الأربعاء، 17 سبتمبر، 2014

2.كتاب صيد الخاطر^^

  1. فصل : أدعياء العلم
  2. عجبت من أقوام يدعون العلم ، و يميلون إلى التشبيه بحملهم الأحاديث على ظواهرها ، فلو أنهم أمروها كما جاءت سلموا ، لأن من أمر ما جاء و مر من غير اعتراض [ و لا تعرض ] ؟ فما قال شيئاً لا له و لا عليه .
  3. و لكن أقواماً قصرت علومهم ، فرأت أن حمل الكلام على غير ظاهرة نوع تعطيل ، و لو فهموا سعة اللغة لم يظنوا هذا .
  4. و ما هم إلا بمثابة قول الحجاج لكتابه و قد مدحته الخنساء فقالت :
  5. إذا هبط الحجاج أرضًا مريضة تتبع أقصى دائها فشفاها
  6. شفاها من الداء العضال الذي بها غلام إذا هز القناة شفاها
  7. فلما أتمت القصيدة ، قال لكاتبه : اقطع لسانها ، فجاء ذلك الكاتب المغفل بالموس .
  8. قالت له : و يلك إنما قال : أجزي لها العطاء .
  9. ثم ذهبت إلى الحجاج فقالت : كاد و الله يقطع مقولي .
  10. فكذلك الظاهرية الذين لم يسلموا بالتسليم ، فإنه من قرأ الآيات و الأحاديث و لم يزد ، ألمه ، و هذه طريقة السلف .
  11. فأما من قال : الحديث يقتضي كذا ، و يحمل على كذا ، مثل أن يقول : استوى على العرش بذاته ، ينزل إلى السماء الدنيا بذاته ، فهذه زيادة فهمها قائلة من الحس لا من النقل .
  12. و لقد عجبت لرجل أندلس يقال له ابن عبد البر ، صنف كتاب التمهيد ، فذكر فيه حديث النزول إلى السماء الدنيا فقال : هذا يدل على أن الله تعالى على العرش لأنه لو لا ذلك لما كان لقوله ينزل معنى .
  13. و هذا كلام جاهل بمعرفة الله عز وجل . لأن هذا استسلف من حسه ما يعرفه من نزول الجسام . فقاس صفة الحق عليه .
  14. فأين هؤلاء و اتباع الأثر ؟
  15. و لقد تكلموا بأقبح ما يتكلم به المتأولون ، ثم عابوا المتكلمين .
  16. و اعلم أيها الطالب للرشاد ، أنه سبق إلينا من العقل و النقل أصلان راسخان عليهما مر الأحاديث كلها .
  17. أما النقل فقوله سبحانه و تعالى : ليس كمثله شيء . و من فهم هذا لم يحمل وصفاً له على ما يوجبه الحس .
  18. و أما العقل ، فإنه قد علم مباينه الصانع للمصنوعات ، و استدل على حدوثها بتغيرها ، و دخول الإنفعال عليها ، فثبت له قدم الصانع .
  19. واعجباً كل العجب من راد لم يفهم طبيعة الكلام .
  20. أليس في الحديث الصحيح ، أن الموت يذبح بين الجنة و النار ؟
  21. أو ليس العقل إذا استغنى في هذا صرف الأمر عن حقيقته ؟
  22. لما ثبت عند من يفهم ما هية الموت .
  23. فقال : الموت عرض يوجب بطلان الحياة . فكيف يمات الموت ؟
  24. فإذا قيل له : فما تصنع بالحديث ؟
  25. قال : هذا ضرب مثلاً بإقامة صورة ليعلم بتلك الصورة الحسية فوات ذلك المعنى .
  26. قلنا له : فقد روى في الصحيح : [ تأتي البقرة و آل عمران كأنهما غمامتان ] ،
  27. فقال : الكلام لايكون غمامة ، و لا يتشبه بها .
  28. قلنا له أفتعطل النقل ؟ قال : لا ، و لكن يأتي ثوابهما .
  29. قلنا فما الدليل الصارف لك عن هذه الحقائق ؟
  30. فقال : علمي بأن الكلام لا يتشبه بالأجسام ، و الموت لا يذبح ذبح الأنعام . و لقد علمتم سعة لغة العرب .
  31. ما ضاقت أعطانكم من سماع مثل هذا .
  32. فقال العلماء : صدقت . هكذا نقول في تفسير مجيء البقرة ، و في ذبح الموت .
  33. فقال واعجباً لكم ، صرفتم عن الموت و الكلام ما لا يليق بهما ، حفظاً لما علمتم من حقائقهما فكيف لم تصرفوا عن الإله القديم ما يوجب التشبيه له بخلقه ، بما قددل الدليل على تنزيهه عنه ؟
  34. فما زال يجادل الخصوم بهذه الأدلة . و يقول : لا أقطع حتى أقطع ، فما قطع حتى قطع .
  35. · فصل : لم لم يواجه الله عباده بالرحم ؟
  36. تفكرت في السر الذي أوجب حذف آية الرجم من القرآن لفظاً ، مع ثبوت حكمها إجماعاً ، فوجدت لذلك معنيين :
  37. أحدهما : لطف الله تعالى بعباده في أنه لا يواجههم بأعظم المشاق ، بل ذكر الجلد ، و ستر الرجم ، و من هذا المعنى قال بعض العلماء : إن الله تعالى قال في المكروهات كتب عليكم الصيام ، على لفظ لم يسم فاعله و إن كان قد علم أنه هو الكاتب .
  38. فلما جاء إلى ما يوجب الراحة قال كتب ربكم على نفسه الرحمة .
  39. و الوجه الثاني : أنه يبين بذلك فضل الأمة في بذلها بالنفوس قنوعاً ببعض الأدلة .
  40. فإن الإتفاق لما وقع على ذلك الحكم كان دليلاً . إلا أنه ليس كالدليل المتفق لأجله .
  41. و من هذا الجنس شروع الخليل عليه الصلاة و السلام ، في ذبح ولده بمنام ، و إن كان الوحي في اليقظة آكد .
  42. · فصل : السبب و المسبب
  43. عرضت لي حالة لجأت فيها بقلبي إلى الله تعالى وحده ، عالماً بأنه لا يقدر على جلب نفعي و دفع ضري سواه .
  44. ثم قمت أتعرض بالأسباب ، فأنكر علي يقيني ، و قال : هذا قدح في التوكل .
  45. فقلت : ليس كذلك فإن الله تعالى وضعها من الحكم .
  46. و كان معنى حالي أن ما وضعت لا يفيد و إن وجوده كالعدم .
  47. و ما زالت الأسباب في الشرع كقوله تعالى : و إذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك و ليأخذوا أسلحتهم .
  48. و قال تعالى : فذروه في سنبله .
  49. و قد ظاهر النبي صلى الله عليه و سلم بين درعين ، و شاور طبيبين ، و لما خرج إلى الطائف لم يقدر على دخول مكة ، حتى بعث إلى المطعم بن عدي فقال : أدخل في جوارك .
  50. و قد كان يمكنه أن يدخل متوكلاً بلا سبب .
  51. فإذا جعل الشرع الأمور منوطة بالأسباب ، كان إعراضي عن الأسباب دفعاً للحكمة .
  52. و لهذا أرى أن التداوي مندوب إليه ، و قد ذهب صاحب مذهبي إلى أن ترك التداوي أفضل ، و منعني الدليل من اتباعه في هذا فإن الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : ما أنزل الله داء إلا و أنزل له دواء فتداووا .
  53. و مريبة هذه اللفظة الأمر ، و الأمر إما أن يكون واجباً ، أو ندباً . و لم يسبقه حظر ، فيقال : هو إباحة .
  54. و كانت عائشة رضي الله عنها تقول : [ تعلمت الطب من كثرة أمراض رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و ما ينعت له ] .
  55. و قال عليه الصلاة و السلام لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه : كل من هذا فإنه أوفق لك من هذا .
  56. و من ذهب إلى تركه أفضل احتج بقوله عليه الصلاة السلام : يدخل الجنة سبعون ألفاً بلا حساب . ثم وصفهم فقال : لا يكتون ، و لا يسترقون ، و لا يتطيرون ، و على ربهم يتوكلون .
  57. و هذا لا ينافي التداوي ، لأنه قد كان أقوام يكتوون لئلا يمرضوا و يسترقون لئلا تصبهم نكبة ، و قد كوى عليه الصلاة السلام بن زرارة و رخص في الرقية في الحديث الصحيح . فعلمنا أن المراد ما أشرنا أليه .
  58. و إذا عرفت الحاجة إلى إسهال الطبع ، رأيت أن أكل البلوط مما يمنع عنه علمي ، و شرب ماء التمر هندي أوفق ، و هذا طب .
  59. فإذا لم أشرب ما يوافقني ، ثم قلت : اللهم عافني ، قالت لي الحكمة ، أما سمعت : [ اعقلها و توكل ؟ ] اشرب و قل عافني ، و لا تكن كمن بين زرعه و بين النهر كف من تراب ، تكاسل أن يرفعه بيده ، ثم قام يصلي صلاة الإستسقاء . و ما هذه الحالة إلا كحال من سافر على التجريد ، و إنما سافر على التجريد لأنه يجرب بربه عز وجل هل يرزقه أولا ، و قد تقدم الأمر إليه : و تزودوا فقال : لا أتزود ، فهذا هالك قبل أن ، يهلكه .
  60. و لو جاء وقت صلاة و ليس معه ماء ، ليم على تفريطه ، و قيل له : هلا استصحبت الماء قبل المفازة .
  61. فالحذر الحذر من أفعال أقوام دققوا فمرقوا عن الأوضاع الدينية ، و ظنوا أن كمال الدين بالخروج عن الطباع ، و المخالفة للأوضاع .
  62. و لولا قوة العلم و الرسوخ فيه ، لما قدرت على شرح هذا و لا عرفته ، فافهم ما أشرت إليه ، فهو أنفع لك من كراريس تسمعها ، و كن مع أهل المعاني لا مع أهل الحشو .
  63. · فصل : الإسلام نظافة
  64. تلمحت على خلق كثير من الناس إهمال إبدانهم ، فمنهم من لا ينظف فمه بالخلال بعد الأكل .
  65. و منهم من لا ينفي يديه في غسلها من الزهم ، و منهم من لا يكاد يستاك ، و فيهم من لا يكتحل ، و فيهم من لا يراعي الإبط ، إلى غير ذلك ، فيعود هذا الإهمال بالخلل في الدين و الدنيا .
  66. أما الدين فإنه قد أمر المؤمن بالتنظف و الإغتسال للجمعة لأجل اجتماعه بالناس ، و نهى عن دخول المسجد إذا أكل الثوم ، و أمر الشرع بتنقية البراجم و قص الأظافر ، و السواك ، و الإستحداد و غير ذلك من الآداب . فإذا أهمل ذلك ترك مسنون الشرع ، و ربما تعدى بعض ذلك إلى فساد العبادة ، مثل أن يهمل أظفاره فيجمع تحته الوسخ المانع للماء في الوضوء أن يصل .
  67. و أما الدنيا فإني رأيت جماعة من المهملين أنفسهم ، يتقدمون إلى السرار ، و الغفلة التي أوجبت إهمالهم أنفسهم ، أوجبت جهلهم بالأذى الحادث عنهم .
  68. فإذا أخذوا في مناجاة السر ، لم يمكن أن أصدف عنهم ، لأنهم يقصدون السر ، فألقى الشدائد من ريح أفواههم .
  69. و لعل أكثرهم من وقت انتباههم ما أمر أصبعه على أسنانه .
  70. ثم يوجب مثل هذا نفور المرأة ، و قد لا تستحسن ذكر ذلك للرجل ، فيثمر ذلك التفافها عنه .
  71. و قد كان ابن عباس رضي الله عنها يقول : [ إني لأحب أن أتزين للمرأة كما أحب أن تتزين لي ] . و في الناس من يقول : هذا تصنع . و ليس بشيء فإن الله تعالى زيننا لما خلقنا ، لأن للعين حظاً في النظر ، و من تأمل أهداب العين و الحاجبين ، و حسن ترتيب الخلقة ، علم أن الله زين الأدمي .
  72. و قد كان النبي صلى الله عليه و سلم أنظف الناس و أطيب الناس ، و في الحديث عنه يرفع يديه حتى تبين عفرة إبطيه ، و كان ساقه ربما انكشفت فكأنهما جمارة .
  73. و كان لا يفارقه السواك ، و كان يكره أن يشم منه ريح ليست طيبة .
  74. و في حديث أنس الصحيح : [ ما شأنه الله ببيضاء ] .
  75. و قد قالت الحكماء : [ من نظف ثوبه قل همه ، و من طاب ريحه زاد عقله ] .
  76. و قال عليه الصلاة السلام لأصحابه : ما لكم تدخلون علي قلحاً ، استاكوا .
  77. و قد فضلت الصلاة بالسواك ، على الصلاة بغير سواك ، فالمتنظف ينعم نفسه ، و يرفع منها عندها .
  78. و قد قال الحكماء : [ من طال ظفره قصرت يده ، ثم إنه يقرب من قلوب الخلق ، و تحبه النفوس ، لنظافته و طيبه ] .
  79. و قد كان النبي صلى الله عليه و سلم يحب الطيب .
  80. ثم إنه يؤنس الزوجة بتلك الحال . فإن النساء شقائق الرجال ، فكما أنه يكره الشيء منها ، فكذلك هي تكرهه ، و ربما صبر هو على ما يكره و هي لا تصبر .
  81. و قد رأيت جماعة يزعمون أنهم زهاد . و هم من أقذر الناس ، و ذلك أنهم ما قومهم العلم .
  82. و أما ما يحكى عن داود الطائي أنه قيل له : لو سرحت لحيتك ، فقال : إني عنها مشغول .
  83. فهذا قول معتذر عن العمل بالسنة ، و الإخبار عن غيبته عن نفسه بشدة خوفه من الآخرة و لو كان مفيقاً لذلك لم يتركه ، فلا يحتج بحال المغلوبين .
  84. و من تأمل خصائص الرسول صلى الله عليه و سلم ، رأى كاملاً في العلم و العمل ، فيه يكون الإقتداء و هو الحجة على الخلق .
  85. · فصل : خطر الرفاهية
  86. تأملت مبالغة أرباب الدنيا في اتقاء الحر و البرد . فرأيتها تعكس المقصود في باب الحكمة . و إنما تحصل مجرد لذة و لا خير في لذة تعقب ألما .
  87. فأما في الحر فإنهم يشربون الماء المثلوج ، و ذلك على غاية في الضرر ، و أهل الطب يقولون : إنه يحدث أمراضاً صعبة يظهر أثرها في وقت الشيخوخة و يضعون الخيوش المضاعفة . و في البرد يصنعون اللبود المانعة للبرد .
  88. و هذا من حيث الحكمة يضاد ما وضعه الله تعالى . فإنه جعل الحر لتحلل الأخلاط ، و البرد لجمودها ، فيجعلون هم جميع السنة ربيعاً . فتنعكس الحكمة التي وضع الحر و البرد لها ، و يرجع الأذى على الأبدان .
  89. و لا يظنن سامع هذا أني آمره بملاقاة الحر و البرد .
  90. و إنما أقول له : لا يفرط في التوقي ، بل يتعرض في الحر لما يحلل بعض الأخلاط ، إلى حد لا يؤثر في القوة ، و في البرد بأن يصيبك منه الأمر القريب لا المؤذي ، فإن الحر و البرد لمصالح البدن .
  91. و قد كان بعض الأمراء يصون نفسه من الحر و البرد فتغيرت حالته فمات عاجلاً ، و قد ذكرت قصته في كتاب لقط المنافع في علم الطب .
  92. · فصل : الصبر و الرضى
  93. ليس في التكاليف أصعب من الصبر على القضاء ، و لا فيه أفضل من الرضى به . فأما الصبر : فهو فرض . و أما الرضى فهو فضل .
  94. و إنما الصبر لأن القدر يجري في الأغلب بمكروه النفس ، و ليس مكروه النفس يقف على المرض و الأذى في البدن ، بل هو يتنوع حتى يتحير العقل في حكمة جريان القدر .
  95. فمن ذلك أنك إذا رأيت مغموراً بالدنيا قد سالت له أوديتها حتى لا يدري ما يصنع بالمال ، فهو يصوغه أواني يستعملها . و معلوم أن البلور و العقيق و الشبة ، قد يكون أحسن منها صورة ، غير أن قلة مبالاته بالشريعة جعلت عنده وجود النهي كعدمه . و يلبس الحرير ، و يظلم الناس ، و الدنيا منصبة عليه .
  96. ثم يرى خلقاً من أهل الدين ، و طلاب العلم ، مغمورين بالفقر و البلاء ، مقهورين تحت ولاية ذلك الظالم . فحينئذ يجد الشيطان طريقاً للوسواس ، و يبتدئ بالقدح في حكمة القدر .
  97. فيحتاج المؤمن إلى الصبر على ما يلقى من الضر في الدنيا ، و على جدال إبليس في ذلك .
  98. و كذلك في تسليط الكفار على المسلمين ، و الفساق على أهل الدين .
  99. و أبلغ من هذا إيلام الحيوان ، و تعذيب الأطفال ، ففي مثل هذه المواطن يتمحض الإيمان و مما يقوي الصبر على الحالتين النقل و العقل .
  100. أما النقل فالقرآن و السنة ، أما القرآن فمنقسم إلى قسمين :
  101. أحدهما : بيان سبب إعطاء الكافر و العاصي ، فمن ذلك قوله تعالى : إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً .
  102. و لولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة .
  103. و إذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها .
  104. و في القرآن من هذا كثير .
  105. و القسم الثاني : ابتلاء المؤمن بما يلقى كقوله تعالى : أم حسبتم أن تدخلوا الجنة و لما يعلم الله الذين جاهدوا منكم .
  106. أم حسبتم أن تدخلوا الجنة و لما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء و الضراء و زلزلوا .
  107. أم حسبتم أن تتركوا و لما يعلم الله الذين جاهدوا منكم .
  108. و في القرآن من هذا كثير .
  109. و أما السنة فمنقسمة إلى قول و حال .
  110. أما الحال : فإنه صلى الله عليه و سلم كان يتقلب على رمال حصير تؤثر في جنبه ، فبكى عمر رضي الله عنه . و قال : كسرى و قيصر في الحرير و الديباج ، فقال له صلى الله عليه و سلم : أفي شك أنت يا عمر ؟ ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة و لهم الدنيا .
  111. أما القول فقوله عليه الصلاة و السلام : لو أن الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء .
  112. و أما العقل : فإنه يقوي عساكر الصبر بجنود ، منها أن يقول : قد ثبت عندي الأدلة القاطعة على حكمة المقدر . . فلا أترك الأصل الثابت لما يظنه الجاهل خللا .
  113. و منها أن يقول : ما قد استهولته أيها الناظر من بسط يد العاصي هي قبض في المعنى ، و ما قد أثر عندك من قبض يد الطائع بسط في المعنى ، لأن ذلك البسط يوجب عقاباً طويلاً ، و هذا القبض يؤثر انبساطاً في الأجر جزيلاً ، فزمان الرجلين ينقضي عن قريب و المراحل تطوى و الركبان في الحثيث .
  114. و منها أن يقول : قد ثبت أن المؤمن بالله كالأجير ، و أن زمن التكليف كبياض نهار ، و لا ينبغي للمستعمل في الطين أن يلبس نظيف الثياب ، بل ينبغي أن يصابر ساعات العمل ، فإذا فرغ تنظف و لبس أجود ثيابه ، فمن ترفه وقت العمل ندم وقت تفريق الأجرة ، و عوقب على التواني فيما كلف ، فهذه النبذة تقوي أزر الصبر .
  115. و أزيدها بسطاً فأقول : أترى إذا أريد اتخاذ شهداء ، فكيف لا يخلق أقوام يبسطون أيديهم لقتل المؤمنين ، أفيجوز أن يفتك بعمر إلا مثل أبي لؤلؤة ؟ و بعلي مثل ابن ملجم : أفيصح أن يقتل يحيى بن زكريا إلا جبار كافر ، و لو أن عين الفهم زال عنها غشاء العشا ، لرأيت المسبب لا الأسباب ، و المقدر لا الأقدار ، فصبرت على بلائه ، إيثاراً لما يريد ، و من ههنا ينشأ الرضى .
  116. كما قيل لبعض أهل البلاء : ادع الله بالعافية ، فقال : أحبه إلي أحبه إلى الله عز وجل .
  117. إن كان رضاكم في سهري فسلام الله على وسني
  118. · فصل : من ذاق طعم المعرفة وجد طعم المحبة
  119. لما أنهيت كتابة الفصل المتقدم ، هتف بي هاتف من باطني : دعني من شرح الصبر على الأقدار ، فإني قد اكتفيت بأنموذج ما شرحت .
  120. وصف حال الرضى ، فإني أجد نسيماً من ذكره فيه روح للروح .
  121. فقلت : أيها الهاتف اسمع الجواب . و افهم الصواب .
  122. إن الرضى من جملة ثمرات المعرفة ، فإذا عرفته رضيت بقضائه ، و قد يجري في ضمن القضاء مرارات يجد بعض طعمها الراضي .
  123. أما العارف فتقل عنده المرارة ، لقوة حلاوة المعرفة .
  124. فإذا ترقى بالمعرفة إلى المحبة ، صارت مرارة الأقدار ، حلاوة ، كما قال القائل :
  125. عذابه فيك عذب و بعده فيك قرب
  126. و أنت عندي كروحي بل أنت منها أحب
  127. حسبي من الحب أني لما تحب أحب
  128. و قال بعض المحبين في هذا المعنى :
  129. و يقبح من سواك الفعل عندي فتفعله فيحسن منك ذاكا
  130. فصاح بي الهاتف : حدثني بماذا أرضى ؟ قدر أني أرضى في أقداره بالمرض و الفقر ، أفأرضى بالكسل عن خدمته ، و البعد عن أهل محبته ؟ فبين لي ما الذي يدخل تحت الرضى ، مما لا يدخل ؟
  131. فقلت له : نعم ما سألت فاسمع الفرق سماع من ألقى السمع و هو شهيد .
  132. إرض بما كان منه ، فأما الكسل و التخلف فذاك منسوب إليك ، فلا ترض به من فعلك .
  133. و كن مستوفياً حقه عليك ، مناقشاً نفسك فيما بقربك منه ، غير راض منها بالتواني في المجاهدة .
  134. فأما ما يصدر من أقضيته المجردة التي لا كسب لك فيها ، فكن راضياً بها ، كما قالت رابعة ـ رحمة الله عليها ـ و قد ذكر عندها رجل من العباد يلتقط من مزبلة فيأكل ، فقيل : هلا سأل الله تعالى أن يجعل رزقه من غير هذا ؟ فقالت : إن الراضي لا يتحيز و من ذاق طعم المعرفة ، وجد فيه طعم المحبة ، فوقع الرضى عنده ضرورة .
  135. فينبغي الإجتهاد في طلب المعرفة بالأدلة ، ثم العمل بمقتضى المعرفة بالجد في الخدمة ، لعل ذلك يورث المحبة .
  136. فقد قال سبحانه و تعالى : لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه . فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، و بصره الذي يبصر به .
  137. فذلك الغنى الأكبر .. و وافقراه ... !!!
  138. · فصل : لا تشغل عن معاشك
  139. رأيت جمهور العلماء يشغلهم طلبهم للعلم من زمن الصبا عن المعاش ، فيحتاجون إلى ما لا بد منه ، فلا يصلهم من بيت المال شيء ، و لا من صلات الإخوان ما يكفي ، فيحتاجون إلى التعرض بالإذلال ، فلم أر في ذلك من الحكمة إلا سببين :
  140. أحدهما : قمع إعجابهم بهذا الإذلال ، و الثاني : نفع أولئك بثوابهم .
  141. ثم أمعنت الفكر فتلمحت نكتة لطيفة ، و هو أن النفس الأبية إذا رأت حال الدنيا كذلك ، لم تساكنها بالقلب ، ونبت عنها بالعزم ، و رأت أقرب الأشياء شبهاً بها ، مزبلة عليها الكلاب ، أو غائطاً يؤتي لضرورة .
  142. فإذا نزل الموت بالرحلة عن مثل هذه الدار ، لم يكن للقلب بها متعلق متمكن فتهون حينئذ .
  143. · فصل : روحوا القلوب تعي الذكر
  144. ما زال جماعة من المتزهدين يزرون على كثير من العلماء إذاانبسطوا في مباحات . و الذي يحملهم على هذا الجهل . فلو كان عندهم فضل علم ما عابوهم . و هذا لأن الطياع لا تتساوى ، قرب شخص يصلح على خشونة العيش ، و اخر لا يصلح على ذلك ، و لا يجوز لحد أن يحمل غيره على ما يطيقه هو .
  145. غير أن لنا ضابطاً هو الشرع ، فيه الرخصة و فيه العزيمة . فلا ينبغي أن يلام من حصر نفسه في ذلك الضابط . و رب رخصة كانت أفضل من عزائم لتأثير نفعها .
  146. و لو علم المتزهدون أن العلم يوجب المعرفة با الله فتنبت القلوب من خوفه ، و تنحل الأجسام للحذر منه فوجب التلطف بالأجسام حفظاً لقوة الراحة .
  147. و لأن آلة العلم و الحفظ : القلب و الفكر ، فإذا رفهت لآلة جاد العمل ، و هذاأمر لا يعلم إلا بالعلم .
  148. فلجهل المتزهدين بالعلم أنكروا ما لم يعلموا ، و ظنوا أن المراد إتعاب الأبدان ، و إنضاء الرواحل ، و ما علموا أن الخوف المضني يحتاج إلى راحة مقاومة ، كما قال القائل : روحوا القلوب تعي الذكر .
  149. · فصل : من أخطاء الصوفية
  150. ليس في الوجود شيء أشرف من العلم ، كيف لا و هو الدليل ، فإذا عدم و قع الضلال .
  151. و ان من خفي مكايد الشيطان أن يزين في نفس الإنسان التعبد ليشغله عن أفضل التعبد و هو العلم ، حتى إنه زين لجماعة من القدماء أنهم دفنوا كتبهم و رموها في البحر . و هذا قد ورد عن جماعة . و أحسن ظني بهم أن أقول :كان فيها شيء من رأيهم و كلامهم فما حبوا انتشاره.
  152. و إلا فمتى كان فيها علم مفيد صحيح لا يخاف عواقبه ، كان رميها إضاعة . للمال لا يحل .
  153. و قد دنت حيلة إبليس إلى جماعة من المتصوفة حتى منعوا من حمل المحابر تلامذتهم .
  154. و حتى قال جعفر الخلدي : لو تركني الصوفية جئتكم بإسناد الدنيا ، كتبت مجلساً عن أبي العباس الدوري فلقيني بعض الصوفية فقال : [ دع علم الورق ، و عليك بعلم الخرق ] .
  155. و رأيت محبرة مع بعض الصوفية . فقال له صوفي آخر : [ استر عورتك ] ـ و قد انشدوا للشبلي :
  156. إذا طالبوني بعلم الورق برزت عليهم بعلم الخرق
  157. و هذا من خفي حيل إبليس ، و لقدصدق عليهم إبليس ظنه ، و إنما فعل و زينة عندهم لسببين :
  158. أحدهما : أنه أرادهم يمشون في الظلمة .
  159. و الثاني : أن تصفح العلم كل يوم يزيد في العالم . و يكشف له ما كان خفي عنه ، و يقوي إيمانه و معرفته ، و يريه عيب كثير من مسالكه ، إذا تصفح منهاج الرسول صلى الله عليه و سلم ، و الصحابة .
  160. فأراد إبليس سد تلك الطرق بأخفى حيلة ، فأظهر أن المقصود العمل ، لا العلم لنفسه ، و خفي على المخدوع أن العلم عمل و أي عمل .
  161. فاحذر من هذه الخديعة الخفية ، فإن العلم هو الأصل الأعظم ، و النور الأكبر .
  162. و ربما كان تقليب الوراق أفضل من الصوم و الصلاة ، و الحج و الغزو .
  163. و كم من معرض عن العلم يخوض في عذاب من الهوى في تعبده ، و يضيع كثيراً من الفرض بالنقل ، و يشتغل بما يزعمه الأفضل عن الواجب .
  164. و لو كانت عنده شعلة من نور العلم لا هتدى ، فتأمل ما ذكرت لك ترشد إن شاء الله تعالى .
  165. · فصل : كيف تقوى النفس
  166. مر بي حمالان جذع ثقيل ، و هما يتجاوبان بانشاد النغم ، و كلمات الإستراحة .
  167. فأحدهما يصغى إلى ما يقوله الآخر ثم يعيده أو يجيبه بمثله ، و الآخر همته مثل ذلك .
  168. فرأيت أنهما لو لم يفعلا هذا زادت المشقة عليهما ، و ثقل الأمر ، و كلما فعلا هذا هان الأمر .
  169. فتأملت السبب في ذلك ، فإذا به تعليق فكر كل واحد منهما يقوله الآخر ، و طربه به ، و إحالة فكره في الجواب بمثل ذلك ، فينقطع الطريق ، و ينسى ثقل المحمول .
  170. فأخذت من هذا إشارة عجيبة ، و رأيت الإنسان قد حمل من التكليف أموراً صعبة ، و من أثقل ما حمل مداراة نفسه ، و تكليفها الصبر عما تحب ، و على ماتكره . فرأيت الصواب قطع طريق الصبر بالتسلية و التلطف للنفس ، كما قال الشاعر :
  171. فإن تشكت فعللها المجرة من ضوء الصباح و عدها بالروح ضحى
  172. و من هذا ما يحكى عن بشر الحافي رحمه الله عليه ، سار و معه رجل في طريق فعطش صاحبه ، فقال له : نشرب من هذا البئر ؟ فقال بشر : اصبر إلى البئر الأخرى ، فلما و صلا إليها قال له : البئر الأخرى .
  173. فما زال يعلله . . . ثم التفت إليه فقال له : [ هكذا تنقطع الدنيا ] .
  174. و من فهم هذا الأصل علل النفس و تلطف بها و وعدها الجميل لتصبر على ما قد حملت ، كما كان بعض السلف يقول لنفسه : و الله ما أريد بمنعك من هذا الذي تحبين إلا الإشفاق عليك .
  175. و قال أبو يزيد رحمه الله عليه : ما زلت أسوق نفسي إلى الله تعالى و هي تبكي حتى سقتها و هي تضحك .
  176. و اعلم أن مداراة النفس و التلطف بها لازم ، و بذلك ينقطع الطريق ، فهذا رمز إلى الإشارة ، وشرحه يطول .
  177. · فصل : دع التصنع في الوعظ
  178. تأملت أشياء تجري في مجالس الوعظ ، يعتقدها العوام و جهال العلماء قربة و هي منكر و بعد .
  179. و ذاك أن المقرئ يطرب و يخرج الألحان إلى الغناء ، و الواعظ ينشد بتطريب أشعار المجنون و ليلى ، فيصفق هذا ، و يخرق ثوبه هذا ، و يعتقدون أن ذلك قربة و معلوم أن هذه الألحان كالموسيقى ، توجب طرباً للنفوس و نشوة ، فالتعرض بما يوجب الفساد غلط عظيم .
  180. و ينبغي الإحتساب على الوعاظ في هذا ، و كذلك المقابريون منهم فإنهم يهيجون الأحزان ليكثر بكاء النساء ، فيعطون على ذلك الأجرة .
  181. و لو أنهم أمروا بالصبر لم ترد النسوة ذلك ، و هذه أضداد للشرع .
  182. قال ابن عقيل : [ حضرنا عزاء رجل قد مات ، فقرأ المقرئ : يا أسفى على يوسف فقلت له : [ هذه نياحة بالقرآن ] .
  183. و في الوعاظ من يتكلم على طريق المعرفة و المحبة ، فترى الحائك و السوقي الذي لا يعرف فرائض تلك الصلاة يمزق أثوابه دعوى لمحبة الله تعالى .
  184. و الصافي حالاً منهم ـ و هو أصلحهم ـ يتخايل بوهمه شخصاً هو الخالق فيبكيه شوقه إليه لما يسمع من عظمته و رحمته و جماله .
  185. و ليس ما يتخايلونه المعبود ، لأن المعبود لا يقع في خيال .
  186. و بعد هذا فالتحقيق مع العوام صعب ، و لا يكادون ينتفعون بمر الحق إلا أن الواعظ مأمور بألا يتعدى الصواب ، و لا يتعرض لما يفسدهم ، بل يجذبهم إلى ما يصلح بألطف وجه ، و هذا يحتاج إلى صناعة ، فإن من العوام من يعجبه حسن اللفظ ، و منهم من يعجبه الإشارة ، و منهم من ينقاد ببيت من الشعر .
  187. و أحوج الناس إلى البلاغة الواعظ ليجمع مطالبهم ، لكنه ينبغي أن ينظر في اللازم الواجب ، و أن يعطيهم من المباح في اللفظ ، قدر الملح في الطعام ، ثم يجتذبهم إلى العزائم ، و يعرفهم الطريق الحق .
  188. و قد حضر أحمد بن حنبل ، فسمع كلام الحارث المحاسبي فبكى ، ثم قال : [ لا يعجبني الحضور ] ، و إنما بكى لأن الحال أوجبت البكاء .
  189. و قد كان جماعة من السلف يرون تخليط القصاص ، فينهون عن الحضور عندهم .
  190. و هذا على الإطلاق لا يحسن اليوم ، لأنه كان الناس في ذلك الزمان متشاغلين بالعلم ، فرأوا حضور القصص صاداً لهم ، و اليوم كثر الإعراض عن العلم ، فأنفع ما للعامي مجلس الوعظ ، يرده عن ذنب ، و يحركه إلى توبة ، و إنما الخلل في القاص ، فليتق الله عز وجل .
  191. · فصل : إحذر من مزالق علم الكلام
  192. من أضر الأشياء على العوام كلام المتأولين ، و النفاة للصفات و الإضافات فإن الأنبياء عليهم الصلاة و السلام بالغوا في الإثبات ليتقرر في أنفس العوام وجود الخالق ، فإن النفوس تأنس بالإثبات ، فإذا سمع العامي ما يوجب النفي ، طرد عن قلبه الإثبات ، فكأن أعظم ضرر عليه ، و كان هذا المنزه من العلماء على زعمه ، مقاماً لإثبات الأنبياء عليهم الصلاة و السلام بالمحو و شارعاً في إبطال ما يفتون به .
  193. و بيان هذا أن الله تعالى أخبر باستوائه على العرش ، فأنست النفوس إلى إثبات الإله و وجوده ، قال تعالى : و يبقى وجه ربك و قال تعالى : بل يداه مبسوطتان و قال غضب الله عليهم رضي الله عنهم و أخبر أنه ينزل إلى السماء الدنيا ، و قال : [ قلوب العباد بين أصبعين ، ] و قال : كتب التوراة بيده ، و كتب كتاباً فهو عنده فوق العرش ، إلى غير ذلك مما يطول ذكره .
  194. فإذا امتلأ العامي و الصبي من الإثبات ، و كاد يأنس من الأوصاف بما يفهمه الحس ، قيل له : ليس كمثله شيء فمحا من قلبه ما نقشه الخيال ، و تبقى ألفاظ الإثبات متمكنة .
  195. و لهذا أقر الشرع مثل هذا ، فسمع منشداً يقول : و فوق العرش رب العالمين ، فضحك .
  196. و قال له آخر : أو يضحك ربنا ؟ فقال : نعم . و قال : إنه على عرشه هكذا . كل هذا ليقرر الإثبات في النفوس .
  197. و أكثر الخلق لا يعرفون الإثبات إلا على ما يعلمون من الشاهد ، فيقنع منهم بذلك إلى أن يفهموا التنزيه .
  198. فأما إذا ابتدئ بالعامي الفارغ من فهم الإثبات ، فقلنا : ليس في السماء و لا على العرش ، و لا يوصف بيد ، و كلامه صفة قائمة بذاته ، و ليس عندنا منه شيء ، و لا يتصور نزوله ، انمحى من قلبه تعظيم المصحف ، و لم يتحقق في سره إثبات إله .
  199. هذه جناية عظيمة على الأنبياء ، توجب نقض ما تعبوا في بيانه ، و لا يجوز لعالم أن يأتي إلى عقيدة عامي قد أنس بالإثبات فيهوشها ، فإنه يفسده و يصعب صلاحه .
  200. فأما العالم فإنا قد أمناه لأنه لا يخفي عليه استحالة تجدد صفة الله تعالى ، و أنه لا يجوز أن يكون استوى كما يعلم ، و لا يجوز أن يكون محمولاً ، و لا يوصف بملاصقة و مس ، و لا أن ينتقل .
  201. لا يخفي عليه أن المراد بتقليب القلوب بين أصبعين الإعلام بالتحكم في القلوب فإن ما يديره الإنسان بين أصبعين هو متحكم فيه إلى الغاية .
  202. و لا يحتاج إلى تأويل من قال : الإصبع الأثر الحسن ، فالقلوب بين أثرين من آثار الربوبية ، و هما : الإقامة ، و الإزاغة .
  203. و لا إلى تأويل من قال : يداه نعمتاه ، لأنه إذا فهم أن المقصود الإثبات و قد حدثنا بما نعقل ، و ضربت لنا الأمثال بما نعلم ، و قد ثبت عندنا بالأصل المقطوع به أنه لا يجوز عليه ما يعرفه الحس ، علمنا المقصود بذكر ذلك .
  204. و أصلح ما نقول للعوام : أمروا هذه الأشياء كما جاءت ، و لا تتعرضوا لتأويلها ، بل ذلك يقصد به حفظ الإثبات ، و هذا الذي قصده السلف .
  205. و كان أحمد يمنع من أن يقال : لفظي بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق ، كل ذلك ليحمل على الأتباع ، و تبقى ألفاظ الإثبات على حالها .
  206. و أجهل الناس من جاء إلى ما قصد النبي صلى الله عليه و سلم تعظيمه ، فأضعف في النفوس قوى التعظيم .
  207. قال النبي صلى الله عليه و سلم : لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو ـ يشير إلى المصحف ـ .
  208. و منع الشافعي أن يحمله المحدث بعلاقته تعظيماً له .
  209. فإذا جاء متحذلق فقال : الكلام صفة قائمة بذات المتكلم فمعنى قوله هذا أن ما ههنا شيء يحترم ، فهذا قد ضاد بما أتى به مقصود الشرع . ينبغي أنم يفهم أوضاع الشعر و مقاصد الأنبياء عليهم الصلاة و السلام ، و قد منعوا من كشف ما قد قنع الشرع ، فنهى رسول الله صلى الله عليه و سلم عن الكلام في القدر و نهى عن الإختلاف ، لأن هذه الأشياء تخرج إلى ما يؤذي فإن الباحث عن القدر إذا بلغ فهمه إلى أن يقول : قضى و عاقب ، تزلزل إيمانه بالعدل .
  210. و إن قال : لم يقدر و لم يقض . تزلزل بالقدرة ، و الملك ، فكان الأولى ترك الخوض في هذه الأشياء .
  211. و لعل قائلاً يقول : هذا منع لنا عن الإطلاع على الحقائق ، و أمر بالوقوف مع التقليد .
  212. فأقول : لا ، إنما أعلمك أن المراد منك الإيمان بالجمل ، و ما أمرت بالتنقير مع أن قوى فهمك تعجز عن إدراك الحقائق .
  213. فإن الخليل عليه الصلاة و السلام قال : أرني كيف تحي ، فأراه ميتاً حي و لم يره كيف أحياه ، لأن قواه تعجز عن إدراك ذلك .
  214. و قد كان النبي صلى الله عليه و سلم و هو الذي بعث ليبين للناس ما نزل إليهم ، يقنع من الناس بنفس الإقرار و اعتقاد الجمل .
  215. كذلك كانت الصحابة ، فما نقل عنهم إنهم تكلموا في تلاوة و متلو ، و قراءة و مقروء ، و لا إنهم قالوا استوى بمعنى استولى ، و يتنزل بمعنى يرحم .
  216. بل قنعوا بإثبات الجمل التي تثبت التعظيم عند النفوس ، و كفوا كف الخيال بقوله : ليس كمثله شيء .
  217. ثم هذا منكر و نكير إنما يسألان عن الأصول المجملة فيقولان : من ربك ؟ و ما دينك ؟ و من نبيك ؟ .
  218. و من فهم هذا الفصل سلم من تشبيه المجسمة ، و تعطيل العطلة ، و وقف علىجادة السلف الأول ، و الله الموفق .
  219. · فصل : السمع و البصر
  220. قرأت هذه الآية : قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم و أبصاركم و ختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به فلاحت لي فيها إشرة كدت أطيش منها .
  221. و ذلك أنه إن كان عني بالآية نفس السمع و البصر ، فإن السمع آلة لإدراك المسموعات ، و البصر آلة لإدراك المبصرات ، فهما يعرضان ذلك على القلب ، فيتدبر ، و يعتبر .
  222. فإذا عرضت المخلوقات على السمع و البصر ، أوصلا إلى القلب أخبارها من أنها تدل على الخالق ، و تحمل على طاعة الصانع ، و تحذر من بطشه عند مخالفته .
  223. و إن عنى معنى السمع و البصر ، فذلك يكون بذهولها عن حقائق ما أدركا ، شغلا بالهوى ، فيعاقب الإنسان بسلب معاني تلك الآلات ، فيرى و كأنه ما رأى ، و يسمع كأنه ما سمع ، و القلب ذاهل عما يتأدى به لا يدري ما يراد به ، لا يؤثر عنده أنه يبلى ، و لا تنفعه موعظة تجلى ، و لا يدري أين هو ، و لا ما المراد منه ، و لا إلى أين يحمل ، و إنما يلاحظ بالطبع مصالح عاجلته و لا بتفكر في خسران آجلته ، لا يتعبر برفيقه ، و لا يتعظ بصديقه ، و لا يتزود لطريقة كما قال الشاعر :
  224. الناس في غفلة و الموت يوقظهم و ما يفيقون حتى ينفذ العمر
  225. يشيعون أهاليهم بجمعهم و ينظرون ما فيه قد قبروا
  226. و يرجعون إلى أحلام غفلتهم كأنهم ما رأوا شيئاً و لا نظروا
  227. و هذه حالة أكثر الناس ، فنعوذ بالله من سلب فوائد الآلات ، فإنها أقبح الحالات .
  228. · فصل : العشق الإلهي
  229. نظرت فيما تكلم به الحكماء في العشق و أسبابه و أدويته و صنفت في ذلك كتاباً سميته بذم الهوى .
  230. و ذكرت فيه عن الحكماء أنهم قالوا : سبب العشق حركة نفس فارغة ، و أنهم اختلفوا .
  231. فقال قوم منهم : لا يعرض العشق إلا لظراف الناس .
  232. و قال آخرون : بل لأهل الغفلة منهم عن تأمل الحقائق .
  233. إلا أنه خطر لي بعد ذلك معنى عجيب أشرحهه ههنا :
  234. و هو أنه لا يتمكن العشق إلا مع واقف جامد . فأما أرباب صعود الهمم فإنها كلما تخايلت ما توجبه المحبة فلاحت عيوبه لها ، إما بالفكر فيه أو بالمخالطة له ، تسلت أنفسهم و تعلقت بمطلوب آخر .
  235. فلا يقف على درجة العشق الموجب للتمسك بتلك الصورة ، العامي عن عيوبها ، إلا جامداً واقفاً .
  236. و أما أرباب الأنفة من النقائص ، فإنهم أبداً في الترقي ، لا يصدهم صاد ، فإذا علقت الطباع محبة شخص لم يبلغوا مرتبة العشق المستأثر ، بل ربما مالوا ميلاً شديداً إما في البداية لقلة التفكر أو لقلة المخالطة و الاطلاع على العيوب ، و إما لتشتت بعض الخلال الممدوحة بالنفوس من جهة مناسبة وقعت بين الشخصين ، كالظريف مع الظريف ، و الفطن مع الفطن ، فيوجب ذلك المحبة .
  237. فأما العشق فلا فهم أبداً في السير فلا يوقف وابل الطبع تتبع حادي الفهم ، فإن للطبع متعلقاً لا تجده في الدنيا ، لأنه يروم مالا يصح وجوده من الكمال في الأشخاص ، فإذا تلمح عيوبها نفر .
  238. و أما متعلق القلوب من محبة الخالق البارئ ، فهو مانع لها من الوقوف مع سواء . و إن كانت محبة لا تجانس محبة المخلوقين ، غير أن أرباب المعرفة ولهى قد شغلهم حبه عن حب غيره .
  239. و صارت الطباع مستغرقة لقوة معرفة القلوب و محبتها كما قالت رابعة :
  240. أحب حبيباً لا أعاب بحبه و أحببيهم من في هواه عيوب
  241. و لقد روي عن بعض فقراء الزهاد أنه مر بإمرأة فأعجبته ، فخطبها إلى أبيها ، فزوجه و جاء به إلى المنزل و ألبسه غير خلقانه .
  242. فلما جن الليل صاح الفقير : ثيابي ثيابي . فقدت ما كنت أجده ، فهذه عثرة في طريق هذا الفقير دلته على أنه منحرف عن الجادة .
  243. و إنما تعتري هذه الحالات أرباب المعرفة بالله عز وجل و أهل الأنفة من الرذائل .
  244. و قد قال ابن مسعود : [ إذا أعجبت أحدكم إمرأة فليتذكر مثانتها ] .
  245. و مثال هذه الحال أن العقل يغيب عند استحلاء تناول المشتهى من الطعام عن التفكر في تقلبه في الفم و بلعه .
  246. و يذهل عند الجماع عن ملاقات القاذورات لقوة غلبة الشهوة ، و ينسى عند بلع الرضاب إستحالته عن الغذاء ، و في تغطية تلك الأحوال مصالح .
  247. إلا أن أرباب اليقظة يعتريهم من غير طلب له في غالب أحوالهم ، فينغض لذيذ العيش ، و يوجب الأنفة من رذالة الهوى .
  248. و على قدر النظر في العواقب يخف العشق عن قلب العاشق ، و على قدر جمود الذهن يقوى القلق ، قال المتنبي :
  249. لو فكر العاشق في منتهى حسن الذي يسببه لم يسبه
  250. و مجموع ما أرادت شرحه ، أن طباع المتيقظين تترقى فلا تقف مع شخص مستحسن .
  251. و سبب ترقيها التفكر في نقص ذلك الشخص و عيوبه ، أو في طلب ما هو أهم منه .
  252. و قلوب العارفين تترقى إلى معروفها ، فتعبر في معبر الإعتبار .
  253. فأما أهل الغفلة فجمودهم في الحالتين ، و غفلتهم عن المقامين ، يوجب أسرهم و قسرهم و حيرتهم .
  254. · فصل : دعاء الخاشعين
  255. عرض لي أمر يحتاج إلى سؤال الله عز وجل و دعائه ، فدعوت و سألت فأخذ بعض أهل الخير يدعون معي ، فرأيت نوعاً من أثر الإجابة .
  256. فقالت لي نفسي : هذا بسؤال ذلك العبد لا بسؤالك ، فقلت لها : أما أنا فإني أعرف من نفسي من الذنوب و التقصير ما يوجب منع الجواب ، غير أنه لا يجوز أن يكون أنا الذي أجبت ، لأن هذا الداعي الصالح سليم مما أظنه من نفسي ، لأن معي إنكسار تقصيري و معه الفرح بمعاملته .
  257. و ربما كان الإعتراف بالتقصير أنجح في الحوائج ، على أنني أنا و هو نطلب من الفضل ، لا بأعمالنا ، فإذا وقفت أنا على قدم الإنكسار معترفاً بذنوبي و قلت أعطوني بفضلكم فمالي في سؤالي شيء أمت به . و ربما تلمح ذاك حسن عمله و كان صاداً له . فلا تكسريني أيتها النفس فيكفيني كسر علمي بي لي .
  258. و معي من العلم للأدب ، و الإعتراف بالتقصير ، و شدة الفقر إلى ما سألت ، و يقيني بفضل المطلوب عنه ، ما ليس مع ذلك العابد . فبارك الله في عبادته . فربما كان إعترافي بتقصيري أوفى .
  259. · فصل : قمة التدبر
  260. قرأت من غرائب العلم ، و عجائب الحكم ، على بعض من يدعي العلم ، فرأيته يتلوى من سماع ذلك ، و لا يطلع على غوره ، و لا يشرئب إلى ما يأتي ، فصدفت عن إسماعه شيئاً آخر و قلت : إنما يصلح مثل هذا الذي لب يتلقاه تلقي العطشان الماء .
  261. ثم أخذت من هذه إشارة هي أنه لو كان هذا يفهم ما جرى و مدحني لحسن ما صنعت لعظم قدره عندي ، و لأريته محاسن مجموعاتي و كلامي . و لكنه لما لم أره لها أهلاً صرفتها عنه ، و صدفت بنظري إليه .
  262. و كانت الإشارة : أن الله عز وجل ، قد صنف هذه المخلوقات فأحسن التركيب ، و أحكم الترتيب ، ثم عرضها على الألباب ، فأي لب أو غل في النظر مدح على قدر فهمه فأحبه المصنف ، و كذلك أنزل القرآن يحتوي على عجائب الحكم ، فمن فتشه بيد الفهم . و حادثة في خلوة الفكر ، استجلب رضى المتكلم به و حظي بالزلفى لديه .
  263. و من كان للذهن مستغرق الفهم بالحسيات ، صرف عن ذلك المقام . قال الله عز وجل : سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق .
  264. · فصل : الهمة العالية
  265. دعوت يوماً فقلت : اللهم بلغني آمالي من العلم و العمل ، و أطل عمري لأبلغ ما أحب من ذلك .
  266. فعارضني وسواس من إبليس ، فقال : ثم ماذا ؟ أليس الموت ؟ فما الذي ينفع طول الحياة ؟ .
  267. فقلت له : يا أبله : لو فهمت ما تحت سؤالي علمت أنه ليس بعبث .
  268. أليس في كل يوم يزيد علمي و معرفتي فتكثر ثمار غرسي ، فأشكر يوم حصادي ؟ .
  269. أفيسرني أنني مت منذ عشرين سنة ؟ لا و الله ، لأني ما كنت أعرف الله تعالى عشر معرفتي به اليوم .
  270. كل ذلك ثمرة الحياة التي فيها اجتنيت أدلة الوحدانية ، و ارتقيت عن حضيض التقليد إلى يفاع البصيرة ، و اطلعت على علوم زاد بها قدري ، و تجوهرت بها نفسي .
  271. ثم زاد غرسي لآخرتي ، و قويت تجارتي في إنفاذ المباضعين من المتعلمين و قد قال الله لسيد المرسلين : و قل رب زدني علماً .
  272. و في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : لا يزيد المؤمن عمره إلا خيراً .
  273. و في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إن من السعادة أن يطول عمر العبد و يرزقه الله عز وجل الإنابة .
  274. فيا ليتني قدرت على عمر نوح ، فإن العلم كثير ، و كلما حصل منه حاصل رفع و نفع .
  275. · فصل : في الأسباب و المسببات
  276. قلوب العارفين يغار عليها من الأسباب و إن كانت لا تساكنها لأنها لما إنفردت لمعرفتها أنفرد لها بتولي أمورها .
  277. فإذا تعرضت بالأسباب محى أثر الأسباب : و يوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً .
  278. و تأمل في حال يعقوب و حذره على يوسف عليهم السلام ، حتى قال : أخاف أن يأكله الذئب فقالوا : أكله الذئب .
  279. فلما جاء أوان الفرج ، خرج يهوذا بالقميص فسبقه الريح إني لأجد ريح يوسف .
  280. و كذلك قول يوسف عليه السلام للساقي : اذكرني عند ربك فعوقب بأن لبث سبع سنين ، و إن كان يوسف عليه السلام يعلم أنه لا خلاص إلا بإذن الله ، و أن التعرض بالأسباب مشروع ، غير أن الغيرة أثرت في العقوبة .
  281. و من هذا قصة مريم عليها السلام و كفلها زكريا فغار المسبب من مساكنة الأسباب كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً .
  282. و من هذا القبيل ما يروى عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : أبى الله أن يرزق عبده المؤمن إلا من حيث لا يحتسب .
  283. و الأسباب طريق ، و لا بد من سلوكها . و العارف لا يساكنها غير أنه يجلي له من أمرها ما لا يجلي لغيره ، من أنها لا تساكن ، و ربما عوقب إن مال إليها و إن كان ميلاً لا يقبله ، غير أن أقل الهفوات يوجب الأدب ، و تأمل عقبي سليمان عليه السلام لما قال : [ لأطوقن الليلة على مائة إمرأة ، تلد كل واحدة منهن غلاماً و لم يقل : إن شاء الله ، فما حملت إلا واحدة جاءت بشق غلام ] .
  284. و لقد طرقني حالة أوجبت التشبث ببعض الأسباب إلا أنه كان من ضرورة ذلك لقاء بعض الظلمة ، و مداراته بكلمة . فبينا أنا أفكر في تلك الحال دخل علي قارئ فاستفتح فتفاءلت بما يقرأ فقرأ و لا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار و ما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون .
  285. فبهت من إجابتي على خاطري ، و قلت لنفسي : إسمعي فإنني طلبت النصر في هذه المداراة فأعلمني القرآن أنني إذا ركنت إلى ظالم فاتنى ما ركنت لأجله من النصر .
  286. فيا طوبى لمن عرف المسبب و تعلق به ، فإنها الغاية القصوى ، فنسأل الله أن يرزقنا .
  287. · فصل : المؤمن و الذنب
  288. المؤمن لا يبالغ في الذنوب و إنما يقوى الهوى و تتوقد نيران الشهوة فينحدر .
  289. و له مداد لا يعزم المؤمن على مواقعته ، و لا على العود بعد فراغه . و لا يستقصي في الإنتقام إن غضب ، و ينوي التوبة قبل الزلل .
  290. و تأمل إخوة يوسف عليهم السلام فإنهم عزموا على التوبة قبل إبعاد يوسف فقالوا : اقتلوا يوسف ثم زاد ذلك تعظيماً فقالوا : أو اطرحوه أرضاً ثم عزموا على الإنابة فقالوا : و تكونوا من بعده قوماً صالحين . فلما خرجوا إلى الصحراء هموا بقتله بمقتضى ما في القلوب من الحسد .
  291. فقال كبيرهم : لا تقتلوا يوسف و ألقوه في غيابة الجب و لم يرد أن يموت بل يلتقطه بعض السيارة ، فأجابوا إلىذلك .
  292. و السبب في هذه الأحوال أن الإيمان على حسب قوته ، فتارة يردها عند الهم ، و تارة يضعف فيردها عند العزم ، و تارة عن بعض الفعل ، فإذا غلبت الغفلة ، و واقع لذنب ، فتر الطبع ، فنهض الإيمان للعمل ، فينغص بالندم أضعاف ما التذ .
  293. · فصل : الغرور في العلم
  294. أفضل الأشياء التزيد من العلم ، فإنه من اقتصر على ما يعلمه فظنه كافياً استبد برأيه ، و صار تعظيمه لنفسه مانعاً له من الاستفادة . و المذاكرة تبين له خطأه ، و ربما كان معظماً في النفوس فلم يتجاسر على الرد عليه .
  295. و لو أنه أظهر الاستفادة لأهديت إليه مساويه فعاد عنها .
  296. و لقد حكى ابن عقيل عن أبي المعالي الجويني أنه قال : [ إن الله تعالى يعلم جمل الأشياء و لا يعلم التفاصيل ] ، و لا أدري أي شبهة وقعت ، في وجه هذا المسكين حتى قال هذا .
  297. و كذلك أبا حامد حين قال : النزول التنقل ، و الاستواء مماسة ـ و كيف أصف هذا بالفقه ، أو هذا بالزهد ، و هو لا يدري ما يجوز على الله مما لا يجوز .
  298. و ل أنه ترك تعظيم نفسه لرد صبيان الكتاب رأيه عليه ، فبان له صدقهم .
  299. و من هذا الفن أبو بكر بن مقسم : فإنه عمل كتاب الاحتجاج للقراء ، فأتى فيه بفوائد ، إلا أنه أفسد علمه بإجازته أن يقرأ بما لم يقرأ به ، ثم تفاقم ذلك منه حتى أجاز ما يفسد المعنى ، مثل قوله تعالى : فلما استيأسوا منه خلصوا . فقال : يصلح أن يقال هنا نجياً أي خلصوا كراماً براد من السرقة .
  300. و هذا سوء فهم للقصة ، فإن الذي نسب إلى السرقة فظهرت معه ما خلص ، فما الذي ينفع خلاصهم ؟
  301. و إنما سيقت القصة ليبين أنهم انفردوا و تشاوروا فيما يصنعون ، و كيف يرجعون إلى أبيهم و قد احتبس أخوهم .
  302. فأي وجه للنجاة ها هنا ؟
  303. و من تأمل كتابه رأى فيه من هذا الجنس ما يزيد على الإحصاء من هذا الفن القبيح ، و لو أنه أصغى إلىعلماء وقت ، و ترك تعظيم نفسه لبان له الصواب ، غير أن إقتصار الرجل على علمه إذا مازجه نوع رؤية للنفس حبس عن إدراك الصواب نعوذ بالله من ذلك .
  304. · فصل : المن بالعبادة
  305. تأملت قوله عز وجل : يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان فرأيت فيه معنى عجيباً .
  306. و هو أنهم لما و هبت لهم العقول فتدبروا بها عيب الأصنام ، و علموا أنها لا تصلح للعبادة ، فوجهوا العبادة إلى من فطر الأشياء ، كانت هذه المعرفة ثمرة العقل الموهوب الذي به باينوا البهائم .
  307. فإذا آمنوا بفعلهم الذي ندب إليه العقل الموهوب ، فقد جهلوا قدر الموهوب ، و غفلوا عن وهب .
  308. و أي شيء لهم في الثمرة و الشجرة ليس ملكاً لهم ؟
  309. فعلى هذا كل متعبد و مجتهد في علم إنما رأى بنور اليقظة ، و قوة الفهم و العقل صوابا ،فوقع على المطلوب ، فينبغي أن يوجه الشكر إلى من بعث له في ظلام الطبع القبس .
  310. و من هذا الفن حديث الثلاثة الذين دخلوا الغار ، فانحطت عليهم صخرة فسدت باب الغار ، فقالوا : تعالوا نتوسل بصالح أعمالنا ، فقال كل منهم : فعلت كذا وكذا . و هؤلاء إن كانوا لاحظوا نعمة الواهب للعصمة عن الخطأ فتوسلوا بإنعامه عليهم الذي أوجب تخصيصهم بتلك النعمة عن أبناء جنسهم ، فبه توسلواإليه .
  311. و إن كانوا لا حظوا أفعالهم ، فلمحوا جزاءها ظناً منهم أنهم هم الذين فعلوا فهم أهل غيبة لا حضور .
  312. و يكون جواب مسألتهم لقطع مننهم الدائمة .
  313. و مثل هذا رؤية المتقي تقواه حتى إنه يرى أنه أفضل من كثير من الخلق .
  314. و ربما احتقر أهل المعاصي و تشمخ عليهم . و هذه غفلة عن طريق السلوك ، و ربما أخرجت .
  315. و لا أقول لك خالط الفساق احتقاراً لنفسك . بل أغضب عليهم في الباطن و أعرض عنهم في الظاهر . ثم تلمح جريان الأقدار عليهم . فأكثرهم لا يعرف من عصى .
  316. و جمهورهم لا يقصد العصيان ، بل يريد موافقة هواه ، و عزيز عليه أن يعصي . و فيهم من غلب تلمح العفو و الحلم فاحتقر ما يأتي لقوة يقينه بالعفو .
  317. و هذه كلها ليست بأعذار لهم ، و لكن تلمحه أنت يا صاحب التقوى ، و اعلم أن الحجة عليك أوفى من الحجة عليهم ، لأنك تعرف من تعصى ، و تعلم ما تأتي .
  318. بل انظر إلى تقليب القلوب بين إصبعين فربما دارت الدائرة فصرت المنقطع و وصل المقطوع .
  319. فالعجب ممن يدل بخير عليه ، و ينسى من أنعم و وفق .
  320. · فصل : أهل البدع و التشبيه
  321. اعلم أن شرعنا مضبوط الأصول ، محروس القواعد ، لا خلل فيه و لا دخل ، و كذلك كل الشرائع .
  322. إنما الآفة تدخل من المبتدعين في الدين أو الجهال .
  323. مثل ما أثر عند النصارى حين رأوا إحياء الموتى على يد عيسى عليه السلام فتأملوا الخارق للعادة الذي لا يصلح للبشر ، فنسبوا الفاعل إلى الإلهية .
  324. و لو تأمل ذاته لعلموا أنها مركبة على النقائص و الحاجات ، و هذا القدر يكفي في عدم صلاح إلهية ، فيعلم حينئذ ما جرى على يديه فعل غيره .
  325. وقد يؤثر ذلك في الفروع . مثل ما روي أنه فرض على النصارى صوم شهر فزادوه عشرين يوماً ، ثم جعلوه في فصل من السنة بآرائهم .
  326. و من هذا الجنس تخبيط اليهود في الأصول و الفروع ، و قد قارب الضلال في أمتنا هذه المسالك ، و إن كان عمومهم قد حفظ من الشرك و الشك و الخلاف الظاهر الشنيع لأنهم أعقل الأمم و أفهمها .
  327. غير أن الشيطان قارب بهم و لم يطمع في إغراقهم ، و إن كان قد أغرق بعضهم في بحار الضلال . فمن ذلك أن الرسول صلى الله عليه و سلم : جاء بكتاب عزيز من الله عز وجل قيل في صفته : ما فرطنا في الكتاب من شيء و بين ما عساه بشكل مما يحتاج إلى بيانه بسنته كما قيل له : لتبين للناس ما نزل إليهم فقال بعد البيان : تركتكم على بيضاء نقية . فجاء أقوام فلم يقنعوا بتبيينه ، و لم يرضوا بطريقة أصحابه ، فبحثوا ثم إنقسموا .
  328. فمنهم : من تعرض لما تعب الشرع في إثباته في القلوب فمحاه منها ، فإن القرآن و الحديث يثبتان الإله عز وجل بأوصاف تقرر وجوده في النفوس كقوله تعالى : استوى على العرش و قوله تعالى : بل يداه مبسوطتان و قوله تعالى و لتصنع على عيني و قول النبي صلى الله عليه و سلم : ينزل الله إلى السماء الدنيا و يبسط يده لمسيء الليل و النهار ، و يضحك و يغضب .
  329. كل هذه الأشياء ـ و إن كان ظاهراً يوجب تخايل التشبيه ، فالمراد منها إثبات موجود فلما علم الشرع ما يطرق القلوب من التوهمات عند سماعها ، قطع ذلك بقوله : ليس كمثله شيء .
  330. ثم إن هؤلاء القوم عادوا إلى القرآن الذي هو المعجز الأكبر ، و قد قصد الشرع تقرير وجوده فقال : إنا أنزلناه نزل به الروح الأمين فذرني و من يكذب بهذا الحديث و هذا كتاب أنزلناه و أثبته في القلوب بقوله تعالى : في صدور الذين أوتوا العلم و في المصاحف قوله تعالى : في لوح محفوظ و قول رسول الله صلى الله عليه و سلم : لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو .
  331. فقال قوم من هؤلاء : مخلوق فأسقطوا حرمته من النفوس ، و قالوا : لم ينزل ، و لا يتصور نزوله و كيف تنفصل الصفة عن الموصوف ، و ليس في المصحف إلا حبر و ورق ؟ فعادوا على ما تعب الشرع في إثباته بالمحو .
  332. كما قالوا : إن الله عز وجل ليس في السماء ، و لا يقال إستوى على العرش . و لا ينزل إلى السماء الدنيا ، بل ذاك رحمته ، فمحوا من القلوب ما أريد إثباته فيها ، و ليس هذا مراد الشرع .
  333. و جاء آخرون فلم يقفوا على ما حده الشرع ، بل عملوا فيه بآرائهم فقالوا : الله على العرش ، و لم يقنعوا بقوله : ثم استوى على العرش .
  334. و دفن لهم أقوام من سلفهم دفائن ، و وضعت لهم الملاحدة أحاديث ، فلم يعلموا ما يجوز عليه ممالا يجوز ، فأثبتوا بها صفاته ، و جمهور الصحيح منها آت على توسع العرب ، فأخذوهم على الظاهر ، فكانوا في ضرب المثل كجحا فإن أمه قالت له : إحفظ الباب ، فقلعه و مشى به ، فأخذ ما في الدار ، فلامته أمه . فقال : إنما قلت إحفظ الباب ، و ما قلت إحفظ الدار .
  335. و لما تخايلوا صورة عظيمة على العرش ، أخذوا يتأولون ما ينافي وجودها على العرش ، مثل قوله : [ و من أتاني يمشي ، أتيته هرولة ] . فقالوا : ليس المراد به دنو الإقتراب ، و إنما المراد قرب المنزل و الحظ .
  336. و قالوا في قوله تعالى : إلا أن يأتيهم الله في ظلل : هو محمول على ظاهرها في مجيء الذات . فهم يحلونه عاماً و يحرمونه عاماً .
  337. و يسمون الإضافات إلى الله تعالى صفات ، فإنه قد أضاف إليه النفخ و الروح .
  338. و أثبتوا خلقه باليد ، فلو قالوا خلقه لم يمكن إنكار هذا بل قالوا هي صفة تولى بها خلق آدم دون غيره .
  339. فأي مزية كانت تكون لآدم ؟
  340. فشغلهم النظر في فضيلة آدم ، عن النظر إلى ما هو يليق بالحق مما لا يليق به .
  341. فإنه لا يجوز عليه المس ، و لا العمل بالآلات ، و إنما آدم أضافه إليه ، فقالوا : نطلق على الله تعالى إسم الصورة لقوله : خلق آدم على صورته .
  342. و فهموا هذا الحديث و هو قوله عليه السلام : إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه ، و لا يقل قبح الله وجهك و لا وجهاً أشبه وجهك ، فإن الله خلق آدم على صورته .
  343. فلو كان المراد به الله عز وجل لكان وجه الله سبحانه يشبه وجه هذا المخاصم لأن الحديث كذا جاء ـ و لا وجهاً أشبه وجهك ـ و رووا حديث خولة بنت حكيم : و إن آخر وطئة وطئها الله بوج و ما علموا النقل و لا السير و قول الرسول صلى الله عليه و سلم : اللهم أشدد وطأتك على مضر ، و أن المراد به آخر وقعة قاتل فيها المسلمون بوج ، و هي غزاة حنين . فقالوا : نحمل الخبرعلى ظاهره ، و أن الله وطئ ذلك المكان .
  344. و لا شك أن عندهم أن الله تعالى كان في الأرض ثم صعد إلى السماء ، و كذلك قالوا في قوله إن الله لا يمل حتى تملوا قالوا : يجوز أن الله يوصف بالملل فجهلوا اللغة و ما علموا أنه لو كانت حتى ههنا للغاية لم تكن بمدح لأنه إذا مل حين يمل فأي مدح ، و إنما هو كقول الشاعر :
  345. جلبت مني هزيل بخرق لا يمل الشر حتى يملوا
  346. و المعنى لا يمل و إن ملوا .
  347. و قالوا في قوله عليه الصلاة السلام : الرحم شجنة من الرحمن تتعلق بحقوي الرحمن . فقالوا ـ الحقوا ـ صفة ذات و ذكروا أحاديث لو رويت في نقض الوضوء ما قبلت .
  348. و عمومها وضعته الملاحدة كما يروى عن عبد الله بن عمرو . و قال : [ خلق الله الملائكة من نور الذراعين و الصدر ] فقالوا : نثبت هذا على ظاهره . ثم أرضوا العوام بقولهم : و لا نثبت جوارح ، فكأنهم يقولون فلان قائم و ما هو قائم .
  349. فاختلف قولهم هل يطلق على الله عز وجل إنه جالس أو قائم كقوله تعالى : قائماً بالقسط .
  350. و هؤلاء أخس فهماً من جحا لأن قوله قائماً بالقسط لا يراد به القيام و إنما هو كما يقال : الأمير قائم بالعدل .
  351. و إنما ذكرت بعض أقوالهم لئلا يسكن إلى شيء منها . فالحذر من هؤلاء عبادة .
  352. و إنما الطريق طريق السلف . على أنني أقول لك قد قال أحمد بن حنبل رحمه الله عليه [ من ضيق علم الرجل أن يقلد في دينه الرجال ] .
  353. فلا ينبغي أن تسمع من معظم في النفوس شيئاً في الأصول فتقلده فيه .
  354. و لو سمعت عن أحدهم ما لا يوافق الأصول الصحيحة فقل : هذا من الراوي ، لأنه قد ثبت عن ذلك الإمام أنه لا يقول بشيء من رأيه .
  355. فلو قدرنا صحته عنه فإنه لا يقلد في الأصول و لا أبوبكر و لا عمر رضي الله عنهما .
  356. فهذا أصل يجب البناء عليه فلا يهولنك ذكر معظم في النفوس .
  357. و كان المقصود من شرح هذا أن ديننا سليم ، و أنما أدخل أقوام فيه ما تأذينا به .
  358. و لقد أدخل المتزهدون في الدين ما ينفر الناس ، حتى إنهم يرون أفعالهم فيستعبدون الطريق .
  359. و أكثر أدلة هذه الطريق القصاص ، فإن العامي إذا دخل إلى مجلسهم و هو لا يحسن الوضوء كلموه بدقائق الجنيد ، و إرشادات الشبلي . فرأى ذلك العامي أن الطريق الواضح لزوم زاوية و ترك الكسب للعائلة و مناجاة الحق في خلوة على زعمه .
  360. مع كونه لا يعرف أركان الصلاة ، و لا أدبه العلم ، و لا قوم أخلاقه شيء من مخالطة العلماء .
  361. فلا يستفيد من خلوته إلا كما يستفيد الحمار من الإصطبل.
  362. فأن امتد عليه الزمان في تقلله زاد يبسه فربما خايلت له الماليخوليا أشباحاً يظنهم الملائكة ثم يطأطئ رأسه ، و يمد يده للتقبيل .
  363. فكم قد رأينا من أكار ترك الزرع و قعد في زاوية ، فصار إلى هذه الحالة فاستراح من تعبه .
  364. فلو قيل له : عد مريضاً ، قال : مالي عادة . فلعن الله عادة تخالف الشريعة .
  365. فيرى العامة بما يورده القصاص أن طريق الشرع هذه ، لا التي عليها الفقهاء ، فيقعون في الضلال .
  366. و من المتزهدين من لا يبالي عمل بالشرع أم لا .
  367. ثم يتفاوت جهالهم ، فمنهم من سلك مذهب الإباحة و يقول : الشيخ لا يعارض ، و ينهمك في المعاصي .
  368. و منهم : من يحفظ ناموسه فيفي بغير علم ، لئلا يقال : الشيخ لا يدري .
  369. و لقد حدثني الشيخ أبو حكيم رحمه الله : أن الشريف الدحالتي ـ و كان يقصد فيزار و يتبرك به ـ حضر عنده يوماً فسأل أبو حكيم : هل تحل المطلقة ثلاثاً إذا ولدت ذكراً ؟ قال :
  370. فقلت : لا و الله ، فقال لي الشريف : اسكت فو الله لقد أفتيت الناس بأنها تحل من ههنا إلى البصرة .
  371. و حكى لي الشيخ أبو حكيم : أن جد آذاذ الحداد ، و كان يتوسم بالعلم ، جاءت إليه امرأة فزوجها من رجل ، و لم يسأل عن انقضاء العدة ، فاعترضها الحاكم و فرق بينها و بين الزوج ، و أنكر على المزوج ، فلقيته المرأة . فقالت يا سيدي ، أنا امرأة لا أعلم ، فكيف زوجتني ؟ فقال [ دعي حديثهم ، ما أنت إلا طاهرة مطهرة ] .
  372. و حدثني بعض الفقهاء عن رجل من العباد أنه كان يسجد للسهو سنين ، و يقول : و الله ما سهوت ، و لكن أفعله احترازاً ، فقال له الفقيه : قد بطلت صلاتك كلها ، لأنك زدت سجوداً غير مشروع .
  373. ثم من الدخل الذي دخل ديننا طريق المتصرفة فإنهم سلكوا طرقاً أكثرها تنافي الشريعة ، و أهل التدين منهم يقللون و يخففون .
  374. و هذا ليس بشرع ، حتى إن رجلاً كان قريباً من زماني يقال له كثير ، دخل إلى جامع المنصور و قال : عاهدت الله عهداً و نقضته ، فقد ألزمت نفسي ألا تأكل أربعين يوماً .
  375. فحدثني من رآه أنه بقي عشرة أيام في العشر الرابع ، أشرف على الموت ، قال : فما إنقضت حتى تفرغ ، فصب في حلقه ماء فسمعنا له نشيشاً كنشيش المقلاة ، ثم مات بعد أيام .
  376. فأنظروا إلى هذا المسكين و ما فعله به جهلة .
  377. و منهم من فسح لنفسه في كل ما يحب من التنعم و اللذات ، و اقتنع من التصوف بالقميص و الفوطة و العمامة اللطيفة و لم ينظر من أين يأكل و لا من أين يشرب ، و خالط الأمراء من أرباب الدنيا ، و لباس الحرير ، و شراب الخمور ، حفظاً لماله و جاهه .
  378. و منهم أقوام سنناً لهم تلقوها من كلمات أكثرها لا يثبت .
  379. و منهم من أكب على سماع الغناء و الرقص و اللعب ، ثم إنقسم هؤلاء ، فمنهم من يدعي العشق فيه ، و منهم من يقول بالحلول ، و منهم من يسمع على وجه الهوى و اللعب .
  380. و كلا الطريقين يفسد العوام الفساد العام .
  381. و هذا الشرح يطول . و قد صنفت كتباً ترى فيها البسط الحسن إن شاء الله تعالى ، منها [ تلبيس إبليس ] .
  382. و المقصود أن تعلم أن الشرع تام كامل فإن رزقت فهماً له فأنت تتبع الرسول صلى الله عليه و سلم و أصحابه ، و تترك بنيات الطريق و لا تقلد في دينك الرجال . فإذا فعلت فإنك لا تحتاج إلى وصية أخرى .
  383. و إحذر جمود النقلة ، و إنبساط المتكلمين ، و جموع المتزهدين ، و شره أهل الهوى ، و وقوف العلماء على صورة العلم من غيل عمل ، و عمل المتعبدين بغير علم .
  384. و من أيده الله تعالى بلطفه ، رزقه الفهم و أخرجه عن ربقة التقليد ، و جعله أمة وحده في زمانه ، لا يبالي بمن عبث ، و لا يلتفت إلى من لام ، قد سلم زمامه إلى دليله في واضح السبيل .
  385. عصمنا الله و إياكم من تقليد المعظمين ، و ألهمنا إتباع الرسول صلى الله عليه و سلم ، فإنه درة الوجود ، و مقصود الكون صلى الله عليه و سلم و على آله و أصحابه و أتباعه ، و رزقنا إتباعه مع أتباعه .
  386. · فصل : طبيعة الزمن
  387. اعلم أن الزمان لا يثبت على حال كما قال عز وجل : و تلك الأيام نداولها بين الناس .
  388. فتارة فقر و تارة غنى ، و تارة عز ، و تارة ذل ، و تارة يفرح الخوالي ، و تارة يشمت الأعادي .
  389. فالسعيد من لازم أصلاً واحداً على كل حال ، و هو تقوى الله عز وجل فإنه إن استغنى زانته ، و إن إفتقر فتحت له أبواب الصبر ، و إن عوفي تمت النعمة عليه ، و إن إبتلى حملته ، و لا يضره إن نزل به الزمان أو صعد ، أو أعراه أو أشبعه أو أجاعه .
  390. لأن جميع تلك الأشياء تزول و تتغير . و التقوى أصل السلامة حارس لا ينام ، يأخذ باليد عند العثرة و يواقف على الحدود .
  391. و المنكر من غرته لذة حصلت مع عدم التقوى فإنها ستحول و تخلية خاسراً .
  392. و لازم التقوى في كل حال فإنك لا ترى في الضيق إلا السعة ، و في المرض إلا العافية . هذا نقدها العاجل . و الآجل معلوم .
  393. · فصل : جاهد هواك
  394. تأملت أمراً عجيباً ، و أصلاً ظريفاً ، و هو انهيال الابتلاء على المؤمن ، و عرض صورة اللذات عليه مع قدرته على نيلها . و خصوصاً ما كان في غير كلفة من تحصيله كمحبوب موافق في خلوة حصينة .
  395. فقلت : سبحان الله ، ههنا يبين أثر الإيمان لا في صلاة ركعتين .
  396. و الله ما صعد يوسف عليه السلام و لا سعد إلا في مثل ذلك المقام ، فبالله عليكم يا إخواني ، تأملوا حاله لو كان وافق هواه ، من كان يكون ؟
  397. و قيسوا بين تلك الحالة ، و حالة آدم عليه السلام ، ثم زنوا بميزان العقل عقبي تلك الخطيئة ، و ثمرة هذا الصبر ، و اجعلوا فهم الحال عدة لكم عند كل مشتهى .
  398. و إن اللذات لتعرض على المؤمن ، فمتى لقيها في صف حربه و قد تأخر عنه عسكر التدبر للعواقب هزم .
  399. و كأني أرى الواقع في بعض أشراكها ، و لسان الحال يقول له : قف مكانك ، أنت و ما إخترت لنفسك .
  400. فغاية أمره الندم و البكاء .
  401. فإن أمن إخراجه من تلك الهوة لم يخرج إلا مدهوناً بالخدوش .
  402. و كم من شخص زلت قدمه ، فما ارتفعت بعدها .
  403. و من تأمل ذل إخوة يوسف عليهم السلام يوم قالوا : و تصدق علينا عرف شؤم الزلل .
  404. و من تدبر أحوالهم قاس ما بينهم و بين أخيهم من الفروق . و إن كانت توبتهم قبلت ، لآنه ليس من رقع و خاط ، كمن ثوبه صحيح .
  405. و رب عظم هيض لم ينجبر ، فإن جبر فعلى و هي .
  406. فتيقظوا إخواني لعرض المشتبهات على النفوس ، و استوثقوا من لجم الخيل ، و انتبهوا للغيم إذا تراكم بالصعود إلى تلعة .
  407. فربما مد الوادي فراح بالركب .
  408. · فصل : سر إجابة الدعاء
  409. تأملت حالة عجيبة ، و هي : أن المؤمن تنزل به النازلة فيدعو ، و يبالغ ، فلا يرى أثراً للاجابة .
  410. فإذا قارب اليأس نظر حينئذ إلى قلبه ، فإن كان راضياً بالأقدار ، غير قنوط من فضل الله عز وجل ، فالغالب تعجيل الإجابة حينئذ ، لأن هناك يصلح . الإيمان و يهزم الشيطان ، و هناك تبين مقادير الرجال .
  411. و قد أشير إلى هذا في قوله تعالى : حتى يقول الرسول و الذين آمنوا معه : متى نصر الله .
  412. و كذلك جرى ليعقوب عليه السلام فإنه لما فقد ولداً ، و طال الأمر عليه ، لم ييأس من الفرج ، فأخذ ولده الآخر ، و لم ينقطع أمله من فضل ربه أن يأتيني بهم جميعاً .
  413. و كذلك قال زكريا عليه السلام و لم أكن بدعائك رب شقيا .
  414. فإياك أن تستطيل مدة الإجابة ، و كن ناظراً إلى أنه المالك ، و إلى أنه الحكيم في التدبير ، و العالم بالمصالح ، و إلى أنه يريد اختبارك ليبلو أسرارك ، و إلى أنه يريد أن يرى تضرعك ، و إلى أنه يريد أن يأجرك بصبرك ، إلى غير ذلك . و إلى أنه يبتليك بالتأخير لتجارب وسوسة إبليس .
  415. و كل واحدة من هذه الأشياء تقوي الظن في فضله ، و توجب الشكر له ، إذ أهلك بالبلاء للالتفاف إلى سؤاله ، و فقر المضطر إلى اللجأ إليه غنى كله .
  416. · فصل : الغريزة
  417. لما كان بدن الآدمي لا يقوم إلا باجتلاب المصالح و دفع المؤذي ، ركب فيه الهوى ، ليكون سبباً لجلب النافع . و الغضب ليكون سبباً لدفع المؤذي .
  418. و لولا الهوى في المطعم ، ما تناول الطعام ، فلم يقم بدنه ، فجعل له إليه ميل و توق .
  419. فإذا حصل له قدر ما يقيم بدنه زال التوق ، و كذلك في المشرب و الملبس و المنكح .
  420. و فائدة المنكح من وجهين : أحدهما : إبقاء الجنس ، و هو معظم المقصود . و الثاني : دفع الفضلة المحتقنة المؤذي احتقانها .
  421. و لولا تركيب الهوى المائل بصاحبه إلى النكاح ما طلبه أحد ، فمات النسل و آذى المحتقن .
  422. فأما العارفون فإنهم فهموا المقصود ، و أما الجاهلون فإنهم مالوا مع الشهوة ، و الهوى ، و لم يفهموا مقصود وضعها ، فضاع زمانهم فيما لا طائل فيه ، و فاتهم ما خلقوا لأجله ، و أخرجهم هواهم إلىفساد المال ، و ذهاب العرض و الدين ، ثم أداهم إلى التلف .
  423. و كم قد رأينا من متنعم يبالغ في شراء الجواري ، ليحرك طبعه بالمتجسد ، فما كان أسرع من أن وهنت قواه الأصلية فتعجل تلفه .
  424. و كذلك رأينا من زاد غضبه فخرج عن الحد ففتك بنفسه و بمن يحبه .
  425. فمن علم أن هذه الأشياء إنما خلقت إعانة للبدن على قطع مراحل الدنيا ، و لم تخلق لنفس الألتذاذ ، و إنما جعلت اللذة فيها كالحيلة في إيصال النفع بها إذ لو كان المقصود التنعم بها لما جعلت الحيوانات البهيمة أو في حظاً من الآدمي منها .
  426. فطوبى لمن فهم حقائق الوضع ، و لم يمل له الهوى عن فهم حكم المخلوقات
  427. · فصل : سمة العصاة
  428. من تأمل عواقب المعاصي رآها قبيحة .
  429. و لقد تفكرت في أقوام أعرفهم يقرون بالزنا و غيره ، فأرى من تعثرهم في الدنيا مع جلادتهم ما لا يقف عند حد ، و كأنهم قد لبسوا ظلمة ، فالقلوب تنفر عنهم .
  430. فإن اتسع لهم شيء فأكثره من مال الغير ، و إن ضاق بهم أمر أخذوا يتسخطون علىالقدر .
  431. هذا و قد شغلوا بهذه الأوساخ عن ذكرالآخرة .
  432. ثم عكست فتفكرت في أقوام صابروا الهوى ، و تركوا ما لا يحل .
  433. فمنهم من قد أينعت له ثمرات الدنيا من قوت مستلذ ، و مهاد مستطاب ، و عيش لذيذ ، و جاء عريض ، فإن ضاق بهم أمر وسعه الصبر ، و طيبة الرضى ففهمت بالحال معنى قوله تعالى : إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين .
  434. · فصل : إلزم باب مولاك
  435. ينبغي للعاقل أن يلازم باب مولاه على كل حال و أن يتعلق بذيل فضله إن عصى و إن أطاع .
  436. و ليكن له أنس في خلوته به ، فأن وقعت وحشة فليجتهد في رفع الموحش كما قال الشاعر :
  437. أمستوحش أنت مما جنيت فأحسن إذا شئت و استأنس
  438. فإن رأى نفسه مائلاً إلى الدنيا طلبها منه ، أو إلى الآخرة سأله التوفيق للعمل لها .
  439. فإن خاف ضرر ما يرومه من الدنيا سأل الله إصلاح قلبه ، وطب مرضه فإنه إذا صلح لم يطلب ما يؤذيه .
  440. و من كان هكذا كان في العيش الرغد ، غير أن من ضرورة هذه الحال ملازمة التقوى ، فإنه لا يصلح الأنس إلا بها .
  441. و قد كان أرباب التقوى يتشاغلون عن كل شيء إلا عن اللج و السؤال .
  442. و في الخبر : أن قتيبة بن مسلم لما صاف الترك هاله أمرهم فقال : أين محمد بن واسع ؟ فقيل : هو في أقصى الميمنة جنح على سية قوسه ، يومي بأصبعه نحو السماء ، فقال قتيبة : تلك الإصبع الفاردة أحب إلي من مائة ألف سيف شهير ، و سنان طرير ، فلما فتح عليهم قال له : ما كنت تصنع ؟ قال : آخذ لك بمجامع الطرق .
  443. · فصل : كن حكيماً إزاء النعم
  444. ينبغي لمن تظاهرة نعم الله عز وجل عليه أن يظهر منها ما يبين أثرها ، و لا يكشف جملتها ، و هذا من أعظم لذات الدنيا التي يأمر الحزم بتركها ، فإن العين حق .
  445. و إني تفقدت النعم فرأيت إظهارها حلواً عند النفس ، إلا أنها إن أظهرت الوديد لم يؤمن تشعث باطنه بالغيظ .
  446. و إن أظهرت لعدو فالظاهر غصابته بالعين لموضع الحسد ، إلا أنني رأيت شر الحسود كاللازم ، فإنه في حال البلاء يتشفى ، و في حال النعم يصيب بالعين .
  447. و لعمري إن المنعم عليه يشتهي غيظ حسوده ، و لكنه لا يؤمن أن يخاطر بنعمته ، فإن الغالب إصابة الحاسد لها بالعين فلا يساوي الا لتذاذ بإظهار ما غيظ به ما أفسدت عينه بإصابتها .
  448. و كتمان الأمور في كل حال فعل الحازم ، فإنه إن كشف مقدار سنة استهرموه إن كان كبيراً و إحتقروه إن كان صغيراً ، و إن كشف ما يعتقدناصبه الأضداد بالعداوة .
  449. و إن كشف قدر ماله استحقروه إن كان قليلاً و حسدوه إن كان كثيراً و في هذه الثلاثة يقول الشاعر .
  450. احفظ لسانك لا تبح بثلاثة سن و مال ما استطعت و مذهب
  451. فعلى الثلاثة تبتلى بثلاثة بمموه و ممخرق و مكذب
  452. و قس على ماذكرت مالم أذكره و لا تكن من المذاييع الغر الذين لا يحملون أسرارهم حتى يفشوها إلى من لا يصلح .
  453. و رب كلمة جرى بها اللسان هلك بها الإنسان .
  454. · فصل : لا تغتر بالظواهر
  455. رأيت كل من يعثر بشيء أو يزلق في مطر يلتفت إلي ما عثر به ، فينظر إليه ، طبعاً موضوعاً في الخلق .
  456. إما ليحذر منه أن جاز عليه مرة أخرى ، أو لينظر ـ مع احترازه و فهمه ـ كيف فاته التحرز من مثل هذا .
  457. فأخذت من ذلك إشارة و قلت : يا من عثر مراراً هلا أبصرت ما الذي عثرك فاحترزت من مثله ، أو قبحت لنفسك مع حزمها تلك الواقعة .
  458. فإن الغالب ممن يلتفت أن معنى التفاته كيف عثر مع احترازه بمثل ما أرى .
  459. فالعجب لك كيف عثرت بمثل الذنب الفلاني و الذنب الفلاني ؟.
  460. كيف غرك زخرف تعلم بعقلك باطنه ، و ترى بعين فكرك مآله ؟ كيف آثرت فانياً على باق ؟
  461. كيف بعت بوكس ؟ كيف اخترت لذة رقدة على انتباه معاملة ؟.
  462. آه لك لقد اشتريت بما بعت أحمال ندم لا يفلها ظهر ، و تنكيس رأس أمسى بعيد الرفع ، و دموع حزن على قبح فعل ما لمددها انقطاع .
  463. و أقبح الكل ، أن يقال لك : بماذا ؟ و من أجل ماذا ؟ و هذا على ماذا ؟ يا من قلب الغرور عليه الصنجة ، و وزن له و الميزان راكب .
  464. · فصل : الهوى النور
  465. تأملت قوله تعالى : فمن اتبع هداي فلا يضل و لا يشقى .
  466. قال المفسرون : هداي رسول الله صلى الله عليه و سلم و كتابي .
  467. فوجدته على الحقيقة أن كل من اتبع القرآن و السنة و عمل بما فيهما ، فقد سلم من الضلال بلا شك ، و ارتفع في حقه شقاه الآخرة بلا شك ، إذا مات على ذلك .
  468. و كذلك شقاء الدنيا فلا يشقى أصلاً ، و يبين هذا قوله تعالى : و من يتق الله يجعل له مخرجاً .
  469. فإن رأيته في شدة فله من اليقين بالجزاء ما يصير الصاب عنده عسلا ، و إلا غلب طيب العيش في كل حال .
  470. و الغالب أنه لا ينزل به شدة إلا إذا انحرف عن جادة التقوى .
  471. فأما الملازم لطريق التقوى فلا آفة تطرقه ، و لا بلية تنزل به ، هذا هو الأغلب .
  472. فإن تدر من تطرقه مع التقوى ، فذاك في الأغلب لتقدم ذنب يجازي عليه ، فإن قدرنا عدم الذنب . فذاك لإدخال ذهب صبره كير البلاء ، حتى يخرج تبرأ أحمر ، فهو يرى عذوبه العذاب . لأنه يشاهد المبتلي في البلاء الآلم .
  473. قال الشبلي : [ أحب الناس لنعمائك ، و أنا أحبك لبلائك ] .
  474. · فصل : آثار الذنوب
  475. لا ينال لذة المعاصي إلا سكراناً بالغفلة .
  476. فأما المؤمن فإنه لا يلتذ ، لأنه عند التذاذه يقف بإزائه علم التحريم ، و حذر العقوبة .
  477. فإن قويت معرفته رأى بعين علمه قرب الناهي ، فيتنغص عيشه في حال التذاذه .
  478. فإن غلب سكر الهوى كان القلب متنغصاً بهذه المراقبات ، و إن كان الطبع في شهوته .
  479. و ما هي إلى لحظة ، ثم خذ من غريم ، ندم ملازم ، و بكاء متواصل ، وأسف على ما كان من طول الزمان .
  480. حتى إنه لو تيقن العفو و قف بإزائه حذار العتاب فأف للذنوب ما أقبح آثارها و ما أسوأ أخبارها ، و لا كانت شهوة لا تنال إلا بمقدار قوة الغفلة .
  481. · فصل : عزلة العالم عن الشر
  482. بكرت يوماً أطلب الخلوة إلى جامع الرصافة ، فجعلت أجول و حدي و أتفكر في ذلك المكان و من كان به من العلماء و الصالحين .
  483. و رأيت أقواماً قد جاوروا فيه فسألت أحدهم : منذ كم أنت ها هنا ؟ فأومأ إلي قريب من أربعين سنة .
  484. فرأيته في بيت كثير الدرن و الوسخ ، و جعلت أتفكر في حبسه لنفسه عن النكاح هذه المدة ، فأخذت النفس تحسن ذلك ، و تذم الدنيا و الاغترار بها .
  485. فأقبل العلم ينكر على النفس ، و نهض الفهم لحقائق الأمور ، و موضوع الشرع يقوي ما قال العلم . فينحل من ذلك أن قلت للنفس : اعلمي أن هؤلاء على ضربين . منهم من يجاهد نفسه في الصبر على هذه الأحوال ، فتفوته فضائل المخالطة لأهل العلم و العمل و طلب الولد ، و نفع الخلق ، و انتفاع نفسه بمجالسة أهل الفهم ، فيحدث له من حاله تشابه فيها الوحش فيؤثر الانفراد .
  486. و ربما يبس الطبع ، و ساء الخلق ، و ربما حدث من حبس مائة المحتقن سميه من أفسدت بدنه وعقله ، و ربما أورثته الخلوة وسوسة ، و ربما ظن أنه من الأولياء واستغنى بما يعرفه ، و ربما خيل له الشيطان أشياء من الخيالات و هو يعدها كرامات ، ربما ظن أن الذي هو فيه الغاية لا يدري أنه إلى الكراهة أقرب .
  487. فإن رسول الله صلى الله عليه و سلم : نهى أن يبيت الرجل وحده ، و هؤلاء كل منهم يبيت وحده ، و نهى عن التبتل و هذا تبتل ، و نهىعن الرهبانية و هذا من خفىخدع إبليس التي يوقع بها في ورطات الضلالة بألطف وجه و أخفاه .
  488. و الضرب الثاني : مشايخ قد فنوا فانقطعوا ضرورة ، إذ ليس لأحدهم مأوى . فهم في مقام الزمني .
  489. و إن كان الضرب الأول قد قطعوا حبل نفوسهم في العلم و العمل و الكسب و تعلقت هممهم بفتوح يطرق عليهم الباب ، فرضوا بالعمى بعد البصر ، و بالزمن بعد الإطلاق قالت لي النفس : لا أرضى هذا الذي تقوله ، فإنك إنما تميل إلى إيثار نكاح المستحسنات و المطاعم المشتهيات . فإذا لم تكن من أهل التعبد فلا تطعن فيهم .
  490. فقلت لها : إن فهمت حدثتك و إن كنت تقلدين صور الأحوال فلا فهم لك .
  491. أما المستحسنات فإن المقصود من النكاح أشياء منها طلب الولد ، و منها شفاء النفس بإخراج الفضلة المؤذية ، و كمال خروجها لا يكون إلى بوجود المستحسن .
  492. و اعتبر هذا بالوطء دون الفرج فإنه يخرج من الفضلات ما لا يخرج بالوطء في الفرج .
  493. و بتمام خروج تلك الفضلة تفرغ النفس عن شواغلها فتدري أين هي .
  494. كما نأمر القاضي بالأكل قبل الحكم ، و ننهاه عن الحكم و هو غضبان أو حاقن .
  495. و بكمال بلوغ هذا الغرض يكون كمال الولد لتمام النطفة التي خلق منها .
  496. ثم للنفس حظ فهو يستوفيه إستيفاء الناقة حظها من العلف في السفر ، و ذلك بعين على سيرها .
  497. و أما المطاعم فالجاهل من يطلبها لذاتها أو لنفس لذاتها .
  498. و إنما المراد إصلاح الناقة لجمع همها ، و نيل مرادها من غرضها الصارف لها عن الفكر في هواها .
  499. و إذا تأملت حال الشرب الأول رأيت من هذا عجباً ، فإن النبي صلى الله عليه و سلم إختار لنفسه عائشة رضي الله عنها و كانت مستحسنة . [ و رأى زينب استحسنها ، فتزوجها ، و كذلك إختار صفية ، و كان إذا وصفت له إمرأة بعث يخطبها ] .
  500. و كان لعلي رضي الله عنه أربع حرائر ، و سبع عشرة سرية مات عنهن .
  501. و قبل هذه الأمة فقد كان لداود عليه السلام مائة إمرأة ، و لسليمان عليه السلام ألف إمرأة ، فمن ادعى خللاً في هذه الطرق ، أو أن هؤلاء آثروا هواهم ، و أنفقوا بضائع العمر في هذه الأغراض و غيرها أفضل ، فقد إدعى على الكاملين النقصان ، و إنما هو الناقص في فهمه لا هم .
  502. و قد كان سفيان الثوري إذا سافر ففي سفرته حمل مشوية و فالوذج ، و كان حسن الطعم ، و كان يقول : [ إن الدابة إذا لم تحسن إليها لم تعمل ] .
  503. و هذه الفنون التي أشرت إليها إن قصدت للحاجة إليها ، أو لقضاء و طر النفس منها ، أو لبلوغ الأغراض الدينية و الدنيوية منها ، فكله قصد صحيح لا يعكر عليه من يقوم و يقعد في ركعات لا يفهم معناها ، و في تسبيحات أكثر ألفاظها ردية .
  504. كلا ليس إلا العلم الذي هو أفضل الصفات ، و أشرف العبادات ، و هو الأمر بالمصالح ، و الناطق بالنصائح .
  505. ثم منفعة العلم معروفة ، و زهد الزاهد لا يتعدى عتبة بابه ، و قد قال صلى الله عليه و سلم : لأن يهدي الله بك رجلاً خير لك مما طلعت الشمس .
  506. ثم اعتبر فضل الرسل على الأنبياء عليهم الصلاة و السلام . و الجوارح على التي لا تصيد . و الطين منه ما ينتفع به على الطين في المقلع .
  507. و غاية العلماء تصرفهم بالعلم في المباح ، و أكثر المتزهدين جهلة يستعبدهم تقبيل اليد لأجل تركهم ما أبيح .
  508. فكم فوتت العزلة علماً يصلح به أهل الدين ، و كم أوقعت في بلية هلك بها الدين ، و إنما عزلة العالم عن الشر فحسب ، و الله الموفق .
  509. · فصل : عواقب المعاصي
  510. يبغي لكل ذي لب و فطنة أن يحذر عواقب المعاصي . فإنه ليس بين الآدمي و بين الله تعالى قرابة و لا رحم ، و إنما هو قائم بالقسط ، حاكم بالعدل .
  511. و إن كان حلمه يسع الذنوب . إلا أنه إذا شاء عفا فعفا كل كثيف من الذنوب ، و إذا شاء أخذ و أخذ باليسير ، فالحذر الحذر .
  512. و لقد رأيت أقواماً من المترفين كانوا يتقلبون في الظلم و المعاصي باطنة و ظاهرة فتعبوا من حيث لم يحتسبوا .
  513. فقلت أصولهم . و نقص ما بنوا من قواعد أحكموها لذراريهم .
  514. و ما كان ذلك إلا لأنهم أهملوا جانب الحق عز وجل ، و ظنوا أن ما يفعلونه من خير يقاوم ما يجري من شر ، فمالت سفينة ظنونهم . فدخلها من ماء الكيد ما أغرقهم .
  515. و رأيت أقواماً من المنتسبين إلى العلم أهملوا نظر الحق عز وجل إليهم في الخلوات .
  516. فمحا محاسن ذكرهم في الخلوات . فكانوا موجودين كالمعدومين ، لا حلاوة لرؤيتهم ، و لا قلب يحن إلى لقائهم .
  517. فالله الله في مراقبة الحق عز وجل . فإن ميزان عدله تبين فيه الذرة ، و جزاؤه مراصد للمخطئ و لو بعد حين .
  518. و ربما ظن أنه العفو و إنما هو إمهال و للذنوب عواقب سيئة .
  519. فالله الله الخلوات الخلوات .
  520. البواطن البواطن . النيات النيات .
  521. فإن عليكم من الله عيباً ناظرة .
  522. و إياكم و الاغترار بحلمه و كرمه ، فكم قد استدرج .
  523. و كونوا على مراقبة الخطايا ، مجتهدين في محوها .
  524. و ما شيء ينفع كالتضرع مع الحمية عن الخطايا ، فلعله ...
  525. و هذا فصل إذا تأمله المعامل لله تعالى نفعه .
  526. و لقد قال بعض المراقبين لله تعالى : قدرت على لذة و ليست بكبيرة .
  527. فنازعني نفسي إليه ، اعتماداً على صغرها ، و عظم فضل الله تعالى و كرمه .
  528. فقلت لنفسي : إن غلبت هذه فأنت أنت ، و إذا أتيت هذه فمن أنت ؟
  529. و ذكرتها حالة أقوام كانوا يفسحون لأنفسهم في مسامحة كيف انطوت أذكارهم ، و تمكن الإعراض عنهم .
  530. فارعوت ، و رجعت عما همت به ، و الله الموفق .
  531. · فصل : استصغار الذنوب
  532. كثير من الناس يتسامحون في أمور يظنونها قريبة . و هي تقدح في الأصول كاستعارة طلاب العلم جزءاً لا يردونه .
  533. و قصد الدخول يتسامحون على من يأكل ليأكل معه .
  534. و التسامح بعرض العدو التذاذاً بذلك ، و استصغاراً لمثل هذا الذنب .
  535. و إطلاق البصر استهانة بتلك الخطيئة .
  536. و أهون ما يصنع ذلك بصاحبه أن يحطه من مرتبة المتميزين بين الناس ، و من مقام رفعه القدر عند الحق .
  537. [ أو فتوى من لا يعلم ، لئلا يقال : هو جاهل ، و نحو ذلك مما يظنه صغيراً و هو عظيم ] .
  538. و ربما قيل له بلسان الحال : يا من اؤتمن على أمر يسير فخان . كيف ترجو بتدليك رضا الديان ؟
  539. قال بعض السلف : [ تسامحت بلقمة فتناولتها ، فأنا اليوم من أربعين سنة إلى خلف ] .
  540. فالله الله ، اسمعوا ممن قد جرب ، كونوا على مراقبة . و انظروا في العواقب ، و اعرفوا عظمة الناهي . و احذروا من نفخة تحتقر ، و شررة تستصغر ، فربما أحرقت و بلداً . و هذا الذي أشرت إليه ، يسير يدل على كثير ، و أنموذج ، يعرف باقي المحقرات من الذنوب .
  541. و العلم و المراقبة يعرفانك ما أخللت بذكره ، و يعلمانك إن تلمحت بعين البصيرة ، أثر شؤم فعله و لا حول و لا قوة إلا با الله العلي العظيم .
  542. · فصل : تب إلى الله ثم سله حوائجك
  543. رأيت من نفسي عجباً : تسأل الله عز وجل حاجاتها ، و تنسى جناياتها ؟
  544. فقلت : يا نفس السوء أو مثلك ينطق ؟
  545. فإن نطق فينبغي أن يكون السؤال فحسب .
  546. فقالت : فممن أطلب مراداتي ؟ .
  547. قلت : ما أمنعك من طلب المراد . إنما أقول حققي ، و انطقى .
  548. كما نقول في العاصي بسفره إذا اضطر إلى الميتة لا يجوز له أن يأكل ، فإن قيل لنا : أفيموت ! قلنا : لا ، بل يتوب و يأكل .
  549. فالله الله من جراءة على طلب الأغراض مع نسيان ما تقدم من الذنوب التي توجب تنكيس الرأس ، و لئن تشاغلت بإصلاح ما مضى و الندم عليه جاءتك مراداتك .
  550. كما روى : [ من شغله ذكرى عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين ] .
  551. و قد كان بشر الحافي يبسط يديه للسؤال ثم يسلبهما و يقول : مثلي لا يسأل [ ما أبقت الذنوب لي وجهاً ] .
  552. و هذا يختص ببشر لقوة معرفته ، كان وقت السؤال كالمخاطب كفاحاً فإستحى للزلل .
  553. فأما أهل الغفلة فسؤالهم على بعد ، فاقهم ما ذكرته ، و تشاغل بالتوبة من الزلل . ثم العجب من سؤالاتك فإنك لا تكاد تسأل مهما من الدنيا ، بل فضول العيش .
  554. و لا تسأل صلاح القلب و الذين مثل ما تسأل صلاح الدنيا .
  555. فاعقل أمرك فإنك من الانبساط و الغفلة على شفا جرف .
  556. و ليكن حزنك على زلاتك شاغلاً لك عن مراداتك ، فقد كان الحسن البصري شديد الخوف ، فلما قيل له في ذلك قال :
  557. و ما يؤمنني أن يكون اطلع على بعض ذنوبي فقال اذهب لا غفرت لك .
  558. · فصل : دعوى المعرفة مع العبد عن العرفان
  559. أعجب العجب دعوى المعرفة مع البعد عن العرفان .
  560. بالله ، ما عرفه إلا من خاف منه ، فأما المطمئن فليس من أهل المعرفة .
  561. و في المتزهدين أهل تغفيل ، يكاد أحدهم يوقن أنه ولي محبوب و مقبول .
  562. و ربمات توالت [ عليه ] ألطاف ظنها كرامات و نسي الاستدراج الذي لفت مساكنته الألطاف .
  563. و ربما احتقر غيره و ظن أن محلته محفوظة به ، تغره ركيعات ينتصب فيها ، أو عبادة ينصب بها .
  564. و ربما ظن أنه قطب الأرض ، و أنه لا ينال مقامه بعده أحد .
  565. و كأنه ما علم أنه نبينا موسى مكالم نبئ يوشع .
  566. و بينا زكريا عليه السلام مجاب الدعوة نشر بالمنشار .
  567. و بينا يحيى عليه السلام يوسف بأنه سيد سلط عليه كافر احتز رأسه .
  568. و بينا بلعام معه الاسم الأعظم صار مثله كمثل الكلب .
  569. و بينا الشريعة يعمل بها نسخت و بطل حكمها .
  570. و بينا البدن معمور خرب و سلط البلى عليه .
  571. و بينا العالم يدأب حتى ينال مرتبة يعتقدها ، نشأ طفل في زمانه ترقى إلى سبر عيوبه و غلطه .
  572. كم من متكلم يقول : ما مثلي ! ! ، لو عاش فسمع ما حدث بعده من الفصاحة هد نفسه أخرساً .
  573. هذا و عظ ابن السماك ، و ابن عمار ، و ابن سمعون ، لا يصلح لبعض تلامذتنا و لا يرضاه .
  574. فكيف يعجب من ينفق شيئاً . و ربما أتى بعدنا من لا يعدنا ؟
  575. فا الله الله من مساكنة مسكن ، و مخالفة مقام .
  576. و ليكن المتيقظ على انزعاج ، محتقراً للكثير من طاعاته ، خائفاً على نفسه من تقلباته ، و نفوذ الأقدار فيه .
  577. و اعلم أن تلمح هذه الأشياء التي أشرت إليها يضرب عنق العجب ، و يذهب كبر الكبر .
  578. · فصل : إنما يتباين الناس بنزول البلاء
  579. من عاش مع الله عز وجل طيب النفس في زمن السلامة خفت عليه في زمن البلاء ، فهناك المحك .
  580. إن الملك عز وجل بينا يعطي نقص ، و بينا يعطي سلب ، فطيب النفس و الرضى هناك يبين .
  581. فأما من تواصلت لديه النعم فإنه يكون طيب القلب لتواصلها ، فإذا مسته نفحة من البلاء فبعيد ثيابه .
  582. قال الحسن البصري : [ كانوا يتساوون في وقت النعم فإذا نزل البلاء تباينوا ] .
  583. فالعقل من أعد ذخراً، و حصل زاداً ، من العدد للقاء حرب البلاء .
  584. و لا بد من لقاء البلاء ، و لو لم يكن إلا عند صرعه الموت ، فإنها إن نزلت و العياذ بالله فلم تجد معرفة توجب الرضى أو الصبر ، أخرجت إلى الكفر .
  585. و لقد سمعت بعض من كنت أظن فيه كثرة الخير و هو يقول في ليالي موته : ربي هو ذا يظلمني ، فلم أزل منزعجاً بتحصيل عدة ألقى بها ذلك اليوم .
  586. كيف و قد روى أن الشيطان يقول لأعوانه في تلك الساعة : [ عليكم بهذا ، فإن فاتكم لم تقدروا عليه ] .
  587. و أي قلب يثبت عند إمساك النفس ، و الأخذ بالكظم ، و نزع النفس و العلم بمفارقة المحبوبات إلى ما لا يدري ما هو ، و ليس في ظاهره إلا البقر و البلاء .
  588. فنسأل الله عز وجل يقيناً يقيناً شر ذلك اليوم ، لعلنا نصبر للقضاء ، أو نرضى به .
  589. و نر غب إلى مالك الأمور في أن يهب لنا من فواضل نعمه على أحبابه ، حتى يكون لقاؤه أحب إلينا من بقائنا ، و تفويضنا إلى تقديره أشهى لنا من اختيارنا .
  590. و نعوذ بالله من اعتقاد الكمال لتدبيرنا ، حتى إذا انعكس علينا أمر عدنا إلى القدر بالتسخط .
  591. و هذا هو الجهل المحض ، و الخذلان الصريح ، أعاذنا الله منه .
  592. · فصل : صفة العارف
  593. ليس في الدنيا و لا في الآخرة أطيب عيشاً من العارفين بالله عز وجل ، فإن العارف به مستأنس به في خلوته .
  594. فإن عمت نعمة علم من أهداها ، و إن مر مر حلا مذاقه في فيه ، لمعرفته بالمبتلي . و إن سأل فتعوق مقصوده ، صار مراده ما جرى به القدر ، علماً منه بالمصلحة بعد يقينه بالحكمة ، و ثقته بحسن التدبير .
  595. و صفة العارف أن قلبه مراقب لمعروفه ، قائم بين يديه ، ناظر بعيز اليقين إليه ، فقد سرى من بركة معرفته إلى الجوارح ما هذبها .
  596. فإن نطقت فلم أنطق بغيركم و إن سكت فأنتم عقد إضماري
  597. إذا تسلط على العارف أذى أعرض نظره عن السبب ، و لم ير سوى المسبب ، فهو في أطيب عيش معه . إن سكت تفكر في إقامة حقه ، و إن تكلم بما يرضيه ، لا يسكن قلبه إلى زوجة و لا إلى ولد ، و لا يتشبث بذيل محبة أحد .
  598. و إنما يعاشر الخلق ببدنه ، و روحه عند مالك روحه ، فهذا الذي لا هم عليه في الدنيا ، و لا غم عنده وقت الرحيل عنها ، و لا وحشة له في القبر ، و لا خوف عليه يوم المحشر .
  599. فأما من عدم المعرفة فإنه معثر لا يزال يضج من البلاء لأنه لا يعرف المبتلي ، و يستوحش لفقد غرضه لأنه لا يعرف المصلحة . و يستأنس بجنسه لأنه لا معرفة بينه و بين ربه ، و يخاف من الرحيل لأنه لا زاد له و لا معرفة بالطريق .
  600. و كم من عالم و زاهد لم يرزقا من المعرفة إلا ما رزقه العامي البطال ، و ربما زاد عليهما .
  601. و كم من عامي رزق منها ما لم يرزقاه مع اجتهادهما .
  602. و إنما هي مواهب و أقسام ، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء .
  603. · فصل : لا قيمة للجنة مع إعراض الحبيب
  604. بالله عليك يا مرفوع القدر بالتقوى ، لا تبع عزها بذل المعاصي .
  605. و صابر عطش الهوى في هجير المشتهى و إن أمض و أرمض .
  606. فإذا بلغت النهاية من الصبر فاحتكم و قل ، فهو مقام من لو أقسم على الله لأبره .
  607. تالله لولا صبر عمر ما انبسطت يده يضرب الأرض بالدرة .
  608. و لولا جد أنس بن النضير في ترك هواه ، و قد سمعت من آثار عزمته : [لئن أشهدني الله مشهداً ليرين ما أصنع ، فأقبل يوم أحد يقاتل حتى قتل فلم يعرف إلا ببنانه] . فلولا هذا العزم ما كان إنبساط وجهه يوم حلف و الله لا تكسر سن الربيع .
  609. بالله عليك تذوق حلاوة الكف عن المنهى ، فإنها شجرة تثمر عز الدنيا و شرف الآخرة .
  610. و متى اشتد عطشك إلى ما تهوى ، فابسط أنامل الرجاء إلى من عنده الري الكامل .
  611. و قل قد عيل صبر الطبع في سنيه العجاف ، فعجل لي العام الذي فيه أغاث و أعصر .
  612. بالله عليك تفكر فيمن قطع أكثر العمر في التقوى و الطاعة ثم عرضت فتنة في الوقت الآخر ، كيف نطح مركبه الجرف فغرق وقت الصعود .
  613. أف و الله للدنيا ، لابل للجنة إن أوجب نيلها إعراض الحبيب
  614. إنما نسب العامي باسمه و اسم أبيه ، فأما ذوو الأقدار فالألقاب قبل الأنساب .
  615. قل لي : من أنت ؟ و ما عملك ؟ و إلى أي مقام ارتفع قدرك ؟ يا من لا يصبر لحظة عما يشتهي .
  616. بالله عليك أتدري من الرجل ؟
  617. الرجل و الله من إذا خلا بما يحب من المحرم و قدر عليه و تقلل عطشاً إليه ، نظر إلى نظر الحق إليه فاستحى من إجالة همه فيما يكرهه ، فذهب العطش .
  618. كأنك لا تترك لنا إلا ما لا تشتهي ، أو مالا تصدق الشهوة فيه ، أو مالا تقدر عليه .
  619. كذا و الله عادتك إذا تصدقت أعطيتك كسرة لا تصلح لك ، أو في جماعة
  620. يمدحونك .
  621. هيهات و الله و لا نلت ولايتنا حتى تكون معاملتك لنا خالصة . تبذل أطايبك . و تترك مشتهياتك ، و تصبر على مكرهاتك .
  622. علماً منك تدخر ثوابك لدينا إن كنت معاملاً بأنك أجير و ما غربت الشمس فإن كنت محباً رأيت ذلك قليلاً في جنب رضى حبيبك عنك .
  623. وما كلامنا مع الثالث ... !!
  624. · فصل : لا تنكر نور الشمس و نظرك ضعيف
  625. رأيت في العقل نوع منازعة للتطلع إلى معرفة جميع حكم الحق عز وجل في حكمه . فربما لم يتبين له منها ـ مثل النقض بعد البناء ـ فيقف متحيراً .
  626. و ربما انتهز الشيطان تلك الفرصة ، فوسوس إليه : أين الحكمة من هذا ؟
  627. فقلت له : احذر أن تخدع يا مسكين ، فإنه قد ثبت بالدليل القاطع لما رأيت من إتقان الصنائع مبلغ حكمة الصانع ، فإن خفى عليك بعض الحكم فلضعف إدراكك .
  628. ثم ما زالت للمولك أسرار فمن أنت حتى تطلع بضعفك على جميع حكمه ؟
  629. يكفيك الجمل و إياك إياك أن تتعرض لما يخفى عليك .
  630. فإنك بعض موضوعاته ، و ذرة من مصنوعاته .
  631. فكيف تتحكم على من صدرت عنه ؟
  632. ثم قد ثبت عندك حكمته ، و حكمه و ملكه ، فأعمل آلتك على قدر قوتك في مطالعة ما يمكن من الحكم ، فإنه سيورثك الدهش .
  633. و اغمض عما يخفى عليك ، فحقيق بذي البصر الضعيف ألا ياوي نور الشمس .
  634. · فصل : أعط نفسك حقها و استوف حقك منها
  635. أعجب الأشياء مجاهدة النفس ، لأنها تحتاج إلى صناعة عجيبة .
  636. فإن أقواماً أطلقوها فيما تحب ، فأوقعتهم فيما كرهوا ، و إن أقواماً بالغوا في خلافها حتى منعوها حقها ، و ظلموها .
  637. و أثر ظلمهم لها في تعبداتهم ، فمنهم من أساء غذاءها فأثر ذلك ضعف بدنها عن إقامة واجبها .
  638. منهم من أفردها في خلوة أثمرت الوحشة من الناس و آلت إلى ترك فرض أو فضل من عيادة مريض ، أو بر والدة .
  639. و إنما الحازم من تعلم منه نفسه الجد و حفظ الأصول . فإذا فسح لها في مباح لم تتجاسر أن تتعداه .
  640. فيكون معها كالملك إذا مازح بعض جنده ، فإن لا ينبسط إليه الغلام . فإن انبسط ذكر هيبة المملكة .
  641. فكذلك المحقق يعطيها حظها ، و يستوفي منها ما عليها .
  642. · فصل : في فهم معنى الوجود
  643. رأيت عموم الخلائق يدفعون الزمان دفعاً عجيباً .
  644. إن طال الليل فيحديث لا ينفع ، أو بقراءة كتاب فيه غزاة و سمر .
  645. وإن طال النهار فالبالنوم .
  646. و هم في أطراف النهار على دجلة أو في الأسواق فشبهتهم بالمتحدثين في سفينة و هي تجري بهم ، و ما عندهم خبر .
  647. و رأيت النادرين قد فهموا معنى الوجود ، فهم في تعبئة الزاهد و التأهب للرحيل .
  648. إلا أنهم يتفاوتون ، و سبب تفاوتهم قلة العلم و كثرته بما ينفق في بلد الإقامة .
  649. فالمتيقظون منهم يتطلعون ، إلى الأخبار بالنافق هناك ، فيستكثرون منه فيزيد ربحهم .
  650. و الغافلون منهم يحملون ما إتفق ، و ربما خرجوا لا مع خفير .
  651. فكم ممن قد قطعت عليه الطريق فبقي مفلساً .
  652. فا الله الله في مواسم العمر .
  653. و البدار قبل الفوات .
  654. و استشهدوا العلم ، و استدلوا الحكمة ، و نافسوا الزمان ، و ناقشوا النفوس ، و استظهروا بالزاد .
  655. فكان قد حدا الحادي فلم يفهم صوته من وقع دمع الندم .
  656. · فصل : الصدق في القلب
  657. أضر ما على المريض التخليط ، و ما من أحد إلا و هو مريض بالهوى ، و الحمية هي رأس الدواء .
  658. و التخليط يديم المرض ، و تخليط أرباب الآخرة على ضربين : أحدهما : تخليط العلماء ، و هو إما لمخالطة الأضدادكالسلاطين ، فإنهم يضعفون قوى يقينهم . وكما زادت المخالطة ، يفقدون دليلهم عند المريدين .
  659. فإني إذا رأيت طبيباً يخلط و يحميني شككت أو وقفت .
  660. و الثاني : تخليط الزهاد ، و قد يكون بمخالطة أرباب الدنيا ، و قد يكون بحفظ الناموس في إظهار التخشع ، لاجتلاب محبة العوام .
  661. الله الله فإن ناقد الجزاء بصير ، و الإخلاص في الباطن ، و الصدق في القلب . ونعم طريق السلامة ستر الحال .
  662. اقرأ بعده:
  663. · فصل : في فضل العالم و العامل

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق