبست على دين ] .
و قد تتأخر العقوبة و تأتي في آخر العمر .
فيا طول التعثير مع كبر السن لذنوب كانت في الشباب .
فالحذر الحذر من عواقب الخطايا . و البدار البدار إلى محوها بالإنابة .
فلها تأثيرات قبيحة إن أسرعت ، و إلا اجتمعت و جاءت .



· فصل : معرفة الخالق بالدليل واجبة


إعلم أن الآدمي قد خلق لأمر عظيم . . . و هو مطالب بمعرفة خالقه بالدليل ، و لا يكفيه التقليد . و ذلك يفتقر إلى جمع الهم في طلبه .
و هو مطالب بإقامة المفروضات ، و اجتناب المحارم . فإن سمت همته إلى طلب العلم احتاج إلى زيادة جمع الهم .
فأسعد الناس من له قوت دار بقدر الكفاية ، لا من منن الناس و صدقاتهم و قد قنع به .
و أما إذا لم يكن له قوت يكفي فالهم الذي يريد اجتماعه في تلك الأمور يتشتت و يصير طالباً للتحليل في جمع القوت .
فيذهب العمر في تحصيل قوت البدن الذي يريد من بقائه غير بقائه ، و يفوت المقصود ببقائه ، و ربما احتاج إلى الأنذال ، قال الشاعر :
حسبي من الدهر ما كفاني يصون عرضي عن الهوان
مخافة أن يقول قوم فضل فلان على فلان
فينبغي للعاقل أن إذا رق قوتاً أو كان له موار أن يحفظها ليجتمع همه و لا ينبغي أن يبذر في ذلك فإنه يحتاج فيتشتت همه .
و النفس إذا أحرزت قوتها اطمأنت ، فإن لم يكن له مال اكتسب بقدر كفايته ، و قلل الغلو ليجتمع بين همه و ضرورته .
و ليقنع بالقليل ، فإنه متى سمت همته إلى فضول المال وقع المحذور من التشتت ، لأن التشتت في الأول للعدم ، و هذا التشتت يكون للحرص على الفضول فيذهب العمر على البارد :
و من ينفق الأيام في حفظ ماله مخافة فقر فالذي فعل الفقر
فافهم هذا يا صاحب الهمة تفي طلب الفضائل ، فإنك ما لم تعزل قوت الصبيان شتتوا قلبك ، و طبعك طفل . ففرغ همك من استعانته .
و اعرف قدر شرف المال أوجب جمع همك ، و صان عرضك عن الخلق .
و إياك أن يحملك الكرم على فرط الإخراج ، فتصير كالفقير المتعرض لك بالتعرض لغيرك .
و في الحديث أن رجلاً أتى رسول الله صلى الله عليه و سلم فرأى عليه آثار الفقر ، فعرض به فأعطى شيئاً . فجاءه فقير آخر فآثره الأول ببعض ما أعطى فرماه النبي صلى الله عليه و سلم ، و نهاه عن مثل ذلك .
القناعة بما يكفي ، و ترك التشوف إلى الفضول أصل الأصول .
و لما آيس الإمام أحمد بن حنبل نفسه من قبول الهدايا و الصلات اجتمع همه ، و حسن ذكره ، لما أطعمها ابن المديني و غيره سقط ذكره .
ثم فيمن ! إنما هو سلطان جائر ، أو منرك منان ؟ أو صديق مدل بما يعطي و العز ألذ من كل لذة ، و الخروج عن ربقة المنن و لو بسف التراب أفضل .



· فصل : الحذر من الإفراط في إظهار النعم


قد ركب في الطباع حب التفضيل على الجنس ، فما أحد إلا و هو يحب أن يكون أعلى درجة من غيره .
فإذا وقعت نكبة أوجبت نزوله عن مرتبة سواه ، فينبغي أن يتجلد بستر تلك النكبة ، لئلا يرى بعين نقص .
ليتجمل المتعفف حتى لا يرى بعين الزحمة ، و ليتحامل المريض لئلا يشمت به ذو العافية .
و قد قال صلى الله عليه و سلم لأصحابه حين قدومه مكة و قد أخذتهم الحمى فخاف أن يشمت بهم الأعداء حين ضعفهم عن السعي ، فقال : رحم الله من أظهر من نفسه الجلد ، فيرملوا ـ و الرمل شدة السعي ـ .
و زال ذلك السبب و بقي الحكم ، ليتذكر السبب فيفهم معناه .
استأذنوا على معاوية و هو في الموت ، فقال لأهله : أجلسوني ، فقعد متمكناً يظهر العافية ، فلما خرج العواد أنشد :
و تجلدي للشامتين أيهم أني لريب الدهر أتضعضع
و إذا المنية أنشبت أظفارها ألفيت كل تميمة لا تنفع
و ما زال العقلاء يظهرون التجلد عند المصائب و الفقر و البلاء ، لئلا يتحملوا معى النوائب شماتة الأعداء ، و إنها لأشد من كل نائبة .
كان فقيرهم يظهر الغنى ، و مريضهم يظهر العافية .
بلى ، ثم نكتة ينبغي التفطن لها ، ربما أظهر الإنسان كثرة المال و سبوغ النعم ، فأصابه عدوه بالعين ، فلا يفي ما تبجح به بما يلاقي من انعكاس النعمة .
و العين لا تصيب إلا ما يستحسن ، و لا يكفي الاستحسان في إصابة العين حتى يكون من حاسد ، و لا يكفي ذلك حتى يكون من شرير الطبع .
فإذا اجتمعت هذه الصفات خيف من إصابة العين ، فليكن الإنسان مظهراً للتجميل مقدار ما يأمن إصابة العين و يعلم أنه في خير .
و ليحذر الإفراط في إظهار النعم ، فإن العين هناك محذورة .
و قد قال يعقوب لنبيه عليهم السلام لا تدخلوا من باب واحد و ادخلوا من أبواب متفرقة .
و إنما خاف عليهم العين . فليفهم هذا الفصل فإنه ينفع من له تدبر .



· فصل : بادر بطي صحيفتك


إنما خلقنا لنحيا مع الخالق في معرفته و محادثته و رؤيته في البقاء الدائم .
و إنما ابتدىء كوننا في الدنيا لأنها في مثال مكتب نتعلم فيه الخط و الأدب ليصلح الصبي عند بلوغه للرتب .
فمن الصبيان بعيد الذهن يطول مكثه في المكتب و يخرج و ما فهم شيئاً .
و هذا مثال من لا يعلم و جوده ، و لا نال المراد من كونه .
و من الصبيان من يجمع مع بعد ذهنه ، و قلة فهمه و عدم تعلمه أذى الصبيان ، فهو يؤذيهم ، و يسرق مطاعمهم ، و يستغيثون من يده ، فلا هو صلح ، و لا فهم و لا كف عن الشر .
و هذا مثل أهل الشر و المؤذيين .
و من الصبيان من علق بشيء من الخط لكنه ضعيف الاستخراج رديء الكتابة ، فخرج و لم يعلق إلا بقدر ما يعلق به حساب معاملته .
و هذا مثل من فهم الشيء و فاتته الفضائل التامة .
و منهم من جود الخط و لم يتعلم الحساب ، و أتقن الأدب حفظاً ، غير أنه قاصر في أدب النفس .
فهذا يصلح أن يكون كائباً للسلطان على مخاطرة لسوء ما في باطنه من الشره و قلة التأدب .
و منهم من سمعت همته إلى المعالي الكاملة ، فهو مقدم الصبيان في المكتب ، و نائب عن معلمهم ، ثم يرتفع عنهم بعزة نفسه ، و أدب باطنه ، و كمال صناعة الأدب الظاهرة .
و لا يزال حاث من باطنه يحثه على تعجيل التعليم ، و تحصيل كل فضيلة ، لعمله أن المكتب لا يراد لنفسه بل لأخذ الأدب منه ، و الراحلة إلى حالة الرجولية و التصرف ، فهو يبادر الزمان في نيل كل فضيلة .
فهذا مثل المؤمن الكامل يسبق الأقران التجاري ، و يعرض لوح عمله جيد الخط ، فيقول بلسان حاله هاؤم اقرؤوا كتابيه .
و كذلك الدنيا و أهلها . من الناس هالك بعيد عن الحق ، و هم الكفار .
و منهم خاطئ مع قليل من الإيمان ، فهو معاقب ، و المصير إلى خير . و منهم سليم ، لكنه قاصر .
و منهم تام ، لكنه بالإضافة إلى من دونه ، و هو ناقص بالإضافة إلى من فوقه .
فالبدار البدار يا أرباب الفهوم ، فإن الدنيا معبر إلى دار إقامة ، و سفر إلى المستقر و القرب من السلطان و مجاورته ، فتهيئوا للمجالسة ، و استعدوا للمخاطبة ، و بالغوا في استعمال الأدب ، لتصلحوا للقرب من الحضرة .
و لا يشغلكم عن تضمير الخيل تكاسل ، و ليحملكم على الجد في ذلك تذكركم يوم السباق .
فإن قرب المؤمنين من الخالق على قدر حذرهم في الدنيا .
و منازلهم على قدر ، فما منزل النفاط كمنزل الحاجب ، و لا منزل الحاجب كمكان الوزير .
جنتان من ذهب ، آنيتهما و ما فيهما . و جنتان من فضة ، آنيتهما ، و ما فيهما ، و الفردوس الأعلى لآخرين .
و الذين في أرض ينظرون أهل الدرجات كما يرون الكوكب الدري ، فليتذكر الساعي حلاوة التسليم إلى الأمين .
و ليتذكر في لذاذة المدح يوم السباق . و ليحذر المسابق من تقصير لا يمكن استدراكه .
و ليخف من عيب يبقى قبح ذكره .
هؤلاء الجهنميون عتقاء الرحمن ، أزرى بهم اتباع الهوى ، ثم لحقتهم العافية فنجوا بعد لأي ، فليتعظ و ليصبر عن المشتهي ، فالأيام قلائل .
يدخل فقراء المؤمنين قبل الأغنياء إلى الجنة بخمس مائة عام ، فالجد الجد ، بإقدام المبادرة .
فقد لاح العلم خصوصاً لمن بانت له بانة الوادي ، إما بالعلم الدال على الطريق ، و إما بالشيب الذي هو علم الرحيل ، و هو ما يأمله أهل الجد .
و كان الجنيد يقرأ وقت خروج روحه ، فيقال له في هذا الوقت ! فيقول : [ أبادر طي صحيفتي ] .
و بعد هذا ، فالمراد موفق ، و المطلوب معان . و إذا أرادك لأمر هيأك له .



· فصل : الدنيا ميدان سباق


تأملت حالة عجيبة ، و هو أن أهل الجنة الساكنين في أرضها في نقص عظيم بالإضافة إلى من فوقهم ، و هم يعلمون فضللا أولئك .
فلو تفكروا في ما فاتهم من ذلك وقعت الحسرات ، غير أن ذلك لا يكون ، لأن ذلك لا يقع لهم لطيب منازلهم ، و لا يقع في الجنة غم .
و يرضى كل بما أعطي من وجهين : أحدمها أنه لا يظن أن يكون نعيم فوق ما هو فيه ، و إن علت منزلة غيره . و الثاني أنه يحبب إليه كما يحبب إليه ولده المستوحش الخلفة فإنه يؤثره على الأجنبي المستحسن .
إلا أن تحت هذا معنى لطيفاً ، و هو أن القوم خلقت لهم همم قاصرة في الدنيا عن طلب الفضائل يتفاوت قصورها .
فمنهم من يحفظ بعض القرآن و لا يتوق إلى التمام ، و منهم من يسمع يسيراً من الحديث و منهم من يعرف قليلاً من الفقه ، و منهم من قد رضي من كل شيء بيسيره ، و منهم مقتصر على الفرائض ، و منهم قنوع بصلات ركعتين في الليل . و لو علت بهم الهمم لجدت في تحصيل كل الفضائل ، و نبت عن النقص فاستخدمت البدن ، كما قال الشاعر :
و لكل جسم في النحول بلية و بلاء جسمي من تفاوت همتي
و يدل على تفاوت الهمم أن في الناس من يسهر في سماع و لا يسهل عليه السهر في سماع القرآن .
و الإنسان يحشر و معه تلك الهمة ، فيعطى على مقدار ما حصلت في الدنيا لم تتق إلى الكمال و قنعت بالدون ، قنعت في الآخرة بمثل ذلك .
ثم إن القوم يتفكرون بعقولهم ، فيعلمون أن الجزاء على قدر العمل ، و لا يطمع من صلى ركعتين في ثواب من صلى ألفاً .
فإن قال قائل : فكيف يتصور لها ألا تروم ما ناله من هو أفضل منها ؟
قلت : إن لم يتصور نيله يتصور الحزن على فوته .
و هل رأيت عامياً يحزن على فوات الفقه حزناً يقلقه ؟ هيهات .
لو كان ذلك الحزن عنده لحره إلى التشاغل .
فليس عندهم همة توجب الأسف مع أنهم قد رضوا بما فيه . فافهم ما قلته و بادر ، فهذا ميدان السباق .



· فصل : الحكمة في الإبقاء على اليهود و النصارى


تفكرت في إبقاء اليهود و النصارى بيننا و أخذ الجزية منهم ، فرأيت في ذلك حكماً عجيبة .
منها : ما قد ذكر أن الإسلام كان ضعيفاً فتقوى بما يؤخذ من جزيتهم . و منها : ظهور عزه بذلهم ، إلى غير ذلك مما قد قيل .
و وقع لي فيه معنى عجيب ، و هو أن وجودهم و تعبدهم و حفظهم شرع نبيهم صلى الله عليه و سلم دليل على أنه قد كان أنبياء و شرائع .
و أن نبينا صلى الله عليه و سلم ليس ببدع من الرسل ، فقد اجتمعت الجن و هم على إثبات صانع ، و إقرار برسل ، فبان أننا ما ابتدعنا ما لم يكن .
و هم يصبرون على باطلهم ، و يؤدون الجزية ، فكيف لا نصبر على حق ، و الدولة لنا و في بقائهم احترام لما كان صحيحاً من الدين و ليرجع متبصر ، و ليستعمل مفكر .



· فصل : ما يجب على العالم


قد ثبت بالدليل شرف العلم و فضله ، إلا أن طلاب العلم افترقوا ، فكل تدعوه نفسه إلى شيء .
فمنهم من أذهب عمره في القراءات ، و ذلك تفريط في العمر ، لأنه إنما ينبغي أن يعتمد على المشهور منها لا على الشاذ .
ما أقبح القارىء يسأل عن مسألة في الفقه و هو لا يدري . و ليس ما شغله عن ذلك إلا كثرة الطرق في روايات القراءات .
و منهم من يتشاغل بالنحو و علله فحسب ، و منهم من يتشاغل باللغة فحسب . و منهم من يكتب الحديث ، و يكثر و لا ينظر في فهم ما كتب .
و قد رأينا في مشايخنا المحدثين من كان يسأل عن مسألة في الصلاة فلا يدري ما يقول .
و كذلك القراء ، و كذلك أهل اللغة و النحو .
و حدثني عبد الرحمن بن عيسى الفقيه ، قال : حدثني ابن المنصوري ، قال : حضرنا مع أبي محمد بن الخشاب ، و كان إمام الناس في النحو و اللغة ، فتذاكروا الفقه فقال : [ سلوني عما شئتم ] ، فقال له رجل : إن قيل لنا رفع اليدين في الصلاة ما هو فماذا نقول ؟ فقال : [ هو ركن ] ! فدهشت الجماعة من قلة فقهه .
و إنما ينبغي للعاقل أن يأخذ من كل علم طرفاً يهتم بالفقه .
ثم ينظر في مقصود العلوم ، و هو المعاملة لله سبحانه ، و المعرفة به ، و الحب له .
و ما أبله من يقطع عمره في معرفة علم النجوم ، و إنما ينبغي أن يعرف من ذلك اليسير و المنازل لعلم الأوقات ، فأما النظر فيما يدعى أنه القضاء و الحكم فجهل محض لأنه لا سبيل إلى علم ذلك حقيقة و قد جرب فبان جهل مدعيه .
و قد تقع الإصابة في وقت . و على تقدير الإصابة لا فائدة فيه إلا تعجيل الغم .
فإن قال قائل : يمكن دفع ذلك فقد سلم أنه لا حقيقة له .
و أبله من هؤلاء من يتشاغل بعلم الكيميا فإنه هذيان فارغ . و إذا كان لا يتصور قلب الذهب نحاساً لم يتصور قلب النحاس ذهباً .
فإنما فاعل هذا مستحل للتدليس على الناس في النقود . هذا إذا صح له مراده .
و ينبغي لطالب العلم أن يصحح قصده ، إذ فقدان الإخلاص يمنع قبول الأعمال .
و ليجتهد في مجالسة العلماء ، و النظر في الأقوال المختلفة ، و تحصيل الكتب ، فلا يخلو كتاب من فائدة .
و ليجعل همته للحفظ ، و لا ينظر و لا يكتب إلا وقت التعب من الحفظ .
و لحيذر صحبة السلطان ، و لينظر في منهاج الرسول صلى الله عليه و سلم و الصحابة و التابعين ، و ليجتهد في رياضة نفسه و العمل بعلمه ، و من تولاه الحق وفقه .



· فصل : عناد الكافرين


طال تعجبي من أقوام لهم أنفة ، و عندهم كبر زائدة في الحد .
خصوصاً العرب الذين من كلمة ينفرون ، و يحاربون ، و يرضون بالقتل حتى إن قوماً منهم أدركوا الإسلام فقالوا : كيف نركع و نسجد فتعلونا أستاهنا ؟
فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : لا خير في دين ليس في ركوع و لا سجود .
و قد كان قوم يعبدون الخيل و البقر ، و إن هؤلاء لأخس من إبليس ، أنف لإدعائه الكمال أن يسجد لناقص فقال : أنا خير منه و فرعون أنف أن يعبد شيئاً أصلاً .
فالعجب ذل هؤلاء المفتخرين المتعاظمين المتكبرين لحجر أو خشبة .
و إنما ينبغي أن يذل الناقص للكاملين . و قد أشير إلى هذا في ذم الأصنام في قوله تعالى : ألهم أرجل يمشون بها ، أم لهم أيد يبطشون بها ، أم لهم أعين يبصرون بها .
و المعنى : أنتم لكم هذه الآلات المدركة و هم ليس لهم فكيف بعد الكامل الناقص ؟
غير أن هوى القوم في متابعة الأسلاف ، و استحلاء ما اخترعوه بآرائهم ، غطى على العقول ، فلم تتأمل حقائق الأمور .
ثم غطى الحسد على أقوام فتركوا الحق و قد عرفوه .
فأمية بن أبي الصلت ، يقر برسول الله صلى الله عليه و سلم ، و يقصده ليؤمن به ، ثم يعود فيقول : لا أؤمن برسول ليس من ثقيف .
و أبو جهل يقول : و الله ما كذب محمد قط ، و لكن إذا كانت السدانة و الحجابة في بني هاسم ثم النبوة فما بقي لنا ؟
و أبو طالب يرى المعجزات و يقول : إن لأعلم أنك على الحق و لولا أن تعيرني نساء قريش لأقررت بها عينك .
فتعوذ بالله من ظلمة حسد ، و غيابة كبر ، و حماقة هوى يغطي على نور العقل .
و نسأله إلهام الرشد ، و العمل بمقتضى الحق .



· فصل : لا يجعل في قلبك اعتراض


قد سمعنا بجماعة من الصالحين عاملوا الله عز وجل على طريق السلامة و المحبة و اللطف فعاملهم كذلك ، لأنهم لا يحتمل طبعهم غير ذلك .
ففي الأوائل برخ العابد خرج يستسقي فقال : مناجياً الله ما هذا الذي لا نعرفه منك .
اسقنا الساعة ، فسقوا .
و في الصحابة أنس بن النضر يقول : و الله لا تكسر سن الربيع ، فجرى الأمر كما قال : فقال النبي صلى الله عليه و سلم : إن من عباد الله من لو قسم على الله لأبره
و هؤلاء قوم غلب عليهم ملاحظة اللطف و الرفق ، فلطف بهم ، و أجروا على ما أعتقدوا .
و هناك أعلى من هؤلاء يسألون فلا يجابون ، و هم بالمنع راضون .
ليس لأحدهم انبساط ، بل قد قيدهم الخوف ، و نكس رؤوسهم الحذر ، و لم يروا ألسنتهم أهلاً للانبساط ، فغاية آمالهم العفو .
فإن انبسط أحدهم بسؤال فلم ير الإجابة عاد على نفسه بالتوبيخ ، فقال : مثلك لا يجاب ، و ربما قال : لعل المصلحة في منعي .
و هؤلاء الرجال حقاً ، الأبله الذي يرى له من الحق أن يجاب ، فإن لم يجب تذمر في باطنه ، كأنه يطلب أجرة عمله ، و كأنه قد نفع الخالق بعبادته .
و إنما العبد حقاً من يرضى ما يفعله الخالق .
فإن سأل فأجيب ، رأى ذلك فضلاً .
و إن منع رأى تصرف مالك ، فلم يجعل في قلبه إعتراض بحال .



· فصل : الله يغفر للجاهل قبل العالم


رأيت جماعة من العلماء يتفسحون و يظنون أن العلم يدفع عنهم ، و ما يدرون أن العلم خصمهم ، و أنه يغفر للجاهل سبعون ذنباً قبل أن يغفر للعالم ذنب .
و ذاك لأن الجاهل لم يتعرض بالحق ، و العالم لم يتأدب معه .
و رأيت بعض القوم يقول : أنا قد ألقيت منجلي بين الحصادين و نمت . ثم كان يتفسح في أشياء لا تجوز .
فتفكرت فإذا العلم الذي هو معرفة الحقائق ، و النظر في سير القدماء ، و التأدب بآداب القوم ، و معرفة الحق و ما يجب له ، ليس عند القوم .
و إنما عندهم صور ألفاظ يعرفون بها ما يحل و ما يحرم ، و ليس ذلك . العلم النافع .
إنما العلم فهم الأصول و معرفة المعبود و عظمته و ما يستحقه ، و النظر في سير الرسول صلى الله عليه و سلم و صحابته ، و التأدب بآدابهم ، و فهم ما نقل عنهم ، هو العلم النافع الذي يدع أعظم العلماء أحقر عند نفسه من أجهل الجهال و رأيت بعض من تعبد مدة ثم فتر ، فبلغني أنه قال : قد عبدته عبادة ما عبده بها أحد ، و الآن قد ضعفت .
فقلت : ما أخوفني أن تكون كلمته هذه سبباً لرد الكل .
لأنه قد رأى أنه عمل مع الحق شيئاً ، و إنما وقف يسأل النجاة بطلب الدرجات ، ففي حق نفسه فعل .
و ما مثله إلا كمثل من وقف يكدي ، فما ينبغي أن يمن على المعطي .
و إنما سبب هذا الإنبساط الجهل بالحقائق ، و أين هو من كبار العلماء المعاملة الذين كان فيهم مثل صلة بن أشيم إذا رآه السبع هرب منه و هو يقول إذا انقضى الليل عند صلاته : يا رب أجرني من النار . أو مثلي يسأل الجنة ؟ .
و أبلغ من ذا قول عمر : وددت أن أنجو كفافاً لا لي و لا علي .
و قول سفيان عند موته لحماد بن سلمة : [ أترجو لمثلي أن ينجو من النار ] ؟ . و قول أحمد : لا بعد .
فأنا أحمد الله عز وجل إذا تخلصت من جهل المتسمين بالعلم من هؤلاء الذين ذممتهم . و بالزهد من هؤلاء الذين عبتهم ، فإن قد اطلعت من عظمة الخالق و سير المحققين على ما يخرس لسان الإنبساط ، و يمحو النظر إلى كل فعل .
و كيف أنظر إلى فعلي المستحسن ، و هو الذي وهبه لي و أطلعني على ما خفى عن غيري .
فهل حصل ذلك بي أو بلطفه ؟ و كيف أشكر توفيقي الشكر !
ثم أي عالم إذا سبر أمور العلماء من القدماء لا يحتقر نفسه ؟
هذا في صورة العلم ، فدع معناه .
و أي عابد يسمع بالعباد و لا يجري في صورة التعبد ، فدع المعنى .
نسأل الله عز وجل معرفة تعرفنا أقدارنا ، حتى لا يبقى للعجب بمحتقر ما عندنا أثر في قلوبنا . و ترغب إليه في معرفة لعظمته تخرس الألسن أن تنطق بالإذلال .
و نرجو من فضله توفيقاً نلاحظ به آفات الأعمال التي بها نزهو حتى تثمر الملاحظة لعيوبها الخجل من وجودها ، إنه قريب مجيب .



· فصل : و إن الآخرة هي دار القرار


سبب تنغيص العيش فوات الحظوظ العاجلة . و ليس في الدنيا طيب عيش على الدوام إلا للعارف الذي شغله رضى حبيبه و التزود للرحيل إليه .
فإنه إن وجد راحة في الدنيا استعان بها على طلب الآخرة .
وإن وجد شدة اغتنم الصبر عليها لثواب الآخرة ، فهو راض بكل ما يجري عليه .
يرى ذلك من قضاء الخالق ، و يعلم أنه مراده ، كما قال قائلهم :
إن كان رضاكم في سهري فسلام الله على و سني
فأما من طلب حظه فإنه يقلق لفوات مراده ، و يتنغص لبعد ما يشتهي . فلو إفتقر تغير قلبه ، و لو ذلك تغير ، و هذا لأنه قائم مع غرضه و هواه .
و ما أحسن قول الحصري : إيش علي مني ، و إيش لي في ؟
و هذا كلام عارف ، لأنه إن كان ينظر إلى حقيقة الملكية ، فعبد يتصرف فيه مولاه .
فاعتراضه لا وجه له ، و إرادته أن يقع ما يجب فضول في البين .
و إن نظر أن النفس كالملك له فقد خرجت عن يده من يوم إن الله اشترى .
أفيحسن لمن باع شاة أن يغضب على المشتري إذا ذبحها أو يتغير قلبه ؟
و الله لو قال المالك سبحانه : إنما خلقتكم ليستدل على وجودي ، ثم أنا أفنيكم و لا إعادة .
لكان يجب على النفوس العارفة به أن تقول سمعاً لما قلت و طاعة .
و أي شيء لنا فينا حتى نتكلم .
فكيف و قد وعد بالأجر الجزيل ، و الخلود في النعيم ، الذي لا ينفد . لكن طريق الوصول تحتاج إلى صبر على المشقة و ما يبقى لتعب رمل زرود أثر إذا لاح الحرم .
فالصبر الصبر يا أقدام المبتدئين ، لاح المنزل . و السرور يا متوسطين ، ضرب الخيم . و الفرح الكامل يا عارفين ، قد تلقيتم بالبشائر .
زالت و الله أثقال المعاملات عنكم ، فكانت معرفتكم بالمبتلي حلاوة أعقبت شربة المجاهدة ، فلم يبق في الفم للمر أثر .
تخايلوا قرب المناجاة و لذة الحضور . و دوار كؤوس الرضى عنكم فقد أخذت شمس الدنيا في الأفوال :
ما بيننا له إلا تصر م هذه السبع البواقي
حتى يطول حديثنا بصنوف ما كنا نلاقي



· فصل : الدنيا لم تخلق للتنعيم


تفكرت في قول شيبان الراعي لسفيان : يا سفيان عد منع الله إياك عطاء منة لك ، فإنه لم يمنعك بخلاً ، إنما منعك لطفاً . فرأيته كلام من قد عرف الحقائق .
فإن الإنسان قد يريد المستحسنات الفائقات فلا يقدر و عجزه أصلح له ، لأنه لو قدر عليهن تشتت قلبه ، إما بحفظهن ، أو بالكسب عليهن .
فإن قوي عشقه لهن ضاع عمره و انقلب هم الآخرة إلى الإهتمام بهن . فإن لم يردنه فذاك الهلاك الأكبر . و إن طلبن نفقة لم يطقها كان سبب ذهاب مروءته و هلاك عرضه . و إن أردن الوطء و هو عاجز فربما أهلكنه أو فجرن . و إن مات معشوقه هلك هو أسفاً . فالذي يطلب الفائق ، يطلب سكيناً لذبحه و ما يعلم .
و كذلك إنقاذ قدر القوت فإنه نعمة ، و في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً .
و متى كثر تشتت الهمم ، فالعاقل من علم أن الدنيا لم تخلق للتنعيم ، فقنع بدفع الوقت على كل حال .



· فصل : افتح عين الفكر في ضوء العبر


رأيت جماعة من الخلق يتعللون بالأقدار ، فيقول قائلهم : إن وقفت فعلت ، و هذا تعلل بادر ، و دفع للأمر بالراح .
و هو يشير إلى رد أقوال الأنبياء و الشرائع جميعها .
فإنه لو قال كافر للرسول : إن وفقتني أسلمت . لم يجبه إلا بضرب العنق .
و هذا جنس قول الناس لعلي رضي الله عنه : ندعوك إلى كتاب الله ، فقال : كلمة حق أريد بها باطل .
و كذلك قول الممتنعين عن الصدقة أنطعم من لو يشاء الله أطعمه .
و لعمري إن التوفيق أصل الفعل ، و لكن التوفيق أرم خفي . و الخطاب بالفعل أمر جلي .
فلا ينبغي أن يتشاغل عن الجلي بذكر الخفي .
و مما يقطع هذا الإحتجاج أن يقال لهذا القائل : إن الله سبحانه لم يكلفك شيئاً إلا و عندك أدوات ذلك الفعل ، و لك قدرة عليه .
فإن كانت القدرة عليه معدومة و الأدوات غير محلصة فلا أمر و لا تكليف ، و إن كنت تسعى بتلك الأدوات في تحصيل غرضك و هوالك ، فاسع بها في إقامة مفروضك .
مثل ذلك : أنك تسافر في طلب الربح ، و تسأل الحج فلا تفعل ، و يثقل عليك الإنتباه بالليل . فلو أردت الخروج إلى العيد انتبهت سحراً .
و تقف في بعض أغراضك مع صديق تحادثت ساعات ، فإذا وقفت في الصلاة استعجلت و ثقل عليك .
فإياك إياك أن تتعلق بأمر لا حجة لك فيه . ثم من نصيبك ينقص ، و من حظك يضيع ، فإنما تحرك لك ، و إنما تحرض لنفعك ، فبار فإنك مبادر بك .
و مما يزيل كسلك ـ إن تأملته ـ أن تتخايل ثواب المجتهدين و قد فاتك .
و يكفي ذلك في توبيخ المقصر إن كانت له نفس . فأما الميت الهمة ، فما لجرح بميت إيلام .
كيف بك إذا قمت من قبرك و قد قربت نجائب النجاة لأقوام و تعثرت ، و أسرعت أقدام الصالحين على الصراط و تخبطت ؟
هيهات ، ذهبت حلاوة البطالة ، و بقيت مرارة الأسف ، و نضب ماء كأس الكسل ، و بقي رسوب الندامة !
ما قدر البقاء في الدنيا بالإضافة إلى دوام الآخرة ؟
ثم ما قدر عمرك في الدنيا و نصفه نوم ، و باقية غفلة ؟
فيا خاطباً حرر الجنة و هو لا يملك فلساً من عزيمة ، افتح عين الفكر في ضوء العبر ، لعلك تبصر مواقع خطابك .
فإن رأيت تثبيطاً من الباطن فاستغث بعون اللطف ، و تنبه في الأسحار لعلك تتلمح ركب الأرباح ، و تعلق على قطار المستغفرين و لو خطوات ، و انزل في رباع المجتهدين و لو منزلاً أي منزل .



· فصل : بدع أدخلت على الدين


نظرت في قول أبي الدرداء رضي الله عنه : ما أعرف شيئاً مما كنا عليه اليوم إلا القبلة .
فقلت : و اعجباً ، كيف لو رآنا اليوم و ما معنا من الشريعة إلا الرسم ؟
الشريعة هي الطريق . و إنما تعرف شريعة رسول الله صلى الله عليه و سلم إما بأفعاله أو أقواله .
و سبب الانحراف عن طريقه صلى الله عليه و سلم : إما الجهل بها ، فيجري الإنسان مع الطبق و العادات ، و ربما اتخذ ما يضاد الشريعة طريقاً ، و قد كانت الصحابة شاهدته و سمعت منه فقل أن ينحرف أحد منهم عن جادته إلا أن أبا الدرداء رضي الله عنه رأى بعض الإنحراف لميل الطباع فضج فإنه قد يعرف الإنسان الصواب ، غير أن طبعه يميل عنه .
و ما زالت الأحاديث المنقولة عن الرسول صلى الله عليه و سلم و أصحابه رضي الله عنهم يقل الإسعاد بها و النظر فيها إلى أن أعرض عنها بالكلية في زماننا هذا وجهلت إلا النادر ، و اتخذت طرائق تضاد الشريعة ، و صارت عادات ، و كانت أسهل عند الخلق من اتباع الشريعة .
و إذا كان عامة من ينسب إلى العلم قد أعراض عن علوم الشريعة فكيف العوام ؟ و لما أعرض كثير من العلماء عن المنقولات ابتدعوا في الأصول و الفروع .
فالأصوليون تشاغلوا بالكلام و أخذوه من الفلاسفة و علماء المنطق .
و دخلت أيدي الفروعيين في ذلك فتشاغلوا بالجدل ، و تركوا الحديث الذي يدور عليه الحكم .
ثم رأى القصاص أن النفاق بالنفاق ، فأقبل قوم منهم على التلبيس بالزهد ، و مقصودهم الدنيا .
و رأى جمهورهم أن القلوب تميل إلى الأغاني ، فأحضروا المطربين من القراء و أنشدوا أشعار الغزل ، و تركوا الإشتغال بالحديث ، و لم يلتفتوا إلى نهي العوام عن الربا و الزنا ، و أمرهم بأداء الواجبات .
و صار متكلمهم يقطع المجلس بذكر ليلى و المجنون و الطور و موسى و أبي يزيد و الحلاج ، و الهذيان الذي لا محصول له .
و انفرد أقوام بالتزهد و الانقطاع ، فامتنعوا عن عيادة المرضى ، و المشي بين الناس ، وأظهروا التخاشع ، و وضعوا كتباً للرياضيات ، و التقلل من الطعام . و صارت الشريعة عندهم كلام أبي يزيد و الشبلي و المتصوفة .
و معلوم أن من سبر الشريعة لم ير فيها من ذاك شيئاً .
أما الأمراء فجروا مع العادات ، و سموا ما يفعلونه من القتل و القطع سياسات لم يعملوا فيها بمقتضى الشريعة ، و تبع الأخير في ذلك المتقدم .
فأين الشريعة المحمدية ؟ و من أين تعرف مع الإعراض عن المنقولات ؟
نسأل الله عز وجل التوفيق للقيام بالشريعة ، و الإعانة على رد البدع إنه قادر .



· فصل : ليس في الدنيا حقيقة لذة


كنت أسمع علي بن الحسين الواعظ يقول على المنبر : [ و الله لقد بكيت البارحة من يدي نفسي ] .
فبقيت أنا أتفكر و أقول : أي شيء قد فعلت نفس هذا حتى يبكي ؟
هذا رجل متنعم له الجواري التركيات . و قد بلغني أنه تزوج في السر بجملة من النساء و لا يطعم إلا الغاية من الدجاج و الحلوى .
و له الدخل الكثير ، و المال الوافر ، و الجاه العريض و الأفضال على الناس .
و قد حصل طرفاً من العلم ، و استعبد كثيراً من العلماء بمعروفه ، و راحته دائمة الندى . فما الذي يبكيه ؟
فتفكرت فعلمت أن النفس لا تقف عند حد بل تروم من اللذات ما لا منتهى له ، كلما حصل لها غرض برد عندها و طلبت سواه ، فيفنى العمر ، و يضعف البدن ، و يقع النقص ، و يرق الجاه ، و لا يحصل المراد .
و ليس في الدنيا أبله ممن يطلب النهاية في لذات الدنيا ، و ليس في الدنيا ، على الحقيقة لذة ، إنما هي راحة من مؤلم .
فالسعيد من إذا حصلت له امرأة أو جارية فمال إليها و مالت إليه ، و علم سترها و دينها ، أن يعقد الخنصر على صحبتها .
و أكثر أسباب دوام محبتها ألا يطلق بصره ، فمتى أطلق بصره أو أطمع نفسه في غيرها ، فإن الطمع في الجديد ينغص الخلق و ينقص المخالطة ، و يستر عيوب الخارج ، فتميل النفس إلى المشاهد الغريب ، و يتكدر العيش مع الحاضر القريب ، كما قال الشاعر :
و المرء ما دام ذا عين يقلبها في أعين الحور موقوف على الخطر
يسر مقلته ما ضر مهجته لا مرحباً بسرور عاد بالضرر
ثم تصير الثانية كالأولى ، و تطلب النفس ثالثة و ليس لهذا آخر ، بل الغض عن المشتهيات ، و يأس النفوس من طلب المستحسنات ، يطيب العيش مع المعاشر .
و من لم يقبل هذا النصح تعثر في طرق الهوى و هلك على البارد ، و ربما سعى لنفسه في الهلاك العاجل ، أو في العار الحاضر ، فإن كثيراً من المستحسنات لسن بصينات و لا يفي التمتع بهن بالعار الحاصل .
و منهن المبذرات في المال ، و منهن المبغضة للزوج و هو يحبها كعابد صنم .
و أبله البله الشيخ الذي يطلب صبيه ... و لعمري إن كمال المتعة إنما يكون بالصبا ، كما قال القائل :
فقلت بنفسي النساء الصغار
و متى تكن الصبية بالغة لم يكمل الاستمتاع ، فإذا بلغت أرادت كثرة الجماع ، و الشيخ لا يقدر .
فإن حمل على نفسه لم يبلغ مرادها ، و هلك سريعاً .
و لا ينبغي أن يغتر بشهوته الجماع ، فإن شهوته كالفجر الكاذب .
و قد رأينا شيخنا اشترى جارية فبات معها فانقلب عنها ميتاً .
و كان في المارستان شاب قد بقى شهرين بالقيام ، فدخلت عليه زوجته فوطئها فانقلب عنها ميتاً .
فبان أن النفس باقية بما عندها من الدم ، و المنى ، فإذا فرغا و لم تجد ما تعتمد عليه ذهبت .
و إن قنع الشيخ بالاستمتاع من غير وطء فهي لا تقنع فتصير كالعدو له .
فربما غلبها الهوى ففجرت أو احتالت على قتله ، خصوصاً الجواري اللواتي أغلبهن قد جئن من بلاد الشرك ، ففيهن قسوة القلب .
و قبيح بمن عبر الستين أن يتعرض بكثرة النساء ، فإن اتفق معه صاحبة دين قبل ذلك فليرع لها معاشرتها و ليتم نقصه عندها تارة بالإنفاق ، و تارة بحسن الخلق .
و ليزد في تعريفها أحوال الصالحات و الزهدات ، و ليكثر من ذكر القيامة و ذم الدنيا و ليعرض بذكر محبة العرب ، فإنهم كانوا يعشقون و لا يرون وطء المعشوق ، كما قال قائلهم :
إنما الحب قبلة و غمز كف و عضد
إنما العشق هكذا إن نكبح الحب فسد
فإن قدر أن يشغلها بحمل ، أو ولد عرقلها به ، فاستبقى قوته في مدة اشتغالتها بذلك .
فإن وطىء فليصبر عن الإنزال حفظاً لقوته و قضاء لحقها .
و قد قيل لبشر : لم لم تتزوج ؟ فقال : على ماذا أغر مسلمة ، و قد قال الله عز وجل : و لهن مثل الذي عليهن بالمعروف .
و المسكين من دخل في أمر لم يتلمح عواقبه قبل الدخول ، و رأى حبة الفخ فبادر طالباً لها ناسياً تعرقل الجناح و الذبح .
مجموع ما قد بسطته حفظ البصر عن الإطلاق ، و يأس النفس عن التحصيل ، قنوعاً بالحاصل ، خصوصاً من قد علت سنه ، و علم أن الصبية عدوة له متمنية هلاكه ، و هو يربيها لغيره .
و في بعض ما ذكرته ما يردع العاقل عن التعرض لهذه الآفات . نسأل الله عز وجل توفيقاً من فضله و عملاً بمقتضى العقل و الشرع ، إنه مجيب قريب .



· فصل : لا تغتر بالسلامة و انشد الإصلاح


أعجب الأشياء اغترار الإنسان بالسلامة ، و تأميله الإصلاح فيما بعد و ليس لهذا الأمل منهى ، و لا للاغترار حد .
فكلما أصبح و أمسى معافى ، زاد الاغترار و طال الأمل .
و أي موعظة أبلغ من أن ترى ديار الأقران و أحوال الإخوان و قبور المحبوبين ، فتعلم أنك بعد أيام مثلهم ، ثم لا يقع انتباه حتى ينتبه الغير بك ، هذا و الله شأن الحمقى .
حاشا من له عقل أن يسلك هذا المسلك .
بلى و الله إن العاقل ليبادر السلامة ، فيدخر من زمنها للزمن ، و يتزود عند القدرة على الزاد لوقت العسرة .
خصوصاً لمن قد علم أن مراتب الآخرة إنما تعلو بمقدار علو العمل لها ، و أن التدارك بعد الفوت لا يمكن .
و قدر أن العاصي عفى عنه ، أينال مراتب العمال ؟
و من أجال على خاطرة ذكر الجنة التي لا موت فيها و لا مرض و لا نوم و لا غم ، بل لذاتها متصلة من غير انقطاع ، و زيادتها على قدر زيادة الجد ههنا ، انتهب هذا الزمان فلم ينم إلا ضرورة ، و لم يغفل عن عمارة لحظة .
و من رأى أن ذنباً قد مضت لذته و بقيت آفاته دائمة ، كفاه ذلك زاجراً عن مثله ، خصوصاً الذنوب التي تتصل آثارها مثل أن يزني بذات زوج ، فتحمل منه فتلحق بالزوج فيمنع الميراث أهله و يأخذ من ليس من أهل ، و تتغير الأنساب و الفرش ، و يتصل ذلك أبداً ، و كله شؤم لحظة .
فنسأل الله عز وجل توفيقاً يلهم الرشادة ، و يمنع الفساد ، إنه قريب مجيب .



· فصل : قياس الغائبات على الحاضر تخليط للعقيدة


تأملت سبب تخليط العقائد ، فإذا هو الميل إلى الحس و قياس الغائبات على الحاضر فإن أقواماً غلب عليهم الحس ، فلما لم يشاهدوا الصانع جحدوا وجوده و نسوا أنه قد ظهر بأفعاله . و أن هذه الأفعال لا بد لها من فاعل .
فإن العاقل إذا مر على صحراء خالية ثم عاد و فيها غرس و بناء علم أنه لا بد من غارس ، إذ الغرس لا يكون و لا البناء .
ثم جاء قوم فأثبتوا وجود الصانع ، ثم قاسوه على أحوالهم فشبهوا ، حتى إن قائلهم يقول : في قوله : ينزل إلى السماء : ينتقل ، و يستدل بأن العرب لا تعرف النزول إلا الانتقال .
و ضل خلق كثير في صفاته كما ضل خلق في ذاته . فظن أقوام أنه يتأثر حين سمعوا أنه يغضب و يرضى و نسوا أن صفته تعالى قديمة لا يحدث منها شيء .
و ضل خلق في أفعاله فأخذوا يعللون فلم يقنعوا بشيء فخرج منهم قوم إلى أن نسبوا فعله إلى ضد الحكمة ، تعالى عن ذلك .
و من رزق التوفيق فليحضر قلبه لما أقول :
إعلم أن ذاته سبحانه لا تشبه الذوات ، و صفاته ليست كالصفات ، و أفعاله لا تقاس بأفعال الخلق .
أما ذاته سبحانه فإنا لا نعرف ذاتاً إلا أن تكون جسماً و ذاك يستدعي سابقة تأليف ، و هو منزه عن ذلك ، لأنه للمؤلف ، أو أن يكون جوهراً فالجوهر متحيز ، و له أمثال ، و قد جل عن ذلك ، أو عرضاً ، فالعرض لا يقوم بنفسه بل بغيره ، و قد تعالى على ذلك .
فإذا أثبتنا ذاتاً قديمة خارجة عما يعرف ، فليعلم أن الصفات تابعة لتلك الذات ، فلا يجوز لنا أن نقيس شيئاً منها على ما نفعله و نفهمه ، بل نؤمن به و نسلم به .
و كذلك أفعاله ، فإن أحدنا لو فعل فعلاً لا يجتلب به نفعاً و لا يدفع عنه ضراً عد عابثاً . و هو سبحانه أوجد الخلق لا لنفع يعود إليه ، و لا لرفع ضر ، إذ المنافع لا تصل إليه ، و المضار لا تتطرق عليه .
فإن قال قائل : إنما خلق الخلق لينفعهم . قلنا : يبطله ، أنه خلق خلقاً منهم للكفر و عذبهم و نراه يؤلم الحيوان و الأطفال و هو قادر على ألا يفعل ذلك .
فإن قال قائل : إنه يثيب على ذلك .
قلنا : و هو قادر أن يثيب بلا هذه الأشياء ، فإن السلطان لو أراد أن يغني فقيراً فجرحه ثم أغناه ليم على ذلك ، لأنه قادر أنه يغنيه بلا جراح .
ثم من يرى ما جرى لرسول الله صلى الله عليه و سلم و على أصحابه من الجوع و القتل مع قدرة الناصر ، ثم يسأل في أمه فلا يجاب ، و لو كان المسؤول بعضنا قلنا لم تمنع ما لا يضرك .
غير أن الحق سبحانه لا تقاس أفعاله على أفعالنا و لا تعلل .
الذي يوجب علينا التسليم ، أن حكمته فوق العقل ، فهي تقضي على العقول ، و العقول لا تقضي عليها .
و من قاس فعله على أفعالنا غلط الغلط الفاحش ، وإنما هلكت المعتزلة من هذا الفن .
فإنهم قالوا : كيف يأمر بشيء و يقضي بامتناعه ؟ و لو أن إنساناً دعانا إلى داره ثم أقام من يصد الداخل لعيب .
و لقد صدقوا فيما يتلعق بالشاهد . فأمل من أفعاله لا تعلل و لا تقاس بشاهد ، فإنا لا نصل إلى معركة حكمته .
فإن قال قائل : فكيف يمكنني أن أقود عقلي إلى ما ينافيه ؟
قلنا : لا منافاة ، لأن العقل قد قطع بالدليل الجلي أنه حكيم ، و أنه مالك ، و الحكيم لا يفعل شيئاً إلا لحكمة ، غير أن تلك الحكمة ، لا يبلغها العقل .
ألا ترى أن الخضر خرق سفينة و قتل شخصاً ، فأنكر عليه موسى عليهما السلام بحكم العلم ، و لم يطلع على حكمه فعله، فلما أزهر له الحكمة أذعن ؟
و لله المثل الأعلى .
فإياك أن تقيس من أفعاله شيئاً من أفعاله على أفعال الخلق ، أو شيئاً من صفاته سبحانه و تعالى . فإنك إن حفظت هذا سلمت من التشبيه الذي وقع فيه من رأى الاستواء اعتماداً ، و النزول نقله ، و نجوت من الاعتراض الذي أخرج قوماً إلى الكفر حتى طعنوا في الحكمة .
و أول القوم إبليس . فإنه رأى تقديم الطين على النار ليس بحكمة، فنسى أنه إنما علم ذلك بزعمه بالفهم الذي وهب له ، و العقل الذي منحه فنسى أن الواهب أعلم أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة .
و لقد رأيت لابن الرومي اعتراضاً على من يقول بتخليد الكفار في النار قال : إن ذلك التأبيد مزيداً من الإنتقام ينكره العقل ، و ينبغي أن يقبل كل ما يقوله العقل ، و لا يرد بعضه إذ ليس رد بعضه بأولى من رد الكل ، و تخليد الكفار لا غرض فيه للمعذب و لا للمعذب فلا يجوز أن يكون .
فقلت : العجب من الذي يدعي وجود العقل و لا عقل عنده .
و أول ما أقول له : أصح عندك الخبر عن الخالق سبحانه أنه أخبر بخلود أهل النار أم لم يصح ؟
فإن كان ما صح عنه فالكلام إذن في إثبات النبوة و صحة القرآن .
فما وجه ذكر الفرع مع جحد الأصل ؟
و إن قال : قد ثبت عندي ، فواجب عليه أن يتمهل لإقامة العذر ، لا أن يقف في وجه المعارضة .
و إنما ينكر هذا من يأخذ الأمر من الشاهد ، و قد بينا أن ذات الحق لا كالذوات ، و أن صفته لا كالصفات ، و أن أفعاله لا تعلل .
و لو تلمح شيئاً من التعليل لخلود الكفار لبان ، إذ من الجائز أن يكون دوام تعذيبهم فظهار صدق الوعيد . فإنه قال : من كفر بي خلدته في العذاب و لا جناية كالكفر ، و لا عقوبة كدوام الإحتراق ، فهو يدوم ليظهر صدق الوعيد .
و من الجائز أن يكون ذلك لتتمة تنعيم المؤمنين فإنهم أعداء الكفار . و قد قال سبحانه : و يشف صدور قوم مؤمنين .
وكم من قلق في صدر ، و حنق على أبي جهل فيما فعل ، و كم من غم في قلب عمار و أمه سمية و غيرهم من أفعال الكفار بهم . فدوام عذابهم شفاء لقلوب أهل الإيمان .
ومن الجائز أن يدوم العذاب لدوام الاعتراض و ذكر المعذب بما لا يحسن فكلما زاد عذابهم زاد كفرهم و اعتراضهم فهم يعذبون لذلك .
و دليل كفرهم فيحلفون له كما يحلفون لكم فإذن كفرهم ما زال ، و معرفتهم به ما حصلت ، والشر كامن في البواطن ، و على ذلك يقع التعذيب و لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه .



· فصل : الرضى بتدبير الله


ينبغي للمؤمن بالله سبحانه إذا نظر في الفصل الذي قد تقدم هذا ألا يعترض على الله سبحانه في شيء لا في باطنه و لا في ظاهره ، و لا يطلب تعليلات أفعاله كلها .
فإن المتكليمن أعرضوا عن السنن و تكلموا بآرائهم ، فما صفى لهم شرب ، بدليل إختلافهم .
وكذلك إضمار القياس ، فإنهم لما أعلموه جاءت أحاديث تفكر عليهم .
و الصواب التعليل لما يمكن ، و التسليم لما يخفى .
و كذلك سؤال الحق سبحانه ، فإذا دعاه المؤمن و لم ير إجابة سلم و فوض و تأول للمنع .
فيقول : ربما يكون المنع أصلح ، و ربما يكون لأجل ذنوبي ، و ربما يكون التأخير أولى ، و ربما لم يكن هذا مصلحة .
و إذا لم يجد تاويلاً لم يختلج في باطنه نوع اعتراض ، بل يرى أنه قد تعبد بالدعاء فإن أنعم عليه فيفضلن و إن لم يحب فمالك يفعل ما يشاء .
على أن أكثر السؤال إنما يقع في طلب أغراض الدنيا التي إذا ردت كان أصلح .
فليكن هم العاقل في إقامة حق الحق و الرضى بتدبير و إن أساء . فمتى أقبلت عليه أقبل على إصلاح شأنك .
إذا عرفت أنه كريم فلذ به و لا تسأل . و متى أقبلت على طاعاته فمحال أن يجود صانع و ينصح في العمل ثم لا يعطي الأجرة .



· فصل : الجنة و درجاتها


و الله إني لأتخايل دخول الجنة و دوام الإقامة فيها من غير مرض و لا بصاق و لا نوم و لا آفة تطرأ بل صحة دائمة و أغراض متصلة لا يعترضها منغص ، في نعيم متجدد في كل لحظة ، إلى زيادة لا تتناهى . فأطيش و يكاد الطبع يضيق عن تصديق ذلك ، لو لا أن الشرع قد ضمنه .
معلوم أن تلك المنازل إنما تكون على قدر الإجتهاد ههنا . فوا عجباً من مضيع لحظة فيها .
فتسبيحه تغرس له في الجنة نخلة أكلها دائم و ظلها .
فيا أيها الخائف من فوت ذلك شجع قلبك بالرجاء .
و يا أيها المنزعج لذكر الموت تلمح ما بعد مرارة الشربة من العافية .
فإنه من ساعة خروج الروح ، لا بل قبل خروجها تنكشف المنازل لأصحابها فيكون سير المجذوب للذة المنتقل إليه .
ثم الأرواح في حواصل طير تعلق في أشجار الجنة .
فكل الآفات و المخالفات في نهار الأجل ، و قد إصفرت شمس العمر . فالبدار البدار قبل الغروب و لا معين يرافق على تلك الطريق إلا الفكر إذا جلس مع العقل فتذاكرا العواقب .
فإذا فرغ ذلك المجلس ، فالنظر في سير المجدين فإنه يعود مستجلباً للفكر منها للفضائل ، و التوفيق من وراء ذلك .
و متى أراك لشيء هيأك له .
فأما مخالطة الذين ليس عندهم خبر إلا من العاجلة فهو من أكبر أسباب مرض الفهم و علل العقل . و العزلة عن الشر حمية ، و الحمية سبب العافية .



· فصل : لا يجتمع حب الدنيا و حب الآخرة


رأيت سبب الهموم و الغموم الإعراض عن الله عز وجل ، و الإقبال على الدنيا .
و كلما فات منها شيء وقع الغم لفواته .
فأما من رزق معرفة الله تعالى استراح لأنه يستغني بالرضى بالقضاء ، فمهما قدر له رضي .
و إن دعا فلم ير أثر الإجابة لم يختلج في قلبه اعتراض ، لأنه مملوك مدبر فتكون همته في خدمة الخالق .
و من هذه صفته لا يؤثر جمع مال ، و لا مخالطة الخلق و لا الإلتذاذ بالشهوات .
لأنه إما أن يكون مقصراً في المعرفة فهو مقبل على التعبد المحض ، يزهد في الفاني لينال الباقي .
و إما أن يكون له ذوق في المعرفة ، فإنه مشغول عن الكل بصاحب الكل .
فتراه متأدباً في الخلوة به ، مستأنساً بمناجاته ، مستوحشاً من مخالطة خلقه راضياً بما يقدر له . فعيشه معه كعيش محب قد خلا بحبيبه ، لا يريد سواه ، و لا يهتم بغيره .
فأما من لم يرزق هذه الأشياء ، فإنه لا يزال في تنغيص متكدر العيش ،لأن الذي يطبه من الدنيا لا يقدر عليه ، فيبقى أبداً في الحسرات مع ما يفوته من الآخرة بسوء المعاملة .
نسأل الله عز وجل أن يستصلحنا له ، فإنه لا حول و لا قوة إلا به .



· فصل : ما العيش إلا في الجنة


تفكرت في نفسي فرأيتني مفلساً من كل شيء !
إن إعتمدت الزوجة لم تكن كما أريد . إن حسنت صورتها لم تكمل أخلاقها ، و إن تمت أخلاقها كانت مريدة لعرضها لا لي ، و لعلها تنتظر رحيلي .
و إن اعتمدت على الولد فكذلك ، و الخادم ، و المريد لي كذلك ، فإن لم يكن لهما مني فائدة لم يرداني .
و أما الصديق فليس ثم ، و أخ في الله كعنقاء مغرب ، و معارف يفقدون أهل الخير ، و يعتقدون فيهم قد عدموا ، و بقيت وحدي .
و عدت إلى نفسي ـ و هي لا تصفو إلي أيضاً و لا تقيم على حالة سليمة ـ فلم يبق إلا الخالق سبحانه ، فرأيت أني إن إعتمدت على إنعامه فما آمن ذلك البلاء ، و إن رجوت عفوه فما آمن عقوبته ، فوا أسفاً لا طمأنينة و لا قرار .
و آقلقي من قلقي ، و آحرقي من حرقي .
بالله ما العيش إلا في الجنة ، حيث يقع اليقين بالرضى ، و المعاشرة لمن لا يخون و لا يؤذي . فأما الدنيا فما هي دار ذاك .



· فصل : لا تثق بمودة لا أصل لها


ينبغي لمن صحب سلطاناً أو محتشماً أن يكون ظاهره معه و باطنه سواه ، فإنه قد يدس إليه من يخبره ، فربما افتضح في الابتلاء .
و قد كان جماعة من الملوك يقصدون تقريب المنادم ، و يجعلون له حجرة في دورهم ، فإذا أرادوا أن يختصوه اختبروه باطناً و ذاك لا يدري ، فيظهر منه ما لا يصلح فيطرد .
و لقد امتحن أبرويز رجلاً من خاصته ، فدس إليه جارية معها ألطاف ، و أمرها ألا تقعد عنده فحملها .
ثم أنفذها مرة أخرى و أمرها أن تقعد بعد التسليم هنيهة ففعلت ، فلاحظها
الرجل .
ثم بعثها مرة ثالثة و أمرها أن تطيل القعود عنده و تحدثه ، فأطالت الحديث معه ، فأبدى لها شيئاً من الميل إليها ، فقالت ، أخاف أن يطلع علينا ، و لكن دعني أدبر في هذا .
فذهبت فأخبرت الملك بذلك ، فوجه غيرها من خواص جواريه بمثل ذلك ، فلما جاءته قال : ما فعلت فلانة ؟ قالت : مريضة ، فاربد لونه .
ثم فعلت الجارية الثانية مثل ما فعلت الأولى ، فقالت له : إن الملك يمضي إلى بستانه فيقيم هناك .
فإن أرادك على أن تمضي معه فأظهر أنك عليل.
فإن خيرك بين الانصراف إلى دور نسائك ، أو المقام هنا ، فاختر المقام ههنا ، و أخبر أنك لا تقدر على الحركة .
فإن أجابك إلى ذلك جئت كل ليلة ما دام الملك غائباً ، فسكن إلى قولها ، ثم مضت و أخبرت الملك بذلك .
فلما كان بعد ثلاث ، إستدعاه الملك فقال : إني مريض . فعاد لرسول فأخبره فتبسم ، و قال : هذا أول الشر .
فوجه إليه محفة فيها إليه ، فلما بصر به أبرويز قال : و المحفة الشر الثاني .
فرأى العصابة على رأسه . قال : و العصابة الشر الثالث .
فقال له الملك : أيهما أحب إليك ، الانصراف إلى نسائك ليمرضنك أو المقام ههنا إلى وقت رجوعي ؟ قال : المقام ههنا أرفق لي لقلة الحركة ، فتبسم و قال : حركتك ههنا إن تركت أكثر من حركتك إلى منزلك .
ثم أمره له بعصا الزناة التي كان يوسم بها من زنا .
فأيقن الرجل بالأمر ، و أمر أن يكتب ما كان من أمره حرفاً حرفاً فيقرأ على الناس حرفاً حرفاً إذا حضروا ، و أن ينفي إلى أقصى الممكلة ، و تجعل العصا على رأس رمح يكون معه حيث كان ، ليحذر منه من لا يعرفه .
فلما نفي أخذ من بعض الموكلين مدية فجب بها ذكره و قال : و مات من ساعته .
قلت : و قد كان جماعة من الأمراء يتنكرون يسألون العوام عن سيرتهم ، فيتكلم العامي بما لا يصح فيضبطونه و ربما بعثوا دسيساً عليه .
و رب كلمات قالها مسترسل فبلغها فضولي فأهلكت صاحبها .
و رأى عمر بن عبد العزيز رجلاً من العمال كثير الصلاة ، فدس عليه من قال له : إن أخذت لك الولاية الفلانية فما تعطيني . قال : أعطيك كذا و كذا ، قال له عمر : غررتنا بصلاتك .
و قد بلغت أن رجلاً كلم امرأة فأجابته فإستدعيته إلى دارها فلما دخل أقامت على قتله .
فقد ينجلي من هذه الحكاية أنه لا ينبغي أن يسكن إلى قول امرأة أو رجل يجوز أنه يكون جاسوساً و مختبراً .
و كذلك لا يظهر ما ينبغي إخفاؤه من مال أو مذهب ، أو سب رجل ، فربما كان له في الحاضرين قريب .
و لا يوثق بمودة لا أصل لها ، فربما كانت تحتها آفة تقصده .
و ليحذر من كل أمر يحتمل . و رب كلمة نقلها صديق إلى صديق فتحدث بها من لا يقصد أذى للقائل فبلغت فتأذى .
و رب مظهر للمحبة مبالغ حتى يستمكن من مراده .
فالحذر الحذر من الطمأنينة إلى أحد ، خصوصاً من عدو آذيته أو قتلت له قريباً .
فربما أظهر الجميل شبكة لإصطيادك كحديث الزباء .

فصل : الحرص و الأمل آفتان

رأيت النفس بعد علو السن يقوى أملها و يزداد حرصها كما قال النبي صلى الله عليه و سلم : يشيب أبن آدم و تشيب منه خصلتان : الحرص و الأمل .
و رأيت أكثر أسباب ذلك فراغ اليد من الدنيا ، و كثرة العائلة ، قوة الحاجة .
فيحتاج الإنسان إلى التعرض بما يشين العرض ليحصل الغرض .
فقلت : إلهي أبعد رؤية جبال عرفة أضل ؟
و بعد مشارقة الحرم تأخذني أعراب البادية ؟ .
وا أسفا أيطلع فجر النحر و ما وصلت إلى عرفات ؟
و يا ضياع سفر العمر ، و ما حصل المقصود .
قد كنت أرجوك لنيل المنى و اليوم لا أطلب إلا الرضى
ثم قلت : يا نفس ما لك ملجأ إلا اللجأ و استغاثة الغريق .
فإن رحمت و إلا فكم من حسرة تحت التراب .
 فصل : اكبح جماع الرغبة يتبع ان شاء الله

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق