الأربعاء، 17 سبتمبر، 2014

7.عرض كتاب صيد الخاطر***

فصل : لا تغرك تأخير العقوبة

تأملت أحوال الناس فرأيت جمهورهم منسلاً من ربقه العبودية .
فإن تعبدوا فعادة أو فيما لا ينافي أغراضهم منافاة تؤذي القلوب
فأكثر السلاطين يحصلون الأموال من وجوه ردية ، و ينفقونها في وجوه لا تصلح .
و كأنهم قد تملكوها ، و ليست مال الله ، إذ غزا أحدهم ـ بإسمه ـ فغنم الأموال إصطفاها لنفسه و أعطاها أصحابه كيف إشتهى .
و العلماء لقوة فقرهم و شدة شرهم ، يوافقون الأمراء و ينخرطون في سلكهم .
و التجار على العقود الفاسدة ، و العوام في المعاصي و الإهمال لجانب الشريعة .
فإن فات بعض أغراضهم فربما قالوا : ما نريد أن نصلي ، و لا صلى الله عليهم .
و قد منعوا الزكاة و تركوا الأمر بالمعروف .
فمن الناس من يغره تأخير العقوبة ، و منهم من كان يقطع بالعفو ، و أكثرهم متزلزل الإيمان ، فنسأل الله أن يميتنا مسلمين

· فصل : و من يتق الله يجعل له مخرجاً


من العجيب سلامة دين ذي العيال إذا ضاق به الكسب ، فما مثله إلا كمثل الماء إذا ضرب في وجهه سكر ، فإنه يعمل باطناً و يبالغ حتى يفتح فتحة .
فكذلك صاحب العيال إذا ضاق به الأمر لا يزال يحتال ، فإذا لم يقدر على الحلال ، ترخص في تناول الشهيات ، فإن ضعف دينه مد يده إلى الحرام .
فالمؤمن إذا علم ضعفه عن الكسب إجتهد في التعفف عن النكاح ، و تقليل النفقة إذا حصل الأولاد ، و القناعة باليسير .
فأما من ليس له كسب كالعلماء و المتزهدين ، فسلامتهم ظريفة ، إذ قد إنقطعت موارد السلاطين عنهم ، و مراعاة العوام لهم ، فإذا كثرت عائلتهم لم يؤمن عليهم شر ما يجري على الجهال .
فمن قدر منهم على كسب بالنسخ و غيره فليجتهد فيه مع تقليل النفقة و القناعة باليسير .
فإنه من ترخص منهم اليوم أكل الحرام ، لأنه يأخذ من الظلمة خصوصاً بحجة التنمس و التزهد .
و من كان له منهم مال فليجتهد في تنميته و حفظه ، فما بقي من يؤثر و لا من يقرض .
و قد صار الجمهور بل الكل كأنهم يعبدون المال ، فمن حفظه حفظ دينه .
و لا يلتفت إلى قول الجهلة الذين يأمرون بإخراج المال ، فما هدا وقته .
و اعلم أنه إذا لم يجتمع الهم ، لم يحصل العلم و لا العمل و لا التشاغل بالفكر في عظمة الله .
و قد كان هم القدماء يجتمع بأشياء جمهورها أنه كان لهم من بيت المال نصيب في كل عام .
و كان يصلهم فيفضل عنهم .
و فيهم من كان له مال يتجر به كسعيد بن المسيب ، و سفيان ، و ابن المبارك ، و كان همه مجتمعاً ، و قد قال سفيان في ماله : [ لو لاك لتمندلوا بي ! ] .
و فقدت بضاعة [ لا بن المبارك ] فبكى و قال : [ هو قوام ديني ] .
و كان جماعة يسكنون إلى عطاء الإخوان الذين لا يمنون .
و كان ابن المبارك يبعث إلى الفضل و غيره ، و كان الليث بن سعد يتفقد الأكابر ، فبعث إلى مالك ألف دينار ، و إلى ابن لهيعة ألف دينار ، و أعطى منصور بن عمار ألف دينار و جارية بثلاثمائة دينار .
و ما زال الزمان على هذا إلى أن آل الأمر إلى إنمحاق ذلك ، فقلت عطايا السلاطين ، و قل من يؤثر من الإخوان .
إلا أنه كان في ذلك القليل ما يدفع الزمان .
فأما زماننا هذا ، فقد إنقبضت الأيدي كلها ، حتى قل من يخرج الزكاة الواجبة ، فكيف يجتمع هم من يريد من العلماء و الزهاد أن يعمل همه ليلاً و نهاراً في وجوه الكسب و ليس من شأنه هذا و لا يهتدي له .
فقد رأينا الأمر أخرج إلى التعرض للسلاطين و الترخص في أخذ ما لا يصلح و أخرج المتزهدين إلى التصنع لتحصيل الدنيا .
فالله الله يا من يريد حفظ دينه ، قد كررت عليك الوصية بتقليل جهدك ، و خفف العلائق مهما أمكنك ، و إحتفظ بدرهم يكون معك فإنه دينك ، و إفهم ما قد شرحته ، فإن ضجت النفس لمراداتها فقل لها : إن كان عندك إيمان فأصبري ، و إن أردت التحصيل لما يفنى ببذل الدين فما ينفعك .
فتفكري في العلماء الذين جمعوا المال من غير و جهه و في المنمسين ذهب دينهم ، و زالت دنياهم .
تفكري في العلماء الصادقين كأحمد و بشر ، إندفعت الأيام و بقي لهم حسن الذكر .
و في الجملة و من يتق الله يجعل له مخرجاً * و يرزقه من حيث لا يحتسب .
و رزق الله قد يكون بتيسير الصبر على البلاء و الأيام تندفع .
و عاقبة الصبر الجميل جميلة .



· فصل : إنما تؤتى البيوت من أبوابها


شكا لي رجل من بغضه لزوجته ثم قال : ما أقدر على فراقها لأمور ، منها كثرة دينها علي ، و صبري قليل ، و لا أكاد أسلم من فلتات لساني في الشكوى ، و في كلمات تعلم بغضي لها .
فقلت له : هذا لا ينفع و إنما تؤتى البيوت من أبوابها ، فينبغي أن تخلو بنفسك فتعلم أنها إنما سلطت عليك بذنوبك ، فتبالغ في الإعتذار و التوبة .
فأما الضجر و الأذى لها فما ينفع كما قال الحسن بن الحجاج : [ عقوبة من الله لكم ، فلا تقابلوا عقوبته بالسيف ، و قابلوها بالإستغفار ] .
و اعلم أنك في مقام مبتلي ، و لك أجر بالصبر و عسى أن تكرهوا شيئاً و هو خير لكم .
فعامل الله سبحانه بالصبر على ما قضى ، و إسأله الفرج .
فإذا جمعت بين الاستغفار و بين التوبة من الذنوب ، و الصبر على القضاء ، و سؤال الفرج ، حصلت ثلاثة فنون من العبادة تثاب على كل منها .
و لا تضيع الزمان بشيء لا ينفع ، و لا تحتل ظاناً منك أنك تدفع ما قدر ، و إن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو .
و قد روينا أن جندياً نزل يوماً في دار أبي يزيد ، فجاء أبو يزيد فرآه ، فوقف و قال لبعض أصحابه : أدخل إلى المكان الفلاني ، فاقلع الطين الطري ، فإنه من وجه فيه شبهة ، فقلعه ، فخرج الجندي .وأما أذاك للمرأة فلا وجه له ، لأنها مسلطة فليكن شغلك بغير هذا .
و قد روي عن بعض السلف أن رجلاً شتمه فوضع خده على الأرض و قال : [ اللهم إغفر لي الذنب الذي سلطت هذا به علي ]
قال الرجل : و هذه المرأة تحبني زائداً في الحد ، و تبالغ في خدمتي ، غير أن البغض لها مركوز في طبعي .
قلت له : فعامل الله سبحانه بالصبر عليها ، فإنك تثاب .
و قد قيل لأبي عثمان النيسابوري : ما أرجى عملك عندك ؟
قال : كنت في صبوتي يجتهد أهلي أن أتزوج فأبى .
فجاءتني امرأة فقالت : يا أبا عثمان ، إني قد هويتك ، و أنا أسألك بالله أن تتزوجني .
فأحضرت أباها ـ و كان فقيراً ـ فزوجني و فرح بذلك .
فلما دخلت إلي رأيتها عوراء عرجاء مشوهة .
و كانت لمحبتها لي تمنعني من الخروج ، فأقعد حفظاً لقلبها ، و لا أظهر لها من البغض شيئاً ، و كأني على جمر الغضا من بغضها .
فبقيت هكذا خمس عشرة سنة ، حتى ماتت ، فما من عملي شيء هو أرجى عندي من حفظي قلبها .
قلت له : فهذا عمل الرجال ، و أي شيء ينفع ضجيج المبتلي بالتضجر بإظهار البغض .
و إنما طريقه ما ذكرته لك من التوبة و الصبر ، و سؤال الفرج .
و تذكر ذنوباً كانت هذه عقوبتها .
فإن وقع فرج في الحساب و إلا فإستعمال الصبر على القضاء عبادة .
و تكلف إظهار المودة لها و إن لم تكن في قلبك تثبت على هذا .
و ليس للقيد ذنب فيلام ، إنما ينبغي التشاغل مع من قيده و السلام .



· فصل : طاعة الله يفتقر إلى جمع الهم


لا ريب أن القلب المؤمن بالإله سبحانه و بأوامره يحتاج إلى الإنعكاف على ذكره و طاعته و إمتثال أوامره ، و هذا يفتقر إلى جمع الهم .
و كفى بما وضع في الطبع من المنازعة إلى الشهوات مشتتاً للهم المجتمع .
فينبغي للإنسان أن يجتهد في جمع همه لينفرد قلبه بذكر الله سبحانه و تعالى و إنفاذ أوامره و التهيؤ للقائه .
و ذلك إنما يحصل بقطع القواطع ، و الامتناع عن الشواغل .
و ما يمكن قطع القواطع جملة ، فينبغي أن يقطع ما يمكن منها .
و ما رأيت مشتتاً للهم ، مبدداً للقلب مثل شيئين :
أحدهما : أن تطاع النفس في طلب كل شيء تشتهيه و ذلك لا يوقف على حد فيه ، فيذهب الدين و الدنيا و لا ينال كل المراد . مثل أن تكون الهمة في المستحسنات أو في جمع المال أو في طلب الرياسة ، و ما يشبه هذه الأشياء .
فيا له من شتات لا جامع له ، يذهب العمر و لا ينال بعض المراد منه .
و الثاني : مخالطة الناس خصوصاً العوام و المشي في الأسواق ، فإن الطبع يتقاضى بالشهوات و ينسى الرحيل عن الدنيا ، و يحب الكسل عن الطاعة ، و البطالة و الغفلة و الراحة .
فيثقل على من ألف مخالطة الناس و التشاغل بالعلم أو بالعبادة .
و لا يزال يخالطهم حتى تهون عليه الغيبة و تضيع الساعات في غير شيء . فمن أراد اجتماع همه فعليه بالعزلة بحيث لا يسمع صوت أحد ، فحينئذ يخلو القلب بمعارفة ، و لا تجد النفس رفيقاً مثل الهوى يذكرها ما تشتهي .
فإذا اضطر إلى المخالطة كان على وفاق ، كما تتهوى الضفدع لحظة ثم تعود إلى الماء فهذه طريق السلامة .
فتأمل فوائدها تطب لك .



· فصل : لا تسبوا الدهر


ما رأيت عيني مصيبة نزلت بالخلق أعظم من سبهم للزمان ، و عيبهم للدهر .
و قد كان هذا في الجاهلية ، ثم نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم عن ذلك فقال : لا تسبوا الدهر ، فإن الله هو الدهر .
و معناه أنتم تسبون من فرق شملكم ، و أمات أهاليكم ، و تنسبونه إلى الدهر ، و الله تعالى هو الفعل لذلك .
فتعجبت كيف أعلم أهل الأسقام بهذه الحال ، و هم على ما كان أهل الجاهلية عليه ما يتغيرون ، حتى ربما إجتمع الفطناء الأدباء الظراف على زعمهم فلم يكن لهم شغل إلا ذم الدهر .
و ربما جعلوا الله الدنيا ، و يقولون : فعلت و صنعت ، حتى رأيت لأبي القاسم الحريري يقول :
و لما تعامى الدهر و هو أبو الردى عن الرشد في أنحائه و مقاصده
تعاميت حتى قيل إني أخو عمى و لا غرو أن يحذر الفتى حذو والده
و قد رأيت خلقاً يعتقدون أنهم فقهاء و فهماء و لا يتاحشون من هذا .
و هؤلاء إن أرادوا بالدهر مرور الزمان ، فذاك لا إختيار له و لا مراد و لا يعرف رشداً من ضلال ، و لا ينبغي أن يلام .
فإنه زمان مدبر ، فيتصرف فيه و لا يتصرف .
و ما يظن بعاقل أن يشير إلى أن المذموم المعرض عن الرشد ، السيء الحكم ، هو الزمان .
فلم يبق إلا أن القوم خرجوا عن ربقة الإسلام ، و نسبوا هذه القبائح إلى الصانع ، فإعتقدوا فيه قصور الحكمة ، و فعل ما لا يصح ، كما إعتقده إبليس في تفضيل آدم .
و هؤلاء لا ينفعهم ، مع هذا الزيغ ، إعتقاد إسلام ، و لا فعل صلاة .
بل هم شر من الكفار ، لا أصلح الله لهم شأناً ، و لا هداهم إلى رشاد .



· فصل : العمر قصير


من عجائب ما أرى من نفسي و من الخلق كلهم الميل إلى الغفلة عما في أيدينا ، مع العلم بقصر العمر ، و أن زيادة الثواب هناك بقدر العمل ههنا .
فيا قصير العمر اغتنم يومي مني ، و انتظر ساعة النفر ، و إياك أن تشغل قلبك بغير ما خلق له .
و احمل نفسك على المر ، و اقمعها إذا أبت ، و لا تسرح لها في الطول ، فما أنت إلا في مرعى .
و قبيح بمن كان بين الصفين أن يتشاغل بغير ما هو فيه .



· فصل : لا تغتر بمن يظهر التدين


قد كررت هذا المعنى في هذا الكتاب ، و هو الأمر بحفظ السر ، و الحذر من الإنبساط فيما لا يصح بين يدي الناس .
فرب منبسط ـ بين يدي من يظنه صديقاً ـ يقول في صديق أو في سلطان لا يهتم في ذلك ، فيكون سبب هلاك ذاك .
فأوصى السليم الصدر الذي يظن في الناس الخير أن يحترز من الناس ، و ألا يقول في الخلق كلمة لا تصلح للخلق .
و لا يغتر بمن يظهر الصداقة أو التدين ، فقد عم الخبث .



· فصل : عادات أهل اليقظة عبادة



تأملت على أكثر الناس عباداتهم ، فإذا هي عادات .
فأما أرباب اليقظة ، فعاداتهم عبادة حقيقية .
فإن الغافل يقول سبحان الله عادة ، و المتيقظ لا يزال كفكره في عجائب المخلوقات أو في عظمة الخالق ، فيحركه الفكر في ذلك فيقول : سبحان الله .
و لو أن إنساناً تفكر في رمانة ، فنظر في تصفيف حبها و حفظه بالأغشية لئلا يتضاءل ، و إقامة الماء على عظم العجم ، و جعل الغشاء عليه يحفظه ، و تصوير الفرخ في بطن البيضة و الآدمي في حشاء الأم ، إلى غير ذلك من المخلوقات ، أزعجه هذا الفكر إلى تعظيم الخالق ، فقال : سبحان الله ، و كان هذا التسبيح ثمرة الفكر ، فهذا تسبيح المتيقظين .
و ما تزال أفكارهم تجول فتقع عباداتهم بالتسبيحات محققة ، و كذلك يتفكرون في قبائح ذنوب قد تقدمت فيوجب ذلك الفكر ، و قلق القلب و ندم النفس، فيثمر ذلك أن يقول قائلهم : أستغفر الله 
فهذا هو التسبيح و الإستغفار .
فأما الغافلون فيقولون ذلك عادة ، و شتان ما بين الفريقين .



· فصل : الأسواق تلهي و تلغي



لا يصفو التعبد و التزهد و الإشتغال بالآخرة إلا بالإنقطاع الكلي عن الخلق ، بحيث لا يبصرهم و لا يسمع كلامهم إلا في وقت ضرورة كصلاة جمعة أو جماعة ، و يحترز في تلك الساعات منهم .
و إن كان عالماً يريد نفعهم ، و عدهم وقتاً معروفاً و إحترز في الكلام معهم .
أما من يمشي في الأسواق اليوم ، و يبيع و يشتري مع هذا العالم المظلم ، و يرى المنكرات و المستهجنات ، فما يعود إلى البيت إلا وقد أظلم القلب .
فلا ينبغي للمريد أن يكون خروجه إلا إلى الصحراء و المقابر .
وقد كان جماعة من السلف يبيعون و يشترون و يحترزون ، و مع هذا ما صفا لصافيهم وقت حتى قاطع الخلق .
قال أبو الدرداء : [ زاولت العبادة و التجارة فلم يجتمعا فإخترت العبادة ] .
و قد جاء في الحديث : الأسواق تلهي و تلغي .
فمن قدر على الحمية النافعة و إضطر إلى المخالطة و الكسب للعائلة ، فليحترز إحتراز الماشي في الشوك ، و بعيد سلامته .



· فصل : تدوم الحال بالتقوى


من رزق قلباً طيباً ، و لذة مناجاة ، فليراع حاله ، و ليحترز من التغيير .
و إنما تدوم له حالة بدوام التقوى .
و كنت قد رزقت قلباً طيباً و مناجاة خلوة فأحضرني بعض أرباب المناصب إلى طعامه فلما أمكن خلافه . فتناولت وأكلت منه فلقيت الشدائد ، و رأيت العقوبة في الحال ، و استمرت مدة ، و غضبت على قلبي ، و فقدت كل ما كنت أجده .
فقلت : واعجباً لقد كنت في هذا كالمكره ، فتفكرت و إذا به قد يمكن مداراة الأمر بالقيمات يسيرة ، إنما التأويل جعل تناول هذا الطعام بشهوة أكثر مما يدفع بالمداراة .
فقالت النفس : و من أين لي أن عين هذا الطعام حرام ؟ .
فقالت اليقظة : و أين الورع عن الشبهات ؟ .
فلما تناولت بالتأويل لقمة و أستجلبتها بالطبع لقيت الأمرين بفقد القلب فاعتبروا يا أولي الأبصار .



· فصل : اليقظة الدائمة



همة المؤمن متعلقة بالآخرة ، فكل ما في الدنيا يحركه إلى ذكر الآخرة ، و كل من شغله شيء فهمته شغله .
ألا ترى أنه لو دخل أرباب الصنائع إلى دار معمورة ، رأيت البزار ينظر إلى الفرش و يحزر قيمة ، و النجار إلى السقف ، و البناء إلى الحيطان ، و الحائك إلى النسيج المخيط .
و المؤمن إذا رأى ظلمة ذكر ظلمة القبر ، و إن رأى مؤلماً ذكر العقاب ، و إن سمع صوتاً فظيعاً ذكر نفخة الصور ، و إن رأى الناس نياماً ذكر الموتى في القبور ، و إن رأى لذة الجنة ، فهمته متعلقة بمآثم ، و ذلك يشغله عن كل مأتم .
و أعظم ما عنده أنه يتخايل دوام البقاء في الجنة ، و أن بقاءه لا ينقطع و لا يزول و لا يعتريه منغص ، فيكاد إذا تخايل نفسه متقلباً في تلك اللذات الدائمة التي لا تفنى يطيش فرحاً و يسهل عليه ما في الطريق إليها من ألم و مرض و ابتلاء و فقد محبوب و هجوم الموت و معالجة غصصه .
فأن المشتاق إلى الكعبة يهون عليه رمل زرود ، و التائق إلى العافية لا يبالي بمرارة الدواء .
و يعلم أن جودة الثمر ثم على مقدار جودة البذر ههنا ، فهو يتخير الأجود ، و يغتنم الزرع في تشرين العمر من غير فتور .
ثم يتخايل المؤمن دخول النار و العقوبة ، فينغص عيشه و يقوى قلقه ، فعنده بالحالين شغل عن الدنيا و ما فيها ، فقلبه هائم في بيداء الشوق تارة و في صحراء أخرى ، فما يرى البنيان .
فإذا نازله الموت قوى ظنه بالسلامة ، و رجا لنفسه النجاة فيهون عليه .
فإذا نزل إلى القبر و جاءه من يسألونه ، قال بعضهم لبعض : دعوه فما إستراح إلا الساعة .
نسأل الله عز وجل يقظة تامة تحركنا إلى طلب الفضائل ، و تمنعنا من إختيار الرذائل ، فإنه إن وفق ، و إلا فلا نافع .



· فصل : الله لا يختار إلا الكامل



لقد إعتبرت على مولاي سبحانه و تعالى أمراً عجيباً ، و هو أنه تعالى لا يختار لمحبته و القرب منه إلا الكامل صورة و معنى .
و لست أعني حسن التخاطيط ، و إنما كمال الصورة إعتدالها ، و المعتدلة ما تخلو من حسن ، فيتبعها حسن الصورة الباطنة ، و هو كمال الأخلاق ، و زوال الأكدار ، و لا يرى في باطنه خبثاً و لا كدراً ، بل قد حسن باطنه كما حسن ظاهره .
و قد كان موسى عليه السلام كل من رآه يحبه ، و كان نبينا صلى الله عليه و سلم كالقمر ليلة البدر .
و قد يكون الولي أسود اللون ، لكنه حسن الصورة لطيف المعاني
فعلى قدر ما عند الإنسان من التمام في كمال الخلق و الخلق ، يكون عمله ، و يكون تقريبه إلى الحضرة بحسب ذلك .
فمنهم كالخادم على الباب ، و منهم حاجب ، و منهم قرب ، و يندر من يتم له الكمال .
و لعله لا يوجد في مائة سنة منهم غير واحد .
و هذه حكاية ما تحصل بالإجتهاد ، بل الإجتهاد يحصل منها ، لأنه إذا وقع تماماً حث على الجد على قدر نقصائه .
و هذا لا حيلة في أصله . إنما هو جبلة ، و إذا أرادك لأمر هيأك له .



· فصل : العقل منحة من الله



تأملت على قوم يدعون العقول و يعترضون على حكمة الخالق .
فينبغي أن يقال لهم : هذا الفهم الذي دلكم على رد حكمته أليس هو من منحه ؟
أفأعطاكم الكمال و رضي لنفسه بالنقص هذا هو الكفر المحض ، الذي يزيد في القبح على الجحد .
فأول القوم إبليس ، فإنه رأى بعقله أن جوهر النار أشرف من جوهر الطين ، فرد حكمة الخالق .
و مر على هذا خلق كثير من المعترضين ، مثل ابن الرواندي ، و البقري ، و هذا المعري اللعين يقول : كيف يعاب ابن الحجاج بالسخف و الدهر أقبح فعلاً منه .
أترى يعني به الزمان ! فإن ممر الأوقات لا يفعل شيئاً ، و إنما هو تعريض بالله جل شأنه . و كان يستعجل الموت ظناً منه أنه يستريح .
و كان يوصي بترك النكاح و النسك ، و لا يرى في الإيجاد حكمة إلا العناء و التعب و مصير الأبدان إلى البلى .
و هذا لو كان كما ظن كان الإيجاد عبثاً ، و الحق منزه عن العبث قال تعالى : : و ما خلقنا السماء و الأرض و ما بينهما باطلاً .
فإذا كان ما خلق لنا لم يخلق عبثاً ، أفنكون نحن ، و نحن مواطن معرفته ، و مجال تكليفه ، قد وجدنا عبثاً ؟
و مثل هذا الجهل إنما يصدر ممن ينظر في قضايا العقول التي يحكم بها على الظواهر ، مثل أن يرى مبنياً ينقض .
و العقل بمجرده لا يرى ذلك حكمة . و لو كشفت له حكمة ذلك لعلم أنه صواب .
كما كشف لموسى مراد الخضر في خرق السفينة و قتل الغلام .
و معلوم أن ذبح الحيوان ، و تقطيع الرغيف ، و مضغ الطعام ، لا يظهر له فائدة على الإطلاق .
فإذا علم أنه غذاء لبدن من هو أشرف بدناً من المذبوح ، حسن ذلك الفعل .
و اعجب أو ما تقضي العقول بوجوب طاعة الحكيم الذي تعجز عن معرفة حكمة مخلوقاته .
فكيف تعارضه في أفعاله ؟ نعوذ بالله من الخذلان .



· فصل : وعظ السلطان و مراعاة الأحوال


ينبغي لمن وعظ سلطاناً أن يبالغ في التلطيف ، و لا يواجهه بما يقتضي أنه ظالم .
فإن السلاطين حظهم التفرد بالقهر و الغلبة ، فإذا جرى نوع توبيخ لهم كان إذلالاً ، و هم لا يحتملون ذلك .
و إما ينبغي أن يمزج وعظه بذكر شرف الولاية ، حصول الثواب في رعاية الرعايا ، و ذكر سير العادلين من أسلافهم .
ثم لينظر الواعظ في حال الموعوظ قبل وعظه .
فإن كانت سيرته حميدة كما كان منصور بن عمار و غيره يعظون الرشيد و هو يبكي ، و ذكر و قصده الخير ، زاد في وعظه و وصيته .
و إن رآه ظالماً لا يلتفت إلى الخير ، و قد غلب عليه الجهل ، اجتهد في ألا يراه ، و لا يعظه .
لأنه إن وعظه خاطر بنفسه ، و إن مدحه كان مداهناً .
فإن اضطر إلى موعظته كانت كالإشارة ، و قد كان أقوام من السلاطين يلينون عند الموعظة ، و يحتملون الواعظين .
حتى أنه قد كان المنصور يواجه بأنك ظالم فيصبر .
و قد تغير الزمان ، و فسد أكثر الولاة ، و داهنهم العلماء ، و من لا يداهن لا يجد قبولاً للصواب ، فيسكت .
و قد كانت الولايات لا يسألها إلا من أحكمته العلوم ، و ثقته التجارب ، فصار أكثر الولاة يتساوون في الجهل ، فتأتي الولاية على من ليس من أهلها .
و مثل هؤلاء ينبغي الحذر منهم ، و البعد عنهم .
فمن ابتلى بوعظهم فليكن على غاية التحرز فيما يقول ، و لا ينبغي أن يغتر بقولهم : عظناً . فإنه لو قال كلمة لا توافق أغراضهم ثارت حراراتهم .
و ليحذر مذكر السلطان أن يعرض له بأرباب الولايات ، فإنهم إذا سمعوا بذلك صار الواعظ مقصوداً لهم بالإهلاك ، خوفاً من أن يعتبر السلطان أحوالهم فتفسد أمورهم .
و البعد في هذا الزمان عنهم أصلح ، و السكوت عن المواعظ لهم أسلم .
فمن اضطر تلطف غاية التلطيف ، جعل وعظه للعوام و هم يسمعون و لا يعنيهم منه بشيء . و الله الموفق .



· فصل : فيمن إدعوا النبوة و من إدعوا الكرامات


الحق لا يشتبه بباطل ، إنما يموه الباطل عند من لا فهم له .
هذا في حق من يدعي النبوات ، و في حق من يدعي الكرامات .
أما النبوات فإنه إدعاها خلق كثير ظهرت قبائحهم ، و بانت فضائحم و منها ما أوجبته خسة الهمة و التهتك في الشهوات ، و التهافت في الأقوال و الأفعال
، حتى افتضحوا .
فمنهم الأسود العنسي ، إدعى النبوة و لقب نفسه ذا الحمارة ، لأنه كان يقول : يأتيني ذو الحمار . و كان أول أمره كاهناً يشعوذ فيظهر الأعاجيب . فخرج في أواخر حياة النبي صلى الله عليه و سلم فكاتبه مذحج و نجران و أخرجوا عمرو بن حزم و خالد بن سعيد صاحبي رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و صفا له اليمن ، و قاتل شهر بن باذان فقتله و تزوج إبنته فأعانت على قتله فهلك في حياة رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و بان للعقلاء أنه كان يشعبذ .
و منهم مسيلمة ، إدعى النبوة و تسمى رحمن اليمامة ، لأنه كان يقول : الذي يأتيني رحمان .
فآمن برسول الله صلى الله عليه و سلم و ادعى أنه قد أشرك معه ، فالعجب أنه يؤمن برسول و يقول إنه كذاب . ثم جاء بقرآن يضحك الناس ، مثل قوله : يا ضفدع بنت ضفدعين ، نقي ما تنقين ، أعلاك في الماء و أسفلك في الطين ، و من العجائب شاة سوداء تحلب لبنا أبيض . فانهتك ستره في الفصاحة .
ثم مسح بيده على رأس صبي فذهب شعره . و بصق في بئر فيبست .
و تزوج سجاح التي إدعت النبوة فقالوا : لا بد لها من مهر ، فقال : مهرها أني قد أسقطت عنكم صلاة الفجر و العتمة .
و كانت سجاح هذه قد إدعت النبوة بعد موت رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فإستجاب لها جماعة فقالت : أعدوا الركاب ، و إستعدوا للنهاب ، ثم أعبروا على الرباب ، فليس دونهم حجاب ، فقاتلوهم .
ثم قصدت اليمامة فهابها مسيلمة فراسلها و أهدى لها فحضرت عنده فقالت : إقرأ علي ما يأتيك به جبريل .
فقال : إنكن معشر النساء خلقتن أفواجاً ، و جعلتن لنا أزواجأً ، نولجه فيكن إيلاجاً . فقالت : صدقت أنت نبي .
فقال لها : قومي إلى المخدع ، فقد هيىء لك المضجع ، فإن شئت مستلقاة ، و إن شئت على أربع ، و إن شئت بثلثيه ، و إن شئت به أجمع ، فقالت : بل به أجمع ، فهو للشمل أجمع .
فافتضحت عند العقلاء من أصحابها ، فقال منهم عطارد بن حاجب :
أضحت نبيتنا أنثى يطاف بها و أصبحت أنبياء الناس ذكراناً
فلعنة الله رب الناس كلهم على سجاح و من بالإفك أغواناً
أعني مسيلمة الكذاب لا سقيت أصداؤه من رعيت حيثما كانا
ثم أنها رجعت عن غيها و أسلمت ، و ما زالت تبين فضائح مسيلمة حتى قتل .
و منهم طليحة بن خويلد ، خرج بعد دعوى مسيلمة النبوة و تبعه عوام و نزل سميراً ، فتسمى بذي النون ، يقول : إن الذي تأتيه يقال له ذو النون .
و كان من كلامه : إن الله لا يصنع بتعفير وجوهكم و لا قبح أدباركم شيئاً فأذكروا الله أعفة قياماً .
و من قرآنه : و الحمام و اليمام ، و الصراد الصوام ، ليبلغن ملكنا العراق و الشام .
تبعه عيينة بن حصين ، فقاتله خالد بن الوليد .
فجاء عيينة إلى طليحة فقال : و يحك أجاءك الملك ؟ قال : لا ، فارجع فقاتل ، فقاتل .
ثم عاد ، فقال : أجاءك ؟ فقال : فقال : لا ، فعاد فقاتل .
ثم عاد ، فقال : أجاءك ؟ قال : نعم .
قال : ما قال لك ؟ قال : قال إن لك جيشاً لا تنساه .
فصاح عيينة : الرجل ـ و الله ـ كذاب .
فانصرف الناس منهزمين ، و هرب طليحة إلى الشام ، ثم أسلم وصح إسلامه و قتل بنهاوند .
و ذكر الواقدي : أن رجلاً من بني يربوع يقال له جندب بن كلثوم ، كان يلقب كرداناً ، إدعى النبوة على رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و كان يزعم أن دليله على نبوته أنه يسرج مسامير الحديد و الطين . و هذا لأنه كان يطلي ذلك بدهن البيلسان فتعمل فيه النار .
و قد تنبأ رجل يقال له كهمش الكلابي ، كان يزعم أن الله تعالى أوحى إليه : [ يا أيها الجائع ، إشرب لبناً تشبع ، و لا تضرب الذي لا ينفع ، فإنه ليس بمقنع ] .
و زعم أن دليله على نبوته أنه يطرح بين السباع الضارية فلا تأكله ، وحيلته في ذلك أنه يأخذ دهن الغار و حجر البرسان و قنفدا محرقاً و زيد البحر و صدفاً محرقاً مسحوقاً و شيئاً من الصبر الحبط فيطلي به جسمه ، فإذا قربت منه السباع فشمت تلك الأرياح و زفورتها نفرت .
و تنبأ بالطائف رجل يقال له أبو جعوانة العامري ، و زعم أن دليله أنه يطرح النار في القطن فلا يحترق . و هذا لأنه يدهنه بدهن معروف .
و منهم هذيل بن يعفور من بني سعد بن زهير ، حكى عنه الأصمعي أنمه عارض سورة الإخلاص فقال : قل هو الله أحد إله كالأسد ، جالس على الرصد ، لا يفوته أحد .
و منهم هذيل بن واسع كان يزعم أنه من ولد النابغة الذبياني ، عارض سورة الكوثر ، فقال له رجل ما قلت ؟ فقال : إنا أعطيناك الجوهر ، فصل لربك و جاهر ، فما يردنك إلا كل فاجر .
فظهر عليه السنوري فقتله و صلبه على العمود ، فعبر عليه الرجل فقال : إنا أعطيناك العمود ، فصل لربك من قعود ، بلا ركوع و لا سجود فما أراك تعود .
و ممن ظهر فإدعى أنه يوحى إليه ، المختار بن أبي عبيد ، و كان متخبطاً في دعواه ، و قتل خلقاً كثيراً ، و كان يزعم أنه ينصر الحسين رضوان الله عليه ، ثم قتل .
و منهم حنظلة بن يزيد الكوفي ، كان يزعم أن دليل أنه يدخل البيضة في القنينة و يخرجها منها صحيحة ، ذلك أنه كان ينقع البيضة في الخل الحامض فيلين قشرها ثم يصب ماء في قنينة ، ثم يدس البيضة فيها ، فإذا لقيت الماء صلبت .
و قد تنبأ أقوام قبل نبينا صلى الله عليه و سلم ، كزرادشت و ماني و افتضحوا .
و ما من المدعين إلا من خذل .
و قد جاءت القرامطة بحيل عجيبة ، و قد ذكرت جمهور هؤلاء و حيلهم في كتابي التاريخ المسمى بالمنتظم ، و ما فيهم من يتم له أمر إلا و يفتضح .
و دليل صحة نبوة نبينا صلى الله عليه و سلم أجلى من الشمس .
فإنه ظهر فقيراً و الخلق أعداؤه فوعد بالملك فملك . و أخبر بما سيكون فكان ، و صين من زمن النبوة عن الشره و خساسة الهمة و الكذب و الكبر .
و أيد بالثقة و الأمانة و النزاهة و العفة ، و ظهرت معجزاته للبعيد و القريب .
و أنزل عليه الكتاب العزيز الذي حارت فيه عقول الفصحاء ، و لم يقدروا على الإتيان بآية تشبهه فضلاً عن سورة .
و قد قال قائلهم و افتضح ، ثم أخبر أنه لا يعارض فيه كما قال . و ذلك قوله تعالى : فاتوا بسورة ثم قال : فإن لم تفعلوا و لن تفعلوا و كذلك قوله : فتمنوا الموت و لن يتمنوه فما تمناه أحد .
إذا لو قال قائل : قد تمنيته لبطلت دعواه .
و كان يقول ليلة غزاة بدر : [ غداً مصرح فلان ههنا فلا يتعداه ] .
و قال : [ إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده ، و إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده ، فما ملك بعدهما من كان له كبير قدر . و لا من إستتب له حال ] .
و من أعظم دليل على صدقه أنه لم يرد الدنيا ، فكان يبيت جائعاً ، و يؤثر إذا وجد ، و يلبس الصوف ، و يقوم الليل .
و إنما تطلب النواميس لاجتلاب الشهوات ، فلما لم يردها دل على أنه يدل على الآخرة التي هي حق .
ثم لم يزل دينه حتى عم الدنيا ، و إن كان الكفر في زوايا الأرض ، إلا أنه مخذول .
و صار في تابعيه من أمته الفقهاء الذين لو سمع كلامهم الأنبياء القدماء تحيروا في حسن إستخراجهم ، و الزهاد الذين لو رآهم الرهبان تحيروا في صدق زهدهم ، و الفطناء الذين لا نظير لم في القدماء .
أو ليس قوم موسى يعبدون بقرة ، و يتوقفون في ذبح بقرة ، و يعبرون البحر ، ثم يقولون : إجعل لنا إلها ؟
و قوم عيسى يدخرون من المائدة و قد نهوا .
و المعتدون في السبت يعصون الله لأجل الحيتان .
و أمتنا بحمد الله تعالى سليمة من هذه الأشياء ، و إنما في بعضا ميل إلى الشهوات المنهي عنها ، و ذلك من الفروع لا من الأصول .
فإذا ذكروا بكوا و ندموا على تفريطهم .
فنحمد الله على هذا الدين ، و على أننا من أمة هذا الرسول صلى الله عليه و سلم .
و قد كان جماعة من المتصنعين بالزهد مالوا إلى طلب الدنيا و الرياسة ، فإستغواهم الهوى فخرقوا بإظهار ما يشبه الكرامات ، كالحلاج ، و ابن الشاش ، و غيرهما ممن ذكرت حال تلبيسه في كتاب تلبيس إبليس .
و إنما فعلوا ذلك لاختلاف أغراضهم ، و لم يزل الله ينشىء في هذا الدين من الفقهاء من يظهر ما أخفاه القاصرون .
كما ينشىء من علماء الحديث من يهتك ما أشاعه الواضعون ، حفظاً لهذا الدين و دفعاً للشبهات عنه .
فلا يزال الفقيه و المحدث يظهران عوار كل ملبس بوضع حديث أو بإظهار دعوى تزهد و تنميس فلا يؤثر ما إدعياه إلا عند جاهل بعيد من العلم و العمل .
ليحق الحق و يبطل الباطل و لو كره المجرمون .



· فصل : الاشتغال بخدمة الخالق


واعجباً من موجود لا يفهم معنى الوجود ، فإن فهم لم يعمل بمقتضى فهمه .
يعلم أن العمر قصير ، و هو يضيعه بالنوم و البطالة ، و الحديث الفارغ ، و طلب اللذات ، و إنما أيامه أيام عمل لا زمان فراغ .
و قد كلف يبذل المال بمخالفة الطبع من الشرع فبخل به إلى أن يتضايق الخناق ، فيقول حينئذ : فرقوا عني بعد موتي وافعلوا كذا .
فأين يقع هذا لو فعل ، و بعيد أن يفعل ، و إنما يراد بإنفاقك في صحتك مخالفة الطبع في تكلف مشاق الإخراج في زمن السلامة .
فأفرق بين الحالتين إن كان لك فهم .
فالسعيد من إنتبه لنفسه و عمل بمقتضى عقله ، و إغتنم زمناً نهايته الزمن و إنتهب عمراً بأقرب إنقطاعه .
ويحك ما تصنع بادخار مال لا يؤثر حسنة في صحيفة و لا مكرمة في تاريخ ؟
أما سمعت بإنفاق أبي بكر و بخل ثعلبة ؟
أما رأيت تأثير مدح حاتم و بخل الحباحب ؟
ويحك لو إبتلاك فيمالك لاستغثت ، أو في بدنك ليلة بمرض لشكوت .
فأنت تسؤفي مطلوباتك منه ، و لا تستوفي حقه عليك ويل للمطففين .
و لتعلم أن هذا القدر المفرط فيه يحل الخلود الدائم في ثواب العمل فيه .
فسبحان من من على أقوام فهموا المراد فأتعبوا الأجساد ، و غطى على قلوب آخرين فوجودهم كالعدم .
و كيف لا يتعب العاقل بدنه إتعاب البدن المقصود منى .
أترى ما بال الحق متجلياً في إيجادك أيها العبد !
بلى ، و الله إن وجودك دليل وجوده .
و إن نعمه عليك دليل جوده .
فكما قدمك على سائر الحيوانات ، فقدمه في قلبك على كل المطلوبات .
وا خيبة من جهله ، وا فقر من أعرض منه ، وا ذل من إعتز بغيره ، وا حسرة من إشتغل بغير خدمته .



· فصل : العاقل من ينظر إلى نفسه


إني أعجب من عاقل يرى إستيلاء الموت على أقرانه و جيرانه كيف يطيب عيشه ، خصوصاً إذا غلت سنه .
و اعجباً لمن يرى الأفاعي تدب إليه و هو لا ينزعج . أما يرى الشيخ دبيب الموت في أعضائه ، قد أخرج سكين القوى و أنزل متغشرم الضعف ، و قلب السواد بياضاً ، ثم في كل يوم يزيد الناقص .
ففي نظر العاقل إلى نفسه ما يشغله عن النظر إلى خراب الدنيا و فراق الإخوان ، إن كان ذلك مزعجاً .
و لكن شغل من إحترق بيته بنقل متاعه يلهيه عن ذكر بيوت الجيران .
إنه لمما يسلي عن الدنيا و يهون فراقها إستبدال المعارف بمن تكره .
فقد رأينا أغنياء كانوا يؤثرون ، و فقراء كانوا يصبرون ، و محاسبين لأنفسهم يتورعون فاستبدل السفهاء عن العقلاء ، و البخلاء عن الكرماء .
فيا سهولة الرحيل ، لعل النفس تلقى من فقدت ، فتلحق بمن أحبت .



· فصل : في جحود الإنسان


نظرت في قول الله تعالى : ألم تر أن الله يسجد له من في السموات و من في الأرض و الشمس و القمر و النجوم و الجبال و الشجر والدواب ، ثم قال : و كثير من الناس فرأيت الجمادات كلها قد وصفت بالسجود ، و استثنى من العقلاء ، فذكرت قول بعضهم :
ما جحد الصامت من أنشأه و من ذي النطق أتى الجحود
فقلت : إن هذه القدرة عظيمة ، يوهب عقل الشخص ثم يسلب فائدته ، و إن هذا لأقوى دليل على قادر قاهر .
و إلا فكيف يحسن من عاقل ألا يعرف بوجوده وجود من أوجده ؟
كيف ينحت صنماً بيده ثم يعبده ؟
غير أن الحق سبحانه و تعالى وهب لأقوام من العقل ما يثبت عليهم الحجة ، و أعمى قلوبهم كما شاء عن المحجة .



· فصل : أكثر الزاد فإن السفر طويل


ما رأيت أكثر أذى للمؤمن من مخالطة من لا يصلح ، فإن الطبع يسرق .
فإن لم يتشبه بهم و لم يسرق منهم فتر عن عمله .
فإن رؤية الدنيا تحث على طلبها ، و قد رأى رسول الله صلى الله عليه و سلم ستراً على بابه فهتكه و قال مالي و للدنيا . و لبس ثوباً له طراز فرماه و قال : شغلتني أعلامه . و لبس خاتماً ثم رماه و قال : نظرت إليكم و نظرت إليه .
و كذلك رؤية أرباب الدنيا و دورهم و أحوالهم ، خصوصاً لمن له نفس تطلب الرفعة .
و كذا سماع الأغاني و مخالطة الصوفية الذين لا نظر لهم اليوم إلا في لرزق الحاصل .
لو كان من أي مكان قبلوه ، و لا يتورعون أن يأخذوا من ظالم ، و ليس عندهم خوف كما كان أوائلهم .
فقد كان سري السقطي يبكي طول الليل ، و كان يبالغ في الورع ، و هم ليس لهم ورع سري ، و لا لهم تعبد الجنيد .
و إنما ثم أكل و رقص و بطالة و سماع أغاني من المردان ، حتى قال بعض من يعتبر قوله : حضرت مع رجل كبير يومىء إليه من مشايخ الربط و مغنيهم أمرد ، فقام الشيخ و نقطه بدينار على خده .
و ادعاؤهم أن سماع هذه الأشياء يدعو إلى الآخرة فوق الكذب ، و ليس العجب منهم ، إنما العجب من جهال ينفقون عليهم فيفقون عليهم .
و لقد كان جماعة من القدماء يورن أوائل الصوفية يتعبدون و يتورعون فيعجبهم حالهم ، و هم معذورون في إعجابهم بهم .
و إن كان أكثر القوم في تعبدهم على غير الجادة ، كما ذكرت في كتابي المسمى بتلبيس إبليس .
فأما اليوم فقد برح الخفاء ، أحدهم يتردد إلى الظلمة و يأكل أموالهم ، و يصافحهم بقميص ليس فيه طراز ، و هذا هو التصوف فحسب .
أو لا يستحي من الله من زهد في رفيع الأثواب لأجل الخلائق لا لأجل الحق .
و لا يزهد في مطعم و لا شبهة . فالبعد عن هؤلاء لازم .
و ينبغي للمنفرد لطاعة الله تعالى عن الخلق ألا يخرج إلى سوق جهده ، فإن خرج ضرورة غض بصره ، و ألا يزور صاحب منصب و لا يلقاه ، فإن إضطر دارى الأمر .
و لا يخالط عامياً إلا لضررة مع التحرز . و لايفتح على نفسه باب التزوج ، بل يقنع بامرأة فيها دين .
فقد قال الشاعر :
و المرء ما دام ذا عين يقلبها في أعين العين موقوف على الخطر
يسر مقلته ما ضر مهجته لا مرحباً بسرور عاد بالضرر
فإن كان يغلب عليه العلم انفرد بدراسته و احترز من الأتباع المتعلمين ، و إن غلبت عليه العبادة ، زاد في إحترازه . و ليجعل خلوته أنيسه ، و النظر في سير السلف جليسه .
و ليكن له وظيفة من زيارة قبور الصالحين و الخلوة بها .
و لا ينبغي أن يفوته ورد قيام الليل ، و ليكن بعد النصف الأول ، فليطل مهما قدر ، فإنه زمان بعيد المثل .
و ليمثل رحيله عن قرب ليقصر أمله ، و ليتزود في الطريق على قدر طول السفر .
نسأل الله عز وجل يقظه من فضله ، و إقبالاً على خدمته ، و ألا يخذلنا بالإلتفات عنه ، إنه قريب مجيب .



· فصل : شكر النعم نعمة من الله


كلما نظرت في تواصل النعم علي تحيرت في شكرها ، و أعلم أن الشكر من النعم فكيف أشكر .
لكن معترف بالتقصير ، و أرجو أن يكون اعترافي قائماً ببعض الحقوق .
و عندي خلة أرجو بها كل خير ، و هي أن من يصوم أو يصلي يرى أنه تعبد و يخدم كأنه يقضي حق المخدوم .
و أنا أرى أني إذا صليت ركعتين فإنما قمت أكدي فلنفسي أعمل ، إذ المخدوم غني عن طاعتي .
و كان بعض المشايخ يقول : جاء في الحديث : الدعاء عبادة ، و أنا أقول : [ العبادة دعاء ] .
فالعجب ممن يقف للخدمة يسأل حظ نفسه . كيف يرى أنه قد فعل شيئاً .
إنما أنت في حابتك ، و منة من أيقظك لا تقاومها خدمتك .
فأنا أقول كما قال الأول :
يا منتهى الآمال أن ت كفلتني و حفظتني
و عدا الزمان علي كي يحتاجني فمنعتني
فانقاد لي متخشعاً لما رآك نصرتني
و كسوتني ثوب الغني و من المغالب صنتني
فإذا سكت بدأتني و إذا سألت أجبتني
فإذا شكرتك زدتني فمنحتني و بهرتني
أو إن أجد بالمال فا لأموال أنت أفدتني



· فصل : من إشتغل بخدمة الخلق أعرض عن الحق


رأيت أكثر العلماء يتشاغلون بصورة العلم ، فهم الفقيه التدريس ، و هم الواعظ الوعظ .
فهذا يرعى درسه فيفرج بكثرة من يسمعه ، و يقدح في كلام من يخالفه و يمضي زمانه في التفكر في المناقضات ، ليقهر من يجادله ، و عينه إلى التصدر و الإرتفاع في المجالس .
و ربما كانت همته جمع الحطام ، و مخالطة السلاطين .
و الواعظ همته ما يزوق به كلامه ، و يكثر جمعه ، و يجلب به قلوب الناس إلى تعظيمه ، فإن كان له نظير في شغله أخذ يطعن فيه .
و هذه قلوب غافلة عن الله عز وجل ، إذ لو كانت لها به معرفة لإشتغلت به ، و كان أنسها بمناجاته ، و إيثارها لطاعته ، و إقبالها على الخلوة به .
لكنها لما خلت من هذا تشاغلت بالدنيا و ذاك دنيا مثلها .
فإذا خلت بخدمة الله تعالى لم تجد لها طعماً ، و كان جمع الناس أحب إليها ، و زيارة الخلق لها آثر عندما و هذه علامة الخذلان .
و على ضد هذا متى كان العالم مقبلاً على الله سبحانه مشغولاً بطاعته ، كان أصعب الأشياء عنده لقاء الخلق و محادثتهم ، و أحب الأشياء إليه الخلوة .
و كان عنده شغل من القدح في النظراء ، أو عن طلب الرياسة .
فإن ما علق به همته من الآخرة أعلى من ذلك .
و النفس لا بد لها مما تشاغل به . فمن إشتغل لخدمة الخلق أعرض عن الحق ، فإنما يربي رياسته .
و ذلك يوجب الإعراض عن الحق ، و ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه .



· فصل : رؤية حقيقة الأشياء


قد جاء في الأثر : اللهم أرنا الأشياء كما هي ، و هذا كلام حسن غاية و أكثر الناس لا يرون الأشياء بعينها ، فإنها يرون الفاني كأنه باق ، و لا يكادون يتخايلون زوال ما هم فيه و إن علما ذلك .
إلا أن عين الحس مشغولة بالنظر إلى الحاضر .
ترى زوال اللذة و بقاء إثمها ، و لو رأى اللص قطع يده هان عنده المسروق . فمن جمع الأموال و لم ينفقها فما رآها بعينها ، إذ هي آلة لتحصيل الأعراض ، لا تراد لذاتها .
و من رأى المعصية بعيني الشهوة فما رآها إذ فيها من العيوب ما شئت ، ثم ثمرتها عقوبة آجلة ، و فضيحة عاجلة .
و انظر إلى أكبر شهوات الحس ، و هو الوطء ، فإنه الماء لا يحصل إلا بعد مطعم و مشرب .
و من تفكر في المطعم نظر إلى حرث الأرض ، و أنها تفتقر إلى بقر للحراثة عليهن المحراث ، و هو حديد و معه خشب و يتعلق به حبال .
فمن تفكر في عمل الحبال نظر في زرع القنب ، و تسريحه و فتله ، و الحديد و جلبه و ضربه ، و الخشب و نباته و نجارته ، و دوران الدولاب و عمله ، ثم إستحصاد الزرع و حصده ، و تذريته و طحنه ، و عجنه و خبزه ، و من عمل التنور و جلب الشوك .
و من هذا الجنس إذا نظر فيه كثر جداً حتى قالوا لا تنال لقمة إلا وقد عمل فيها ثلاثمائة نفس أو نحوهم .
فإذا أكل تلك اللقمة فليفكر في خلق الأنسان لقطعها ، و الأضراس لطحنها ، و عذوبة ماء الفم لخلطها ، و اللسان ليقلبها ، و عضلات الفم يصعد منها شيء و يبقي شيء حتى يصلح البلع .
ثم يتناولها المعي فيوصلها إلى الكبد فيقوم طابخاً لها ، فإذا صارت دماً نفت رسوبها إلى الطحال ، و مائتيها إلى المثانة ، و استخلصت من أخلص الدم و أصفاه للكبد و الدماغ و القلب .
و أخذت أجود ذلك فحدرته إلا الأثنيين معداً لخلق آدمي .
فإذا تحركت نيران الشهوة تدفقت تلك النطفة ، و قد حكم الشرع بطهارتها ، و حكم لها بطهارة الرحم و المحل الذي يباشره الذكر ، فيخلق منها الآدمي الموحد .
فما جاء هذا لشخص إلا بأعلى الغلاء ، و بعد عجائب أشرنا إليها ، لأننا عددناها .
أفمن فهم هذا يحسن منه أن يبدد تلك النطفة في حرام ، أو أن يطأ في محل نجس فتضيع ؟
فكم يتعلق بالزنا من لا يفي معشار عشرها بلذة لحظة ، منها هتك العرض بين الناس ، و كشف العورات كالمحرمة ، و خيانة الأخ المسلم في زوجته ، إن كانت متزوجة ، و فضيحة المزني بها و هي كأخت له أو بنت .
فإن علقت منه و لها زوج ألحقته بذلك الزوج ، و كان هذا الزاني سبباً في ميراث من لا يستحق ، و منع من يستحق .
ثم يتسلسل ذلك من ولد إلى ولد .
و أما سخط الحق سبحانه فمعلوم قال تعالى : ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا .
و قال صلى الله عليه و سلم : ما من ذنب ـ بعد الشرك ـ أعظم عند الله تعالى من نطفة وضعها رجل في رحم لا تحل له .
و من له فهو يعلم أن المراد من النطفة إيجاد الموحدين .
و لولا تركيب الشهوة لم يقع الوطء ، لأنه إلتقاء عضوين غير مستحسنين و لا صورتهما حسنة و لا ريحهما طيب .
و إنما الشهوة تغطي عين الناظر ليحصل الولد أصلا، فهي عارض .
فمن طلب الشهوة و نسي جنايته بالزنا فما رأى الأشياء على ما هي .
و قس على هذا المطعم و المشرب و جمع المال و غير ذلك .



· فصل : إذا خفيت الحكمة وجب التسليم


إن قال قائل : أي فائدة في خلق ما يؤذي ؟ فالجواب أنه قد ثبتت حكمة الخالق ، فإذ خفيت في بعض الأمور وجب التسليم .
ثم إن المستحسنات في الجملة أنموذج ما أعد من الثواب . و المؤذيات أنموذج ما أعد من العقاب .
و ما خلق شيء يضر إلا و فيه منفعة .
قيل لبعض الأطباء : إن فلانا يقول : أنا كالعقرب أضر لا أنفع .
فقال : ما أقل علمه . إنها لتنفع إذا شق بطنها ثم شد على موضع اللسعة .
و قد تجعل في جوف فخار مسدود الرأس مطبق الجوانب ، ثم يوضع الفخار في تنور فإذا صارت رماداً سقى من ذلك الرماد مقدار نصف دانق أو أكثر من به الحصاة فيفتها من غير أن يضر بشيء من سائر الأعضاء .
و قد تلسع العقرب من به حمى عتيقة فتزول . و لسعت رجلاً مفلوجاً فزال عنه الفالج .
و قد تلقى في الدهن حتى يجتذب قواها ، فيزيل ذلك الدهن الأورام الغليظة ، و مثل هذا كثير .
فالجاهل عدو لما جهله ، و أكبر الحماقة رد الجاهل على العالم .



· فصل : جلال العبادة و جمال العابدين


كلما أوغلت الفهوم في معرفة الخالق فشاهدت عظمته و لطفه و رفعته ، تاهت في محبته ، فخرجت عن حد الثبوت .
و قد كان خلق من الناس غلبت عليهم محبته ، فلم يقدروا على مخالطة الخلق .
و منهم من لم يقدر على السكوت عن الذكر .
و فيهم من لم ينم إلا غلبة ، و فيهم من هام في البراري ، و فيهم من إحتراق في بدنه .
فيا حسن مخمورهم ما ألذ سكره ، و يا عيش قلقهم ما أحسن وجده . . . ! !
كان أبو عبيدة الخواص قد غلبه الوجد فكان يمشي في الأسواق يقول : [ وا شوقاه إلى من يراني و لا أراه ] .
و كان فتح بن سخرف يقول : قد طال شوقي إليك ، فعجل قدومي عليك .
و كان قيس بن الربيع كأنه مخمور من غير شراب .
و كان ابن عقيل يقول إن التبذل فيه سبحانه أحسن من التجمل في غيره .
هل رأيت قط عراة أحسن من المحرمين ؟
هل رأيت للمتزينين برياش الدنيا سمتاً كأثواب الصالحين ؟
هل رأيت خماراً أحسن من نعاس المتهجدين ؟
هل رأيت سكراً أحسن من صعق الواجدين ؟
هل شاهدت ماء صافياً أصفى من دموع المتأسفين ؟
هل رأيت رؤوساً مائلة كرؤوس المنكسرين ؟
هل لصق بالأرض شيء أحسن من جباه المصلين ؟
هل حرك نسيم الأسحار أوراق الأشجار فبلغ مبلغ تحريكه أذيال المتهجدين ؟
هل ارتفعت أكف و إنبسطت أيد فضاهت أكف الراغبين ؟
هل حرك القلوب صوت ترجيع لحن أو رنة و تر كما حرك حنين المشتاقين ؟
و إنما يحسن التبذل في تحصيل أو في الأغراض .
فلذلك حسن التبذل في خدمة المنعم .



· فصل : تغطية العقل و تدبيره


أكثرهم لا يعرف الدين و لا يتأدب بآدابه [ بمرة يتفق له قلة العقل في أصل الوضع ، ثم ذلك القليل لا يعاون ، بل يعان عليه ، و ذاك أن الجارحة إذا دام تعطلها عن عملها الذي هيئت له تعطلت و خمدت ، و لهذا تنقص أبصار النساخ و الرفائين و تحتد أبصار أهل البوادي ، لأنه لا صاد لأبصارهم ] .
و شغل العقل التفكر ، و النظر في عواقب كالأحوال ، و الإستدلال بالشاهد على الغائب ، و هم يمتلئون من الطعام دائماً ، و ذلك يؤذي العقل .
ثم يطلبون النوم ، فإذا انتبهوا شربوا المسكر ، فاتقق للعقل و تغطية ، فساء التدبير .



· فصل : التلطف في محادثة العوام


من المخاطرات العظيمة تحديث العوام بما لا تحتمله قلوبهم ، أو بما قد رسخ في نفوسهم ضده .
مثاله أن قوماً قد رسخ في قلوبهم التشبيه ، و أن ذات الخالق سبحانه ملاصقة للعرش، و هي بقدر العرش ، و يفضل من العرش أربعة أصابع .
و سمعوا مثل هذا من أشياخهم ، و ثبت عندهم أنه إذا نزل و انتقل إلى السماء الدنيا فخلت منه ست سموات .
فإذا دعى أحدهم إلى التنزيه و قيل له ليس كما خطر لك ، إنما ينبغي أن تمر الأحاديث كما جاءت من غير مساكنة ما توهمته ، صعب هذا عليه لوجهين :
أحدهما : لغلبة الحس عليه ، و الحس على العوام أغلب .
و الثاني : لما قد سمعه من ذلك من الأشياخ الذين كانوا أجهل منه .
فالمخاطب لهذا مخاطر بنفسه ، و لقد بلغني عن بعض من كان يتدين ممن قد رسخ في قلبه التشبيه أنه سمع من بعض العلماء شيئاً من التنزيه ، فقال : و الله لو قدرت عليه لقتلته .
فالله الله أن تحدث مخلوقاً من العوام بما لا يحتمله دون إحتيال و تلطف ، فإنه لا يزول ما في نفسه ، و يخاطر المحدث له بنفسه .
فكذلك كل ما يتعلق بالأصول .



· فصل : الرجل هو من يراعي حفظ الحدود و إخلاص العمل


لا يغرك من الرجل طنطنته و ما تراه يفعل من صلاة و صوم و صدقة و عزلة عن الخلق .
إنما الرجل هو الذي يراعي شيئين : حفظ الحدود ، و إخلاص العمل .
فكم قد رأينا متعبداً يحرق الحدود بالغيبة ، و فعل ما لا يجوز مما يوافق هواه ! و كم قد اعتبرنا على صاحب دين أنه يقصد بفعله غير الله تعالى .
و هذه الآفة تزيد و تنقص في الخلق .
فالجل كل الرجل هو الذي يراعي حدود الله ، و هي ما فرض عليه و ألزم به .
و الذي يحسن القصد ، فيكون عمله و قوله خالصاً لله تعالى ، لا يريد به الخلق و لا تعظيمهم له .
فرب خاشع ليقال ناسك ، و صامت ليقال خائف ، و تارك للدنيا ليقال زاهد .
و علامة المخلص أن يكون في جلوته كخلوته ، و ربما تكلف بين الناس التبسم و الإنبساط لينمحي عنه إسم زاهد .
فقد كان ابن سيرين يضحك بالنهار ، فإذا جن الليل فكأنه قتل أهل القرية .
و اعلم أن المعمول معه لا يريد الشركاء ، فالمخلص مفرد له بالقصد ، و المرائي قد أشرك ليحصل له مدح الناس .
و ذلك ينقلب ، لأن قلوبهم بيد من أشرك معه ، فهو يقلبها عليه لا إليه .
فالموفق من كانت معاملته باطنة و أعماله خالصة .
و ذاك الذي تحبه الناس و إن لم يبالهم ، كما يمقتون المرائي و إن زاد تعبده .
ثم إن الرجل الموصوف بهذه الخصال لا يتناهى عن كمال العلوم و لا يقصر عن طلب الفضائل .
فملأ الزمان أكثر ما يسعه من الخير ، و قلبه لا يفتر عن العمل القلبي إلى أن يصير شغله بالحق سبحانه و تعالى .



· فصل : مساعد الظالم ظالم مثله


رأيت خلقاً يفرطون في أديانهم ثم يقولون : إحملونا إذا متنا إلى مقبرة أحمد .
أتراهم ما سمعوا أن رسول الله صلى الله عليه و سلم إمتنع من الصلاة على من عليه دين و على الغال و قال : ما ينفعه صلاتي عليه .
و لقد رأيت أقواماً من العلماء حملهم حب الصيت على أن إستخرجوا إذناً من السلطان ، فدفنوا في دكة أحمد بن حنبل ، و هم يعلمون أن هناك خلقاً رفات بعضهم على بعض .
و ما فيهم إلا من يعلم أنه ما يستحق القرب من مثل ذلك .
فأين إحتقار النفوس ؟ أما سمعوا أن عمر بن عبد العزيز ، قيل له : تدفن في الحجرة ؟ فقال : لأن ألقى الله بكل ذنب ما خلا الشرك أحب إلي من أرى نفسي أهلاً لذلك .
لكن العادات ، و حب الرياسة غلبت على هؤلاء ، فبقي العلم يجري على الألسن عادة لا للعمل به .
ثم آل الأمر إلى جماعة خالطوا السلاطين و باشروا الظلم ، يزاحمون على الدفن بمقبرة أحمد و يوصون بذلك .
فليتهم أوصوا بالدفن في موضع فارغ ، إنما يدفنون على موتي .
و يخرج عظام أولئك فيحشون على ما ألقوا من الظلم حتى في موتهم ، و ينسون أنهم كانوا من أعوان الظلمة .
أترى ما علموا أن مساعد الظالم ظالم ، و في الحديث : كفي بالمرء خيانة أن يكون أميناً للخونة .
قال السجان لأحمد بن حنبل : هل أنا من أعوان الظلمة ؟ فقال : [ لا ، أنت من الظلمة ، إنما أعوان الظلمة من أعانك في أمره ] .



· فصل : الحسد طبيعة في الإنسان فقومها


رأيت الناس يذمون الحاسد و يبالغون و يقولون : لا يحسد إلا شرير يعادي نعمة الله ، و لا يرضى بقضائه ، و يبخل على أخيه المسلم .
فنظرت في هذا فما رأيته كما يقولون ، و ذاك أن الإنسان لا يحب أن يرتفع عليه أحد ، فإذا رأى صديقه قد علا عليه تأثر هو و لم يحب أن يرتفع عليه ، و ود لو لم ينل صديقه ما ينال ، أو أن ينال هو ما نال ذاك لئلا يرتفع عليه و هذا معجون في الطين ، و لا لوم على ذلك .
إنما اللوم أن يعمل بمقتضاه من قول أو فعل . و كنت أظن أن هذا قد وقع لي عن سري و فحصي ، فرأيت الحديث عن الحسن البصري قد سبقني إليه .
قال : أخبرنا عبد الخالق بن عبد الصمد ، قال : أخبرنا ابن النقود ، قال : أخبرنا المخلص ، قال : حدثنا البغوي ، قال : حدثنا أبو روح ، قال : حدثنا مخلد بن الحسين ، عن هشام عن الحسن ، قال : [ ليس من ولد آدم إلا و قد خلق معه الحسد . . . ! ! ] .
فمن لم يجاوز ذلك بقول و لا بفعل لم يتبعه شيء ! !



· فصل : اظفر بذات الدين ترتب يداك


من أعظم الضرر الداخل على الإنسان كثرة النساء .
إنه أولاً يتشتت همه في محبتهن ، و مداراتهن و غيرتهن و الإنفاق عليهن ، و لا يأمن إحداهن أن تكرهه و تليد غيره ، فلا تتخلص إلا بقتله .
و لو سلم من جميع ذلك لم يسلم في الكسب لهن ، فإن سلم لم ينج من السآمة لهن أو لبعضهن .
ثم يطلب ما لا يقدر عليه من غيرهن ، حتى أنه لو قدر على نساء بغداد كلهن فقدمت إمرأة مستترة من غير البلد ظن أنه يجد عندها ما ليس عندهن .
و لعمري إن في الجدة لذة ، و لكن رب مستور إذا إنكشف افتضح .
و لو أنه سلم من كل أذى يتعلق بهن أنهك بدنه في الجماع ، فيكون طلبه للإلتذاذ مانعاً من دوام الإلتذاذ .
و رب لقمة منعت لقمات ، و رب لذة كانت سبباً في إنقطاع لذات .
و العاقل من يقتصر على الواحدة إذا وافقت غرضه ، و لا بد أن يكون فيها شيء لا يوافق ، إنما العمل على الغالب ، فتوهب الخلة الردية للمجيدة .
و ينبغي أن يكون النظر إلى باب الدين قبل النظر إلى الحسن.
فإنه إذ قل الدين لم ينتفع ذو مروءة بتلك المرأة . و مما يهلك الشيخ سريعاً الجماع ، فلا يغتر بما يرى من إنبساط الآلة و حصول الشهوة .
و ذلك مستخرج من قوته ما لا يعود مثله ، فلا ينبغي أن يغتر بحركة و سهرة ، و لا يقرب من النساء إن كان له رأي في البقاء .



· فصل : العاقل المغلوب بالهوى ترجى هدايته


إذا رأيت قليل العقل في أصل الوضع فلا ترج خيره .
فأما إن كان وافر العقل لكنه يغلب عليه الهوى فارجة .
و علامة ذلك أنه يدبر أمره في جهلة ، فيستتر من الناس إذا أتى فاحشة ، و يراقب في بعض الأحوال ، و يبكي عند الموعظة ، و يحترم أهل الدين ، فهذا عاقل مغلوب بالهوى .
فإذا إنتبه بالندم إنقبض شيطان الهوى ، و جاء ملك العقل .
فأما إذا كان قليل العقل في الوضع ، و علامته ألا ينظر في عاقبة عاجلة و لا آجلة ، و لا يستحي من الناس أن يروه على فاحشة ، و لا يدبر أمر دنياه فذاك بعيد الرجاء .
و قد يندر من هؤلاء من يفلح ، و يكون السبب فيه خميرة من العقل غطى عليها الهوى ثم تكشف قليلاً ليعود ، فمثلهم كمثل مصروع أفاق .



· فصل : العاقل من تبصر في عواقبه


ينبغي الإحتراز من كل ما يجوز أن يكون ، و لا ينبغي أن يقال : الغالب السلامة .
قد رأينا من نزل مع الخيل في سفينة فاضطربت ، فغرق من في السفينة و إن كان الغالب في هذه الحالة السلامة .
و كذا ينبغي أن يقدر الإنسان في نفقته و إن رأى الدنيا مقبلة ، لجواز أن تنقطع تلك الدنيا .
و حاجة النفس لا بد من قضائها ، فإذا بذر وقت السعة فجاء وقت الضيق لم يأمن أن يدخل في مداخل سوء ، و أن يتعرض بالطلب من الناس .
و كذلك ينبغي للمعافى أن يعد للمرض ، و للقوي أن يتهيأ للهرم .
و في الجملة فالنظر في العواقب و فيما يجوز أن يقع شأن العقلاء .
فأما النظر في الحالة الراهنة فحسب ، فحالة الجهلة الحمقى ، مثل أن يرى نفسه معافى و ينسى المرض ، أو غنياً و ينسى الفقر ، أو لذة عاجلة و ينسى ما تجني عواقبها و ليس للعقل شغل إلا النظر في العواقب ، و هو يشير بالصواب من أين يقبل ؟ . .



· فصل : لا تيأس من روح الله


يبين إيمان المؤمن عند الإبتلاء ، فهو يبالغ في الدعاء و لا يرى أثراً للإجابة ، و لا يتغير أمله و رجاؤه و لو قويت أسباب اليأس ، لعلمه أن الحق أعلم بالمصالح .
أو لأن المراد منه الصبر أو الإيمان ، فإنه لم يحكم عليه بذلك إلا و هو يريد من القلب التسليم لينظر كيف صبره أو يريد كثرة اللجأ و الدعاء .
فأما من يريد تعجيل الإجاية و يتذمر إن لم تتعجل ، فذاك ضعيف الإيمان ، يرى أن له حقاً في الإجابة ، كأنه يتقاضى أجرة عمله .
أما سمعت قصة يعقوب عليه السلام : بقي ثمانين سنة في البلاء و رجاؤه لا يتغير ، فلما ضم إلى فقد يوسف بنيامين لم يتغير أمله و قال : [ عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً ] .
و قد كشف هذا المعنى قوله تعالى : أم حسبتم أن تدخلوا الجنة و لما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء و الضراء و زلزلوا حتى يقول الرسول و الذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب .
و معلوم أن هذا لا يصدر من الرسول و المؤمنين إلا بعد طول البلاء و قرب اليأس من الفرج .
و من هذا قول رسول الله صلى الله عليه و سلم : لا يزال العبد بخير ما لم يستعجل ، قيل له : و ما يستعجل ؟ قال : يقول : دعوت فلم يستجب لي .
فإياك إياك أن تستطيل زمان البلاء ، و تضجر من كثرة الدعاء ، فإنك مبتلى بالبلاء ، متعبد بالصبر و الدعاء ، و لا تيأس من روح الله و إن طال البلاء .



· فصل : المعاصي سببها طلب اللذات


تذكرت في سبب دخول جهنم ، فإذا هو المعاصي .
فنظرت في المعاصي ، فإذا هي حاصلة من طلب اللذات .
فنظرت في اللذات ، فرأيتها خدعاً ليست بشي ، و في ضمنها من الأكدر ما يصيرها نغصاً فتخرج عن كونها لذات .
فكيف يتبع العاقل نفسه و يرضى بجهنم لأجل هذه الأكدار ؟
فمن اللذات الزنا فإن كان المراد إراقة لماء فقد يراق في حلال .
و إن كان في معشوق فمراد النفس دوام البقاء مع المعشوق ، فإذا هي ملكته فالمملوك مملول .
و إن هو قاربه ساعة ثم فارقه ، فحسرة الفراق تربو على لذة القرب .
و إن كان ولد له من الزنا فالفضيحة الدائمة ، و العقوبة التامة ، و تنكيس الرأس عند الخالق و المخلوق .
و أما الجاهل فيرى لذته في بلوغ ذلك الغرض ، و ينسى ما يجنى مما يكدر عيش الدنيا و الآخرة .
و من ذلك شرب الخمر ، فإنه تنجيس للفم و الثوب ، و إبعاد للعقل ، و تأثيراته معلومة عند الخالق و المخلوق .
فالعجب ممن يؤثر لذة ساعة تجني عقاباً و ذهاب جاء ، و ربما خرج بالعربدة إلى القتل .
و على هذا فقس جميع المذوقات ، فإن لذاتها إذا و زنت بميزان العقل لا تفي بمعشار عشير عواقبها القباح في الدنيا و الآخرة .
ثم هي نفسها ليس بكثير شيء فكيف تباع الآخرة بمثل هذا ؟
سبحان من أنعم على أقوام ، كلما لاحت لهم لذة نصبوا ميزان العقل و نظروا فيما يجني ، و تلمحوا ما يؤثر تركها فرجحوا الأصلح .
و طمس على قلوب فهي ترى صورة الشيء و تنسى جناياته .
ثم العجب أنا نرى من يبعد عن زوجته و هو شاب ليعدو في الطريق فيقال ساعي .
فيغلب هواه لطلب ما هو أعلى و هو المدح . كيف لا يترك محرماً ليمدح في الدنيا و الأخرة ؟
ثم قدر حصول ما طلبت من اللذات و ذهابها و أحسب أنها قد كانت و قد هانت و تخلصت من محنها . أين أنت من غيرك ؟ أين تعب عالم قد درس العلم خمسين سنة ؟ ذهب التعب و حصل العلم ، و أين لذة البطال ؟ ذهبت الراحة و أعقبت الندم .



· فصل : من تبع العقل سلم


من وقف على موجب الحس هلك . و من تبع العقل سلم ، لأن مجرد الحس لا يرى إلا الحاضر و هو الدنيا . و أما العقل فإنه ينظر إلى المخلوقات ، فيعلم وجود خالق منح و أباح ، و أطلق و حظر . و أخبر : أني سائلكم و مبتليكم ليظهر دليل وجودي عندكم بترك ما تشتهون طاعة لي .
و إني قد بنيت لكم داراً غير هذه ، لإثابة من يطيع ، و عقوبة من يخالف .
ثم لو ترك الحس و ما يشتهي مع أغراضه قرب الأمر ، إنما يزني فيجلد ، و يشرب الخمر فيعاقب ، و يسرق فيقطع ، و يفعل زلة فيفضح بين الخلق .
و يعرض عن العلم إلى البطالة فيقع الندم عند حصول الجهل .
ثم إنا نرى الكثير ممن عمل بمقتضى عقله ، قد سلمت دنياه و آخرته ، و ميز بين الخلق بالتعظيم ، و كان عيشه في لذات غالباً خيراً من عيش موافق لهوى .
فليعتبر ذو الفهم بما قلت ، و ليعمل بمقتضى الدليل و قد سلم .



· فصل : إحفظ دينك ومروءتك بترك الحرام


العجب لمؤثر شهوات الدنيا . ألا يتدبر أمرها بالعقل قبل أن يصير إلى منقولات الشرع ؟
إن أعظم لذات الحس الوطء ، فالمرأة المستحسنة إنما يكون حال كمالها من وقت بلوغها إلى الثلاثين ، فإذا بلغتها أثر فيها .
و ربما إبيضت شعرات من رأسها فينفر الإنسان منها . و قد يقع الملل قبل ذلك ، و طول الصحبة يكشف العيوب .
و ما عيب نساء الدنيا بأبلغ من قوله : و لهم فيها أزواج مطهرة .
فلو تفكر الإنسان في جسد مملوء بالنجاسة ما طاب له ضمه ، غير أن الشهوة تغطي عين الفكر .
فالعاقل من حفظ دينه و مروءته بترك الحرام ، و حفظ قوته في الحلال فأنفقها في طلب الفضائل ، من علن أو عمل .
و لم يسع في إفناء عمره و تشتيت قلبه في شيء لا تحسن عاقبته :
ما في هوادجكم من مهجتي عوض إن مت شوقاً و لا فيها لها ثمن
و عموم من رأينا من الكبار غلبت عليهم شهوة الوطء فإنهدمت أعمارهم ، و رحلوا سريعاً .
و قد رأينا من العقلاء من زجر نفسه عن هذه المحنة ، و لم يستعملها إلا وقت الحاجة ، فبقى لهم سواد شعورهم و قوتهم ، حتى تمتعوا بها في الحياة و حصلوا المناقب ، و عرفت منهم النفوس قوة العزيمة ، فلم تطالبهم بما يؤذي .



· فصل : رؤية النبي مناماً مثال لا مثل


قد أشكل على الناس رؤية النبي صلى الله عليه و سلم و قوله : من رآني في المنام فقد رآني . فقال : ظاهر الحديث أنه يراه حقيقة .
و في الناس من يراه شيخاً و شاباً و مريضاً و معافى .
فالجواب أنه من ظن أن جسد رسول الله صلى الله عليه و سلم المودع في المدينة خرج من القبر ، و حضر في المكان الذي رآه فيه ، فهذا جهل لا جهل يشبهه .
فقد يراه في وقت واحد ألف شخص ، في ألف مكان ، على صور مختلفة .
فكيف يتصور هذا في شخص واحد ؟ و إنما الذي يرى مثاله لا شخصه .
فيبقى من رآني فقد رآني معناه : قد رأى مثالي الذي يعرفه الصواب ، و تحصل به الفائدة المطلوبة .
فإن قيل : فما تقولون في رؤية الحق سبحانه ؟ .
فنقول : يرى مثالاً لا مثلاً ، و المثال لا يفتقر إلى المساواة و المشابهة ، كما قال تعالى : أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها .
فضربه مثالاً للقرآن و انتفاع الخلق به .
و يوضح هذا أنه إنما يرى من رأى الحق سبحانه و تعالى على هيئة مخصوصة ، و الحق سبحانه و تعالى منزه ، قد توحد ، فوضح ما قلنا .



· فصل : يجب أن يكون المحدث فقيهاً


هذا فصل غزير الفائدة .
إعلم أنه لو اتسع العمر لم أمنع من الإيغال في كل علم إلى منتهاه ، غير أن العمر قصير و العلم كثير .
فينبغي للإنسان أن يقتصر من القراءات إذا حفظ القرآن على العشر .
و من الحديث على الصحاح ، و السنن و المسانيد المصنفة . فإن علوم الحديث قد انبسطت زائدة في الحد و ما في هذا الجزاء و إنما الطرق تختلف .
و علم الحديث يتعلق بعضه ببعض، و هو مشتهى ، و الفقهاء يسمونه علم الكسالى ، لأنهم يتشاغلون بكتابته و سماعه، و لا يكادون يعانون حفظه ، و يفوتهم المهم و هو الفقه .
و قد كان المحدثون قديماً هم الفقهاء ، ثم صار الفقهاء لا يعرفون الحديث ، و المحدثون لا يعرفون الفقه .
فمن كان ذا همة و نصح نفسه تشاغل بالمهم من كل علم ، و جعل جل شغله الفقه ، فهو أعظم العلوم و أهمها .
و قد قال أبو زرعة : كتب إلي أبو ثور : فإن هذا الحديث قد رواه ثمانية و تسعون رجلاً عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و الذي صح منه طرق يسيرة .
فالتشاغل بغير ما صح يمنع التشاغل بما هو أهم .
و لو إتسع العمر إستيفاء كل الطرق في كل الأحاديث غاية في الجودة ، و لكن العمر قصير .
و لما تشاغل بالطرق مثل يحي بن معين فاته من الفقه كثير ، حتى أنه سئل عن الحائض أيجوز أن تغسل الموتى! فلم يعلم ، حتى جاء أبو ثور فقال : يجوز ، لأن عائشة رضي الله عنها قالت : [ كنت أرجل رأس رسول الله صلى الله عليه و سلم و أنا حائض ] .
فيحي أعلم بالحديث منه ، و لكن لم يتشاغل بفهمه .
فأنا أنهي أهل الحديث أن تشغلهم ككثرة الطرق .
و من أقبح الأشياء أن تجري حادثة يسأل عنها شيخ قد كتب الحديث ستين سنة فلا يعرف حكم الله عز وجل فيها .
و كذلك أنهي من يتشاغل بالتزهد و الإنقطاع عن الناس أن يعرض عن العلم ، بل ينبغي أن يجعل لنفسه منه حظاً ليعلم إن زل كيف يتخلص .



· فصل : العقل السليم في الجسم السليم


معرفة الله سبحانه لا تحصل إلا لكامل العقل ، صحيح المزاج ، و الترقي إلى محبته بذلك يكون .
و إن أقواماً قلت عقولهم ، و فسدت أمزجتهم ، فساءت مطاعمهم ، و قلت ، فتخايلت لهم الخيالات الفاسدة ، فإدعوا معرفة الحق و محبته ، و لم يكن عندهم من العلم ما يصدهم عما ادعوا فهلكوا .
و ليعلم أن في المأكولات ما يسبب إفساد العقل و فيها ما يزيد في السوداء فيوجب المالخوليا ، فترى صاحبها يحب الخلوة ، و يهرب من الناس ، و قد يقلل المطعم ، فيقوى مرضه فيتخايل خيالات يظنها حقاً .
فمنهم من يقول : إني رأيت الملائكة ، و فيهم من يخرجه الأمر إلى دعوى محبة الحق و الولد فيه ، و لا يكون ذلك عن أصل معتمد عليه .
و إنما العاقل العالم يسير في الطريق بين الرفيقين : العلم و العقل .
فإن تقلل من الطعام فبعقل ، وحد التقلل ترك فضول المطعم و ما يخاف شره من شهبة أو شهوة يحذر تعودا .
و أما زيادة التقلل مع القدرة فليس لعقل و لا شرع ، إلا أن يكون الفقر عم ، فيتقلل ضرورة .
و من تأمل حال رسول الله صلى الله عليه و سلم و أصحابه ، و جدهم يأخذون بمقدار و لا يتركون حظوظ النفس التي تصلحها .
و ما أحسن الأمر و أعدله قول رسول الله صلى الله عليه و سلم : ثلث طعام ، و ثلث شراب ، و ثلث نفس .
و قد قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه و هو مريض : أصب من هذا الطعام فهو أوفق لك من هذا .
و كان صلى الله عليه و سلم يشاور الأطباء ، و يحتجم ، و يحث على التداوي و يقول : ما أنزل الله داء إلا و أنزل له شفاء فتداووا .
فجاء أقوام جهلوا العلم و الحكمة في بنيان الأبدان .
فمنهم من أقام في الجبال يأكل البلوط ، فأصابه القولنج ، و منهم من قلل المطعم إلى أن ضعفت قواه ، و منهم من اقتصر على نبات الصحراء ، و منهم من كان لا يقوت إلا الباقلاء و الشعير . فأوجبت هذه الأفعال أمراضاً في البدن ، و ترقت إلى إفساد العقل .
و إتفق لهم قلة العلم ، إذ لو علموا لفهموا أن الحكمة تنهي عن مثل هذا ، فإن البدن مبني على أخلاط إذا اعتدلت وقعت السلامة ، و إذا زاد بعضها وقع المرض .
و أكثر هؤلاء مرضوا و تعجل لهم الموت ، و فيهم من خرج إلى التسودن ، و فيهم من لاحت له لوائح ، فإدعى رؤية الملائكة إلى غير ذلك .
فأما أهل العلم و العقل فهربهم من الخلق لخوف المعاصي و رؤية المنكر .
و فيهم من قويت معرفته فشغلته معرفة الحق و محبته على ملاقاة الخلق .
فهذه هي الخلوات الصافية ، لأنها تصدر عن علم و عقل فتحفظ البدن ، لأنه ناقة توصل .
و لا ينبغي أن يتهاون بالمأكولات ، خصوصاً من لم يعتد التقشف ، و لا يلبس الصوف على البدن من لم يعتده .
و لينظر في طريق رسول الله صلى الله عليه و سلم و صحابته ، فإنهم القدوة . و لا يلتفت إلى بنيات الطريق ، فيقال : فلان الزاهد قد أكل الطين . و فلان كان يمشي حافياً ، و فلان بقي شهراً ما أكل .
فإن المحققين من هؤلاء المخلصين لله تعالى على غير الجادة لأن الجادة إتباع رسول الله صلى الله عليه و سلم و أصحابه و ما كانوا يفعلون .
و هذا لعمري أنه قد كان فيهم من يقنع بالمذقة من اللبن ، و يصبر الأيام عن الطعام . و لكن إما لضرورة ، أو لأنه معتاد لذلك كما يعتاد البدوي شرب اللبن وحده و لا يؤذيه ذلك .
و في الحديث : عودوا كل بدن ما إعتاد و في المتزهدين من أخرج ماله كله عن يده زهداً ، و معلوم أن الحاجات لا تنقضي ، فلما إحتاج تعرض للطلب ، و إفتقر إلى أخذ مال من يد من يعلم أنه ظالم و بذل وجهه .
و قد كانت الصحابة تنجر و تحفظ المال ، و جهال المتزهدين يرون جمع المال ينافي الزهد .
فمخضة هذا الفصل أن أقول : ينبغي لمن رزق فهماً أن يسعى في صلاح بدنه و لا يحمل عليه ما يؤذيه ، و لا يناوله من القوت ما لا يوافقه ، و لا يضيع ماله ، و ليجتهد في إشتثماره لئلا يحتاج ، فإنه ما نافق زاهد إلا لأهل الدنيا .
و لينظر في سير الكاملين من السلف . و ليتشاغل بالعلم ، فإنه الدليل . فحينئذ يحمله الأمر على الخلوة بربه ، و الإشتغال بحبه ، فيكون ما ظهر منه ثمرة نضجة لا فجة ، و الله الموفق .



· فصل : استقامة الأمور باستقامة الباطن


ما رأيت أظرف من لعب الدنيا بالعقول ، و قد سمعنا و رأينا جماعة من الفطناء الكاملي العقل لعبت بهم الدنيا حتى صاروا كالمجانين . فولوا الولايات فخرجوا إلى القتل و الضرب و الحبس و الشتم و ذهاب الدين ، و المباشرة للظلم كله لأجل دنيا تذهب سريعاً .
و هي في مدة إقامتها معجونة بالنغص .
فيا أيها المرزوق عقلاً لا تبخسه حقه ، و لا تطفئ نوره ، و اسمع ما نشير به ، و لا تلتفت إلى بكاء طفل الطبع لفوات غرضه .
فإنك إن رحمت بكاءه لم تقدر على فطامه ، و لم يمكنك تأديبه ، فيبلغ جاهلاً فقيراً :
لا تسه عن أدب الصغ ير و لو شكا ألم التعب
و دع الكبير لشأنه كبر الكبير عن الأدب
و اعلم أن زمان الإبتلاء ضيف قراه الصبر ، كما قال أحمد بن حنبل : [ إنما هو طعام دون طعام و لباس دون لباس ، و أنها أيام قلائل ، فلا تنظر إلى لذة المترفين ، و تلمح عواقبهم ، و لا تضق صدراً بضيق المعاش ، و علل الناقة بالحدو تسير :
طاول بها الليل مال النجم أم جنحاً و ما طل النوم ضن الجفن أم سمحاً
فإن تشكت فعللها المجرة من ضوء الصباح و عدها بالرواح ضحى
و قد كان أهدي إلى أحمد بن حنبل هدية فردها ، ثم قال بعد سنة لأولاده : [ لو كنا قبلناها كانت قد ذهبت ] .
و مر بشر على بئر ، فقال له صاحبه : أنا عطشان ، فقال : البئر الأخرى ، فمر عليها فقال له : الأخرى ، ثم قال : كذا تقطع الدنيا .
و دخلوا إلى بشر الحافي و ليس في داره حصير ، فقيل له : ألا بذا تؤذى ؟ فقال : هذا أمر ينقضي .
و كان لداود الطائي دار يأوي إليها ، فوقع سقف ، فانتقل إلى سقف ، إلى أن مات في الدهليز .
فهؤلاء الذين نظروا في عواقب الأمور ، و بعد هذا فلا أطالبك بهذه الرتبة ، بل أقول لك : إن حصل لك شيء من المباح لا من فيه و لا أذى و لا نلته بسؤال و لا من يد ظالم تعلم أن ماله حرام أو فيه شبهة ، فإفسح لنفسك في مباحاتها بمقدار ما تحتاج إليه ، و كن مقدراً للنفقة غير مبذر .
فإن الحلال لا يحتمل السرف ، و متى أسرفت إحتجت إلى التعرض للخلق . و التناول من الأكدار .
و إن ضاق بك أمر فأصبر ، فإن ضعف الصبر فسل فاتح الأبواب . فهو الكريم و عنده مفاتح الغيب .
و إياك أن تبذل دينك بتصنع للخلق أو يتقرب إلى الأمراء و تستعطي أموالهم .
و أذكر طريق السلف : كان ابن سمعون له ثياب يجلس فيها للناس ثم يطويها إلى المجلس الآخر ورثها عن أبيه بقيت أربعين سنة .
و كانت ميمونة بنت شاقولة تعظ الناس و لها ثياب قد بقيت أربعين سنة .
و من صفا نظره و تهذب لفظه نفع وعظه ، و من كدر كدر عليه .
و الحالة العالية في هذا إقبال القلب على الله عز وجل ، و التوكل عليه ، و النظر إليه ، و إلتفات القلب عن الخلق .
فإن إحتجت فإسأله ، و إن ضعفت فإرغب إليه .
و متى ساكنت الأسباب إنقطعت عنه ، و متى إستقام باطنك إستقامت لك الأمور .



· فصل : فلينظر أحدكم من يخالل


رأيت نفسي تأنس بخلطاء نسميهم أصدقاء ، فبحثت بالتجارب عنهم ، فإذا أكثرهم حساد على النعم ، و أعداء لا يسترون زلة ، و لا يعرفون لجليس حقاً ، و لا يواسون من مالهم صديقاً .
فتأملت الأمر ، فإذا الحق سبحانه يغار على قلب المؤمن أن يجعل له شيئاً يأنس به ، فهو يكدر عليه الدنيا و أهلها ليكون أنسه به .
ينبغي أن يعد الخلق كلهم معارف ، ليس فيهم صديق ، بل تحسبهم أعداء .
و لا تظهر سرك لمخلوق منهم ، و لا تعدن من يصلح لشدة لا ولداً و لا أخاً و لا صديقاً .
بل عاملهم بالظاهر ، و لا تخالطهم إلا حالة الضرورة بالتوقي لحظة .
ثم أنفر عنهم ، و أقبل على شأنك ، متوكلاً على خالقك .
فإنه لا يجلب الخير سواه ، و لا يصرف السوء إلا إياه .
فليكن جليسك و أنيسك ، و موضع توكلك و شكواك .
فإن ضعف بصرك فإستغث به ، و إن قل يقينك فسله القوة .
و إياك أن تميل إلى غيره ، فإنه غيور ، و أن تشكو من أقداره ، فربما غضب و لم يعتب .
أوحى الله عز وجل إلى يوسف عليه السلام : [ من خلصك من الجب ؟ من فعل ؟ من فعل ؟ قال : أنت ] .
قال : فلم ذكرت غيري ؟ فلأطيلن حسبك ، أو كما قال .
هذا و إنما تعرض يوسف عليه السلام بسبب مباح اذكرني عند ربك و يوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم .
و ما أعرف العيش إلا لمن يعرفه و يعيش معه ، و يتأدب بين يديه في حركاته و كلماته كأنه يراه .
و يقف على باب طرفه حارساً من نظرة لا تصلح ، و على باب لسانه حافظاً له من كلمة لا تحسن ، و على باب قلبه حماية لمسكنه من دخول الأغيار .
و يستوحش من الخلق شغلاً به ، و هذا يكون على سيرة الروحانيين .
فأما المخلط فالكدر غالب عليه ، و المحق لا يطلب إلا الأرفع .
قال القائل :
ألا لا أحب السير إلا مصاعداً و لا البرق إلا أن يكون يمانياً




· فصل : ليس المراد من العلم فهم الألفاظ


رأيت أكثر العلماء مشتغلين بصورة العلم دون فهم حقيقته و مقصوده .
فالقارىء مشغول بالروايات ، عاكف على الشواذ ، يرى أن المقصود نفس التلاوة ، و لا يتلمح عظمة المتكلم ، و لا زجر القرآن و وعده .
و ربما ظن أن حفظ القرآن يدفع عنه . . فتراه يترخص فبالذنوب ، و لو فهم لعلم أن الحجة عليه أقوى ممن لم يقرأ .
و المحدث يجمع الطرق ، و يحفظ الأسانيد ، و لا يتأمل مقصود المنقول ، و يرى أنه قد حفظ على الناس الأحاديث ، فهو يرجوا بذلك السلامة .
و ربما ترخص في الخطايا ظناً منه أن ما فعل في الشريعة يدفع عنه .
الفقيه قد وقع له أنه بما قد عرف من الجدال الذي يقوي به خصامه ، و المسائل التي قد عرف فيها المذهب قد حصل بما يفتي به الناس ما يرفع قدره ، و يمحو ذنبه .
ربما هجم على الخطايا ظناً منه أن ذلك يدفع عنه .
و ربما لم يحفظ القرآن و لم يعرف الحديث ، و أنهما ينهيان عن الفواحش بزجر و رفق .
و ينضاف إليه مع الجهل بهما حب الرياسة ، و إيثار الغلبة في الجدل ، فتزيد قسوة قلبه .
و على هذا أكثر الناس ، صور العلم عندهم صناعة ، فهي تكسبهم الكبر و الحماقة .
و قد حكى بعض المعتبرين عن شيخ أفنى عمره في علوم كثيرة ، أنه فتن في آخر عمره بفسق أصر عليه ، و بارز الله به .
و كانت حالة تعطي بمضمونها أن علمي يدفع عني شر ما أنا فيه و لا يبقى له اثر .
و كان كأنه قد قطع لنفسه بالنجاة ، فلا يرى عنده أثر لخوف و لا ندم على ذنب .
قال : فتغير في آخر عمره و لازمه الفقر ، فكان يلقي الشدائد و لا ينتهي عن قبح حاله .
إلى أن جمعت له يوماً قراريط على وجه الكدية فاستحى من ذلك و قال : يارب إلى هذا الحد ؟
قال الحاكي : فتعجبت من غفلته كيف نسي الله عز وجل ، و أراد منه حسن التدبير له و الصيانة و سعة الرزق ، و كأنه ما سمع قوله تعالى : و ألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقاً و لا علم أن المعاصي تسد أبواب الرزق ، و أن من ضيع أمر الله ضيعه الله .
فلما رأيت علماً ما أفاد كعلم هذا ، لأن العالم إذا زل انكسر ، و هذا مصر لا تؤلمه معصيته و كأن يجوز له ما يفعل ، أو كأن له التصرف في الدين تحليلاً و تحريماً .
فمرض عاجلاً ، و مات على أقبح حال .
قال الحاكي : و رأيت شيخاً آخر حصل صور علم ، فما أفادته .
كان أي فسق أمكنه لم يتحاش منه ، و أي أمر لم يعجبه من القدر عارضه بالاعتراض على المقدر و اللوم .
فعاش أكدر عيش ، و على أقبح اعتقاد حتى درج .
و هؤلاء لم يفهموا معنى العلم ، و ليس العلم صور الألفاظ ، إنما المقصود فهم المراد منه ، و ذاك يورث الخشية و الخوف ، و يرى المنة للمنعم بالعلم ، و قوة الحجة له على المتعلم .
نسأل الله عز وجل يقظة تفهمنا المقصود ، و تعرفنا المعبود .
و نعوذ بالله من سبيل رعاع يتسمون بالعلماء ، لا ينهاهم ما يحملون ، و يعلمون و لا يعلمون ، و يتكبرون على الناس بما لا يعلمون .
و يأخذون عرض الأدنى و قد نهوا عما يأخذون .
غلبتهم طباعهم ، و ما راضتهم علومهم ، التي يدرسون .
فهم أحسن حالاً من العوام الذين يجهلون يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا و هم عن الآخرة هم غافلون .



· فصل : الفقه يحتاج إلى جميع العلوم


و علي للفقيه أن يطالع من كل فن طرفاً من تاريخ و حديث و لغة و غير ذلك ، فإن الفقه يحتاج إلى جميع العلوم ، فليأخذ من كل شيء منها مهماً و لقد رأيت بعض الفقهاء يقول كان إجتمع الشبلي ، وشريك القاضي ، فاستعجبت له كيف لا يدري بعد ما بينهما .
و قال آخر في مناظره : كانت الزوجية بين فاطمة و علي رضي الله عنه غير منقطعة الحكم ، فلهذا غسلها .
فقلت له : و يحك فقد تزوج أمامه بنت زينب ، و هي بنت أختها فإنقطع.
و رأيت في كتاب إحياء علوم الدين للغزالي من هذا ما يدهش من التخليط في الأحاديث و التواريخ ، فجمعت من أغاليطه في كتاب .
و قد ذكر في كتاب له سماه المستظهري و عرضه على المستظهر بالله ، أن سليمان بن عبد الملك بعث إلى أبي حازم فقال له : ابعث لي من فطورك ، فبعث إليه نخالة مقلوة فأفطر عليها ، ثم جامع زوجته فجاءت بعبد العزيز ، ثم و لد له عمر . و هذا تخليط قبيح ، فإنه جعل عمر بن عبد العزيز ابن سليمان بن عبد الملك فجعل سليمان جده ، و إنما هو ابن عمه .
و قد ذكر أبو المعالي الجويني في أواخر كتاب الشامل في الأصول قال : قد ذكرت طائفة من الثقاب المعتنين بالبحث عن البواطن أن الحلاج ، و الجبائي القرمطي ، و ابن المقفع تواصوا على قلب الدول و إفساد المملكة و استعطاف القلوب ، و ارتاد كل منهم قطراً ، فقطن الجباري في الإحساء ، و توغل ابن المقفع في أطراف بلاد الترك ، و قطن الحلاج ببغداد ، فحكم عليه صاحباه بالهلكة و القصور عن بلوغ الأمنية لبعد أهل بغداد عن الإنخداع ، و توفر فطنتهم ، و صدق فراستهم .
قلت : و لو أن هذا الرجل أو من حكى عنه عرف التاريخ لعلم أن الحلاج لم يدرك ابن المقفع ، فإن ابن المقفع أمر بقتله المنصور ، فقتل في سنة أربع و أربعين و مائة .
و أبو سعيد الجبائي القرمطي ظهر في سنة ست و ثمانين و مائتين .
و الحلاج قتل سنة تسع و ثلاثمائة .
فزمان القرمطي و الحلاج متقاربان ، فأما ابن المقفع فكلا .
فينبغي لكل ذي علم أن يلم بباقي العلوم ، فيطالع منها طرفاً ، إذ لكل علم بعلم تعلق .
و أقبح بمحدث يسأل عن حادثة فلا يدري ، و قد شغله منها جمع طرق الأحاديث .
و قبيح بالفقه أن يقال له : ما معنى قول رسول الله صلى الله عليه و سلم كذا ، فلا يدري صحة الحديث و لا معناه . نسأل الله عز وجل همة عالية لا ترضى بالنقائض بمنه و لطفه .



· فصل : قدماء العلماء و همتهم العالية


كانت همم القدماء من العلماء عالية ، تدل عليها تصانيفهم التي هي زبدة أعمارهم .
إلا أن أكثر تصانيفهم دثرت ، لأن همم الطلاب ضعفت ، فصاروا يطلبون المختصرات و لا ينشطون للمطولات .
ثم إقتصروا على ما يدرسون به من بعضها ، فدثرت الكتب و لم تنسخ .
فسبيل طالب الكمال في طلب العلم الإطلاع على الكتب التي قد تخلفت من المصنفات ، فليكثر من المطالعة ، فإنه يرى من علوم القوم و علو هممهم ما يشحذ خاطره و يحرك عزيمته للجد ، و ما يخلو كتاب من فائدة .
و أعوذ بالله من سير هؤلاء الذين نعاشرهم ، لا نرى فيهم ذا همة عالية فيقتدي بها المبتدي ، و لا صاحب ورع فيستفيد منه الزاهد .
فالله الله و عليكم بملاحظة سير السلف ، و مطالعة تصانيفهم ، و أخبارهم ، فالاستكثار من مطالعة كتبهم رؤية لهم ، كما قال :
فاتني أن أرى الديار بطرفي فلعلي أرى الديار بسمعي
و إني أخبر عن حالي ، ما أشبع من مطالعة الكتب ، و إذا رأيت كتاباً لم أره ، فكأني وقعت على كنز .
و لقد نظرت في ثبت الكتب الموقوفة في المدرسة النظامية ، فإذا به يحتوي على نحو ستة آلاف مجلد ، و في ثبت كتب أبي حنيفة ، و كتب الحميدي ، و كتب شيخنا عبد الوهاب و ابن ناصر و كتب أبي محمد بن الخشاب و كانت أحمالا ، و غير ذلك من كل كتاب أقدر عليه .
و لو قلت أني طالعت عشرين ألف مجلد كان أكثر و أنا بعد في الطلب .
فاستفدت بالنظر فيها من ملاحظة سير القوم ، و قدر هممهم ، و حفظهم ، و عباداتهم ، و غرائب علومهم ، ما لا يعرفه من لم يطالع .
فصرت أستزري ما الناس فيه و أحتقر همم الطلاب و الله الحمد .



· فصل : ترك أعمال العقل في النظر و الإستدلال إهمال و حمق


ليس للآدمي أعز من نفسه ، و قد عجبت ممن يخاطر بها و يعرضها للهلاك .
و السبب في ذلك : قلة العقل ، و سوء النظر فمنهم من يعرضها للتلف ليمدح بزعمه ، مثل قوم يخرجون إلى قتل السبع ، و منهم من يصعد إلى إيوان كسرى ، ليقال شاطر ، و ساع يمشي ثلاثين فرسخاً ، و هؤلاء إذا تلفوا حملوا إلى النار .
فأن هلك ذهبت النفس التي يراد المال لأجلها .
و أعجب من الكل من يخاطر بنفسه في الهلاك و لا يدري ، مثل أن يغضب فيقتل المسلم فيشفي غيظه بالتعذيب في جهنم .
و أظرف من هذا اليهود و النصارى ، فإن أحدهم يبلغ فيجب عليه أن ينظر في نبوة نبينا صلى الله عليه و سلم ، فإذا فرط فمات فله الخلود في جهنم . و لقد قلت لبعضهم : و يحك تخاطر بنفسك في عذاب الأبد ، نحن نؤمن بنبيكم فنقول : لو أن مسلماً آمن بنبينا و كذب بنبيكم أو بالتوراة خلد في النار ، فما بيننا وبينكم خلاف ، إذ نحن مؤمنون بصدقه و كتابه ، فل لقيناه لم نحجل و لو عاتبنا مثلاً و قال . هل قمتم بسبت بالسبت ، و السبت من الفروع و الفروع لا يعاقب عليها بالخلود .
فقال لي رئيس القوم : ما نطالبكم بهذا ، لأن السبت إنما يلزم بني إسرائيل .
فقلت : فقد سلمنا بإجماعكم و أنتم هالكون ، لأنكم تخاطرون بأرواحكم في العذاب الدائم .
و العجب بمن يهمل النظر فيما إذا توانى فيه أوجب الخلود في العقاب الدائم .
و أعجب من الكل جاحد الخالق ، و هو يرى إحكام الصنعة ، و يقول : لا صانع .
و السبب في هذه الأشياء كلها قلة العقل ، و ترك إعماله في النظر و الإستدلال.



· فصل : خطر إفشاء السر


لا ينبغي للعاقل أن يظهر سراً حتى يعلم أنه إذا ظهر لا يتأذى بظهوره .
و معلوم أن السبب في بث السر طلب الإستراحة ببثه ، و ذلك ألم قريب فليصبر عليه .
فرب مظهر سراً لزوجته ، فإذا طلقت بثته ، و هلك .
أو لصديقه فيظهره عليه حسداً له إذا كان مماثلاً ، و إن كان عامياً فالعامي أحمق . و رب سر أظهر فكان سبب الهلاك .



· فصل : يغوص البحر من طلب اللآلي


ما يتناهى في طلب العلم إلا عاشق العلم . و العاشق ينبغي أن يصبر على المكاره .
و من ضرورة المتشاغل به البعد عن الكسب ، و مذ فقد التفقد لهم من الأمراء و من الإخوان لازمهم الفقر ضرورة .
و الفضائل تنادي هنالك ابتلي المؤمنون و زلزلوا زلزالاً شديداً .
فكلما خافت من ابتلاء قالت :
لا تحسب المجد تمراً أنت آكله لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا
و لما آثر أحمد بن حنبل رضي الله عنه طلب العلم و كان فقيراً ، أبقي أربعين سنة يتشاغل به و لا يتزوج ، فينبغي للفقير أن يصابر فقره كما فعل أحمد .
و من يطيق ما أطاق ؟ فقد رد من المال خمسين ألفاً و كان يأكل الكامخ و يتأدم بالملح .
فما شاع له الذكر الجميل جزافاً ، و لا ترددت الأقدام إلى قبره إلا لمعنى عجيب .
فيا له ثناء ملأ الآفاق ، و جمالاً زين الوجود ، و عزاً نسخ كل ذل .
هذا في العاجل ، و ثواب الآجل لا يوصف .
و تلمح قبور أكثر العلماء لا تعرف و لا تزار . ترخصوا و تأولوا و خالطوا السلاطين ، فذهبت بركة العلم ، و محى الجاه ، و وردوا عند الموت حياض الندم .
فيا لها حسرات لا تتلافى ، و خسراناً لا ينجبر ، و كانت صحبة اللذات طرفة عين ، و لازم الأسف دائماً .
فالصبر الصبر أيها الطالب للفضائل ، فإن لذة الراحة بالهوى أو بالبطالة تذهب و يبقى الأسى ، و قال الشافعي رضي الله تعالى عنه :
يا نفس ما هو إلا صبر أيام كأن مدتها أضغاث أحلام
يا نفس جوزي عن الدنيا مبادرة و خل عنها فإن العيش قدامي
ثم أيها العالم الفقير ، أيسرك ملك سلطان من السلاطين ، و أن ما تعلمه من العلم لا تعلمه ؟
كلا ، ما أظن بالمتيقظ أن يؤثر هذا .
ثم أنت إذا وقع لك مستحسن ، أو معنى عجيب ، تجد لذة لا يجدها ملتذ باللذات الحسية .
فقد حرم من رزق الشهوات ما قد رزقت ، و قد شاركتهم في قوام العيش ، و لم يبق إلا الفضول الذي إذا أخذ لم يكد يضر .
ثم هم على المخاطرة في باب الآخرة غالباً ، و أنت على السلامة في الأغلب .
فتلمح يا أخي عواقب الأحوال ، و اقمع الكسل المثبط عن الفضائل .
فإن كثير من العلماء الذين ماتوا مفرطين يتقلبون في حسرات و أسف .
رأى رجل شيخنا ابن الزغواني في المنام ، فقال له الشيخ : أكثر ما عندكم الغفلة ، و أكثر ما عندنا الندامة .
فأهرب وفقك الله قبل الحبس ، و فسخ عقد الهوى على الغبن الفاحش .
و اعلم أن الفضائل لا تنال بالهوينا ، و أن يسير التفريط يشين وجه المحاسن .
فالبدار البدار و نفس النفس يتردد ، و ملك الموت غائب ما قدم بعد ، و انهض بعزيمة عازم .
إذا هم ألقى بين عينيه عزمة و نكب عن ذكر العاقب جانبا
و لم يستشر في أمره غير نفسه و لم يرض إلا قائم السيف صاحبا
و ارفض في هذه العزيمة الدنيا و أربابها ، فبارك الله لأهل الدنيا في دنياهم ، فنحن الأغنياء ، و هم الفقراء .
كما قال إبراهيم بن أدهم : [ و لو علم الملوك و أبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف ] .
فأبناء الدنيا أحدهم لا يكاد يأكل لقمة إلا حراماً أو شبهة .
و هو و إن لم يؤثر فوكيله يفعله ، و لا يبالي هو بقلة دين وكيله .
وإن عمروا داراً سخروا الفعلة ، و إن جمعوا مالاً فمن وجوه لا تصلح . ثم كل منهم خائف أن يقتل أو يعزل أو يشتم ، فعيبهم نقص .
و نحن نأكل ما ظاهر الشرع يشهد له بالإباحة ، و لا نخاف من عدو ، و لا ولايتنا تقبل العزل .
و العز في الدنيا لنا لا لهم ، و إقبال الخلق ، علينا ، و تقبيل أيدينا و تعظيمنا عندهم كثير .
و في الآخرة بيننا و بينهم تفاوت إن شاء الله تعالى .
فإن لفت أرباب الدنيا أعناقهم يعلمون قدر مزيتنا .
و إن غلت أيديهم عن إعطائنا فلذة العفاف أطيب ، و مرارة المنن لا تفي بالمأخوذ ، و إنما هو طعام دون طعام ، و لباس دون لباس ، و إنها أيام قلائل .
و العجب لمن شرقت نفسه حتى طلب العلم إذ لا يطلبه إلا ذو نفس شريفة ، كيف بذل لبذل من لا عزة إلا بالددنانير ، و لا مفخرة له إلا بالمكنة ، و لقد أنشدني أبو يعلى العلوي :
‌ رب قوم في خلائقهم عرر قد صيروا غررا ‌‌
ستر المال القبيح لهم سترى ـ إن زال ـ ما سترا
أيقظنا الله من رقدة الغافلين ، و رزقنا فكر المتيقظين .
و وفقنا للعمل بمقتضى العلم و العقل ، إنه قريب مجيب .



· فصل : عودوا كل بدن ما إعتاد


لا ينبغي للإنسان أن يحمل على بدنه ما لا يطيق ، فإن البدن كالراحلة إن لم يرفق لها لم تصل بالراكب .
فترى في الناس من يتزهد و قد ربى جسده على الترف ، فيعرض عما ألفه ، فتتجدد له الأمراض ، فتقطعه عن كثير من العبادات .
و قد قيل : [ عودوا كل بدن ما إعتاد ] . و قد قرب إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم ضب فقال : أجدني أعافه ، لأنه ليس بأرض قومي .
و في حديث الهجرة : أن أبا بكر رضي الله عنه طلب لرسول الله صلى الله عليه و سلم الظل ، و فرش له فروة و صب على القدح الذي فيه اللبن ماء حتى برد .
جاء رسول الله صلى الله عليه و سلم على قوم فقال : إن كان عندكم ماء بات في شن و إلا كرعنا .
و كان صلى الله عليه و سلم يأكل لحم الدجاج . و في الصحيح : أنه كان يحب الحلوى و العسل ، و كان إذا لم يقدر أكل ما حضر .
و لعمري إن في العرب و أهل السواد من لا يؤثر عنده التخشن في المطعم و الملبس ، و ذاك إذا جرى بعد نوبته على عادته لم يستضر .
فأما من قد ألف اللطف ، فإنه إذا غير حالته تغير بدنه ، و قلت عبادته .
و قد كان الحسن يديم أكل اللحم و يقول : [ لا رغيفي مالك ، و لا صحني فرقد ] .
و كان ابن سيرين لا يخلي منزله من حلوى .
و كان سفيان الثوري يسافر و في سفرته الحمل المشوي ، و الفالوذج .
و قالت : رابعة : [ ما أرى لبدن يراد به العمل لله إذا أكل الفالوذج عيباً ] .
فمن ألف الترف فينبغي أن يتلطف بنفسه إذا أمنكنه .
و قد عرفت هذا من نفسي ، فإني ربيت في ترف فلما إبتدأت في التقلل و هجر المشتهي ، أثر معي مرضاً قطعني عن كثير من التعبد .
حتى أني قرأت في أيام كل يوم خمسة أجزاء من القرآن ، فتتاولت يوماً ما لا يصلح ، فلم أقدر في ذلك اليوم على قراءتها.
فقلت : إن لقمة تؤثر قراءة خمسة أجزاء بكل حرف عشر حسنات ، إن تناولها
لطاعة عظيمة .
و إن مطعماً يؤذي البدن فيفوته فعل خير ، ينبغي أن يهجر .
و قد رأى رسول الله صلى الله عليه و سلم رجلاً من أصحابه حضر عنده و قد تغير من التقشف فقال له : من أمرك بهذا ؟ .
فالعاقل يعطى بدنه من الغذاء ما يوافقه عن ما ينقي الغازي شعير الدابة .
و لا تظنن أني آمر بأكل الشهوات ، ولا بالإكثار من الملذوذ ، إنما آمر بتناول ما يحفظ النفس ، و أنهيع ما يؤذي البدن .
فأما التوسع في المطاعم ، فإنه سبب النوم و الشبع يعمي القلب ، و يهزل البدن و يضعفه .
فإفهم ما أشرت أليه ، فالطريق هي الوسطى .



· فصل : المغفل يجر على نفسه المحن


إذا تكامل العقل قي الذكاء و الفطنة .
و الذكي يتخلص إذا وقع في آفة كما قال الحسن : [ إذا كان اللص ظريفاً لم يقطع ، فأما المغفل فيجني على نفسه المحن ] .
هؤلاء أخوة يوسف عليه السلام ، أبعدوه عن أبيه ليتقدموا عنده ، و ما علموا أن حزنه عليه يشغله عنهم ، و تهمته إياهم تبغضهم إليه ، ثم رموه في الجب فقالوا : يلتقطه بعض السيارة و ليس بطفل إنما هو صبي كبير .
و ما علموا أنه إذا التقط يحدث بحاله ، فيبلغ الخبر إلى أبيه ، و هذا تغفيل .
ثم إنهم قالوا : أكله الذئب ، و جاؤوا بقميصه صحيحاً ، و لو خرقوه إحتمل الأمر .
ثم لما مضوا إليه يمتارون قال : ائتوني بأخ لكم فلو فطنوا علموا أن ملك مصر لا غرض له في أخيهم .
ثم حبسه بحجة ، ثم قال : هذا الصواع يخبرني أنه كان كذا و كذا ، هذا كله و ما يفطنون .
فلما أحس بهذه الأشياء يعقوب عليه السلام قال : اذهبوا فتحسسوا من يوسف ، و كان يوسف عليه السلام قد نهي بالوحي أن يعلم أباه بوجوده .
و لهذا لما إلتقيا قال له : هلا كتبت إلي ؟ فقال : إن جبريل عليه السلام منعني .
فلما نهى أن يعرفه خبره لينفذ البلاء كان ما فعل بأخيه تنبيهاً ، فصار كأنه يعرض بخطبة المعتدة .
و على فهم يوسف و الله بكى يعقوب لا على مجرد صورته .



· فصل : أذل الذل التعرض للبخلاء و الأمراء


الآدمي موضوع على مطلوبات تشتت الهم ، العين تطلب المنظور ، و اللسان يطلب الكلام ، و البطن يطلب المأكول ، و الفرج المنكوح ، و الطبع يحب جمع المال .
و قد أمرنا بجمع الهم لذكر الآخرة ، و الهوى يشتته .
فكيف إذا اجتمعت إليه حاجات لازمة من طلب قوت البدن و قوت العيال .
و هذا يبكر إلى دكانه و يتفكر في التحصيل ، و يستعمل مالة الفهم في نيل ما لا بد منه .
فأي هم يجتمع منه خصوصاً إن أخذه الشره في صورة فيمضي العمر ، فينهض من الدكان إلى القبر .
فكيف يحصل العلم أو العمل أو إخلاص القصد أو طلب الفضائل .
فمن رزق يقظه ، فينبغي أن يصابر لنيل الفضائل .
فإن كان متزهداً بغير عائلة اكتفى بسعي قليل ، فقد كان السبتي يعمل يوم السبت فيكتفي به طول الأسبوع .
فإن كان له مال باضع به من يكفيه بدينه ، و ثقته من أن يهتم هو .
و إن كان له عائلة جمع همه في نية الكسب عليهم فيكون متعبداً .
أو أن يكون قنية تنال كعقار ناصفه في نفقته ليكفيه دخله .
و ليقلل الهم على مقدار ما يمكنه من حذف العلائق جهده ليجمع الهم في ذكر الآخرة .
فإن لم يفعل أخذ في غفلته و ندم في حفرته .
و أقبح الأحوال حال عالم فقيه كلما جمع همه لذكر الآخرة شتته طلب القوت للعائلة .
و ربما إحتاج إلى التعرض للظلمة و أخذ الشبهات و بذل الوجه ، فيلزم هذا التقدير في النفقة .
و إذا حصل له شيء من وجه دبر فيه .
و لا ينبغي أن يحمله قصر الأمل على إخراج ما في يده ، فقد قال صلى الله عليه و سلم : لأن تترك و رثتك أغنياء خير من أن تتركها عالة يتكففون الناس
و أذل من كل ذل التعرض للبخلاء و الأمراء .
فليدبر أمره ، و يقلل العلائق ، يحفظ جاهه . فالأيام قلائل .
و قد بعث إلى أحمد بن حنبل فسأله ابنه قبوله فقال : [ يا صالح صنى ، ثم قال : أستخير الله ، فأصبح فقال : يا بني قد عزم لي ألا أقبله ] .
هذا و كان العطاء هنياً ، و جاءه من وجوه . فانعكس الأمر اليوم .



· فصل : في العزلة طيب العيش


العزلة عن الخلق سبب طيب العيش .
و لا بد من مخالطة بمقدار ، فدار العدو و استحله ، فربما كادك فأهلكك .
و أحسن إلى من أساء إليك . و إستعن على أمورك بالكتمان ، و لتكن الناس عندك معارف ، فأما أصدقاء فلا .
لأن أعز الأشياء وجود صديق ، ذاك أن الصديق يجب أن يكون في مرتبة ممائل .
فإن صادفته عامياً لم تنتفع به لسوء أخلاقه ، و قلة علمه و أدبه ، و إن صادفت مممماثلاً أو مقارباً حسدك .
و إذا كان لك يقظة تلمحت من أفعاله و أقواله ما يدل على حسدك لتعرفنهم في لحن القول .
و إذا أردت تأكيد ذلك فضع عليه من يضعك عنده . فلا يحرج إليه إلا بما في قلبه .
فإن أردت العيش فابعد عن الحسود لأنه يرى نعمتك ، فربما أصابها بالعين .
فإن إضطررت إلى مخالطته فلا تفش له سرك و لا تشاورهه ، و لا يغرنك تملقه لك ، و لا ما يظهره من الدين و التعبد ، فإن الحسد يغلب الدين .
و قد عرفت أن قابيل أخرجه الحسد إلى القتل .
و إن أخوة يوسف باعوه بثمن
بخس .
و كان أبو عامر الراهب من المتعبدين العقلاء ، و عبد الله بن أبي من الرؤساء ، أخرجهما حسد رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى النفاق و ترك الصواب .
و لا ينبغي أن تطلب لحاسدك عقوبة أكثر مما هو فيه ، فإنه في أمر عظيم متصل لا يرضيه إلا زوال نعمتك .
و كلما إمتدت إمتد عذابه ، فلا عيش له .
و ما طاب عيش أهل الجنة إلا حين نزع الحسد و الغل من صدورهم .
و لولا أنه نزع تحاسدوا و تنغص عيشهم .



· فصل : من تكاسل عن العلم لم يحصل له المراد


من سار مع العقل ، و خالف طريق الهوى ، و نظر إلى العواقب ، أمكنه أن يتمتع من الدنيا و الذكر الجميل ، و يكون ذلك سبباً لفوات مراده من اللذات .
و بيان هذا من وجهين :
أحدهما : إن مال إلى شهوات النكاح ، و أكثر منها قل إلتذاذه و فنيت حرارته ، و كان ذلك سبباً في عدم مطلوبه منها .
و من إستعمل ذلك بمقدار ما يجيزه العقل ، و يحتمله ، كان إلتذاذه أكثر ، لبعد ما بين الجماعين ، و أمكنه التردد لبقاء الحرارة .
و كذلك من غش في معاملته أو خان ، فإنه لا يعامل فيفوته ربح المعاملة الدائمة لخيانته مرة .
و لو عرف بالثقة دامت معاملة الناس له فزاد ربحه .
الثاني : أنه من إتقى الله ، و تشاغل بالعلم ، أو تحقيق الزهد فتح له من المباحات ما يلتز به كثيراً .
و من تعاقد به الكسل عن العلم أو الهوى عن تحقيق الزهد لم يحصل له إلا اليسير من مراده .
قال عز وجل : و ألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقاً .



· فصل : عيش الصديقين


ينبغي أن يكون العمل كله لله ، و معه ، و من أجله .
و قد كفاك كل مخلوق ، و جلب لك كل خير .
و إياك كفاك كل مخلوق ، و جلب لك كل خير .
و إياك أن تميل عنه بموافقة هوى و إرضاء مخلوق ، فإنه يعكس عليك الحال ، و يفوتك المقصود .
و في الحديث : من أرضى الناس بسخط الله عاد حامده من الناس ذاماً .
و أطيب العيش عيش من يعيش مع الخالق سبحانه .
فإن قيل : كيف يعيش معه ؟
قلت : بإمتثال أمره ، و إجتناب نهيه ، و مراعاة حدوده ، و الرضى بقضائه ، و حسن الأدب في الخلوة ، و كثرة ذكره ، و سلامة القلب من الإعتراض في أقداره .
فإن إحتجت سألته ، فإن أعطى و إلا رضيت بالمنع ، و علمت أنه لم يمنع بخلاً ، و إنما نظراً لك .
و لا تنقطع عن السؤال لأنك تتعبد به ، و متى دمت على ذلك رزقك محبته و صدق التوكل عليه ، فصارت المحبة تدلك على المقصود ، و أثمرت لك محبته إياك ، فحينئذ تعيش عيشة الصديقين .
و لا خير في عيش إن لم يكن كذا ، فإن أكثر الناس مخبط في عيشه ، يداري الأسباب ، و يميل إليها بقلبه ، و يتعب في تحصيل الرزق بحرص زائد على الحد ، و يرغبه إلى الخلق ، و يعترض عند انكسار الأغراض .
و القدر يجري و لا يبالي بسخط ، و لا يحصل له إلا ما قدر .
و قد فاته القرب من الحق و المحبة له ، و التأدب معه ، فذلك العيش عيش البهائم .



· فصل : من أعمل عقله سلم


نظرت في حكمة المطعم و المشرب و الملبس و المنكح ، فرأيت أن الآدمي لما خلق من أصول تتحلل ، و هي الماء ، و التراب ، و الهواء . و بقاؤه إنما يكون بالحارة و الرطوبة [ و الحرارة تحلل الرطوبة دائماً ] فلم يكن له بد من شيء يخلف ما بطل .
و لما كان اللحم لا ينوب عنه إلا اللحم ، أباح الشرع ذبح الحيوان ، ليتقوى به من هو أشرف منه .
و لما كان بدنه يحتاج إلى كسوة ، و له قدرة تمييز ، و قدرة يصنع بها ما يقيه الأذى من القطن و الصوف ، لم يجعل على جلده ما يقيه خلقه ، بخلاف الحيوان البهيم ، فإنه لما لم يكن له قدرة على ما يغطى جلده ، عوضه بالريش و الشعر و الوبر .
و لما لم يكن بد من فناء الآدمي و الحيوان ، هيج شهوة الجماع لتخلف النسل .
فمقتضى العقل الذي حرك على طلب هذه المصالح أن يكون التناول للمطعم و المشرب مقدار الحاجة و المصلحة ، ليقع الالتذاذ بالعافية .
و من البلية طلب الإلتذاذ بالمطعم و إن كان غير صالح و الشره في تناوله ، و كذلك الكسوة و النكاح .
و من الحزم جمع المال و إدخاره لعارض حاجة من ذلك .
و من التغفيل إنفاق الحاصل ، فربما عرضت حاجة فلم يقدر عليها فأثر عدمها في البدن أو في العرض بطلبها من الأنذال .
و من أقبح الأمور الإنهماك في النكاح طلباً لصورة اللذة ، ناسياً ما يجني ذلك من انحلال القوة ، و يزيد في الحرام بالعقوبة .
فمن مال إلى تدبير العقل سلم في دنياه و آخرته .
و من أعرض عن مشاورته أو عن القبول منه عجل عطبه .
فليفهم مقصود الموضوعات و حكمها بالمراد منها ، فمن لم يفهم و لم يعمل بمقتضى ما فهم كان كأجهل العوام ، و إن كان عالماً .



· فصل : في مخالطة الأمراء


العجب ممن له مسكة من عقل ، أو عنده قليل من دين ، كيف يؤثر مخالطتهم .
فإنه بالمخالطة لهم أو العمل معهم يكون قطعاً خائفاً من عزل أو قتل أو سم ، و لا يمكنه أن يعمل إلا بمقتضى أوامرهم .
فإن أمروا بما لا يجوز لم يقدر أن يراجع ، فقد باع قطعاً بدنياه فمنعه بالخوف من القيام بأمر الله و ضاعت عليه آخرته .
و لم يبق بيده إلا عاجل التعظيم و أن يقال بين يديه [ بسم الله ] و أن ينفذ أوامره .
و ذلك بعيد من السلامة في باب الدين و ما يلتذ به منه في الدنيا ممزوج بخوف العزل و القتل .



· فصل : العاقل من تأمل الأمور و رعاها


من الغلط العظيم أن يتكلم في حق معزول بما لا يصلح ، فإنه لا يؤمن أن يلي فينتقم .
و في الجملة لا ينبغي أن يظهر العداوة لأحد أصلاً ، فقد يرفع المحتقر ، و قد يتمكن من لا يعد . بل ينبغي أن يكتم ما في النفوس من ضغن على الأعداء .
فأن أمكن الإنتقام منهم كان العفو انتقاماً لأنه يذلهم .
و ينبغي أن يحسن إلى كل أحد ، خصوصاً من يجوز أن يكون له ولاية ، و أن يخدم المعزول ، فربما نفع في ولايته .
و قد روينا أن رجلاً إستأذن على قاضي القضاة ابن أبي داؤد و قال : قولوا له : أبو جعفر بالباب .
فلما سمع هش لذلك و قال : ائذنوا له .
فدخل ، فقام ، و تلقاه و أكرمه و أعطاه خمسة آلاف ، و ودعه .
فقيل له : رجل من العوام فعلت به هذا ؟
قال : إني كنت فقيراً ، و كان هذا صديقاً ، فجئته يوماً فقلت له : أنا جائع .
فقال : اجلس ، و خرج ، فجاء بشواء و حلوى و خبز فقال : كل .
فقلت : كل معي . قال : لا قلت : و الله لا آكل حتى تأكل معي ، فأكل فجعل الدم يجري من فمه .
فقلت : ما هذا فقال : مرض .
فقلت : و الله لا بد أن تخبرني .
فقال : إنك لما جئتني لم أكن أملك شيئاً .
و كانت أسناني مضببة بشريط من ذهب ، فنزعنه و اشتريت به .
فهلا أكافئ مثل هذا ؟
و على عكس هذه الأشياء كان ابن الزيات وزير الواثق ، و كان يضع من المتوكل ، فلما ولي عذبه بأنواع العذاب .
و كذلك ابن الجزري كان لا يوقر المسترشد قبل الولاية ، فجرت عليه الآفات لما ولي . فالعاقل من تأمل العواقب و رعاها .
و صور كل ما يجوز أن يقع فعمل بمقتضى الحزم .
و أبلغ من هذا تصوير وجود الموت عاجلاً ، لأنه يجوز أن يأتي بغتة من غير مرض .
فالحازم من إستعد له و عمل عمل من لا يندم إذا جاءه .
و حذر من الذنوب فإنها كعدو مراصد بالجزاء .
و إدخر لنفسه صالح الأعمال ، فإنها كصديق صديق ينفع وقت الشدة .
و أبلغ من كل شيء أن يعلم المؤمن أنه كلما زاد عمله في الفضائل علت مرتبته في الجنة ، و إن نقص نقصت .
فهو و أن دخل الجنة في نقص بالإضافة إلى كمال غيره ، غير أنه قد رضي به و لا يشعر بذلك .
فرحم الله من تلمح العواقب ، و عمل بمقتضى التلمح ، و الله تعالى الموفق .



· فصل : في عدم الصبرعن المشتهى الهلاك


لما جمعت كتابي المسمى بالمنتظم في تاريخ الملوك و الأمم ، إطلعت على سير الخلق من الملوك و الوزراء و العلماء و الأدباء و الفقهاء و المحدثين و الزهاد و غيرهم ، فرأيت الدنيا قد تلاعبت بالأكثرين تلاعباً أذهب أديانهم ، حتى كانوا لا يؤمنون بالعقاب .
فمن الأمراء من يقتل و يصادر ، و يقطع و يحبس ، بغير حق ، ثم ينخرط في سلك المعاصي ، كأن الأمر إليه ، أو قد جاءه الأمن من العقاب .
فربما تخايل أن حفظي الرعايا يرد عني ، و ينسي أنه قد قيل لرسول الله صلى الله عليه و سلم : قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم .
و قد انخرط جماعة ممن يتسم بالعلم في سلك المعاصي ، لتحصيل أغراضهم العاجلة فما نفعهم العلم .
و رأينا خلقاً من المتزهدين خالفوا لنيل أغراضهم ، و هذا لأن الدنيا فخ و الناس كعصافير ، و العصفور يريد الحبة و ينسى الخنق .
قد نسي أكثر الخلق مآلهم ميلاً إلى عاجل لذاتهم ، فأقبلوا يسامرون الهوى و لا يلتفتون إلى مشاورة العقل .
فلقد باعوا بلدة يسيرة خيراً كثيراً ، و إستحقوا بشهوات مرذولة عذاباً عظيماً .
فإذا نزل بأحدهم الموت قال : ليتني لم أكن ، ليتني كنت تراباً ، فيقال له : الآن ؟
فوا أسفي لفائت لا يمكن استدراكه ، و لمرتهن لا يصح فكاكه ، و لندم لا ينقطع زمانه ، و لمعذب عز عليه إيمانه بالله .
ما نفعت العقول إلا لمن يلتفت إليها و يعول عليها .
و لا يمكن قبول مشاورها إلا بعزيمة الصبر عما يشتهي .
فتأمل في الأمراء عمر بن الخطاب و ابن عبد العزيز رضي الله عنهما ، و في العلماء أحمد بن حنبل رحمة الله عليه ، و في الزهاد أويس القرني .
لقد أعطوا الجد حقه و فهموا مقصود الوجود .
و ما هلك الهالكون إلا لقلة الصبر عن المشتهى .
و ربما كان فيهم من لا يؤمن بالبعث و العقاب .
و ليس العجب من ذاك ، إنما العجب من مؤمن يوقن ، و لا ينفعه يقينه ، و يعقل العواقب و لا ينفعه عقله .



· فصل : الجمع بين العمل و العلم صعب


من رزق همة عالية يعذب بمقدار علوها ، كما قال الشاعر :
و إذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجسام
و قال الآخر :
و لكل جسم في النحول بلية و بلاء جسمي من تفاوت همتي
و بيان هذا أن من علت همته طلب العلوم كلها ، و لم يقتصر على بعضها ، و طلب من كل علم نهايته ، و هذا لا يحتمله البدن .
ثم يرى أن المراد العمل فيجتهد في قيام الليل و صيام النهار ، و الجمع بين ذلك و بين العلم صعب .
ثم يرى ترك الدنيا و يحتاج إلى ما لا بد منه .
و يحب الإيثار و لا يقدر على البخل ، و يتقاضاه الكرم البذل ، و يمنعه عز النفس عن الكسب من وجوه التبذل .
فإن هو جرى على طبعه من الكرم ، احتاج و افتقر و تأثر بدنه و عائلته . و إن أمسك فطبعه يأبى ذلك .
و في الجملة يحتاج إلى معاناة و جمع بين أضداد ، فهو أبداً في نصب لا ينقضي ، و تعب لا يفرغ .
ثم إذا حقق الإخلاص في الأعمال زاد تعبه ، و قوى وصبه ، فأين هو و من دنت همته؟ إن كان فقيها فسئل عن حديث قال : ما أعرفه ، و إن كان محدثاً عن مسألة فقيهة قال : ما أدري ، و لا يبالي إن قيل عنه مقصر .
و العالي الهمة يرى التقصير في بعض العلوم فضيحة ، قد كشفت عيبه ، قد أرت الناس عورته .
و القصير الهمة لا يبالي بمنن الناس ، و لا يستقبح سؤالهم ، و لا يأنف من رد ، و العالي الهمة لا يحمل ذلك .
و لكن تعب العالي الهمة راحة في المعنى ، و راحة القصير الهمة تعب و شين إن كان ثم فهم .
و الدنيا دار سباق إلى أعالي المعالي ، فينبغي لذي الهمة ألا يقصر في شوطه .
فإن سبق فهو المقصود ، و إن كبا جواده مع اجتهاده لم يلم .



· فصل : ثقة الإنسان بعلم نفسه آفة كبرى


المصيبة العظمى رضى الإنسان عن نفسه و اقتناعه بعلمه ، و هذه محنة قد عمت أكثر الخلق .
فترى اليهودي أو النصراني يرى أنه على الصواب ، و لا يبحث و لا ينظر في دليل نبوة نبينا صلى الله عليه و سلم .
و إذا سمع ما يلين قلبه مثل القرآن المعجز هرب لئلا يسمع .
و كذلك كل ذي هوى يثبت عليه ، إما لأنه مذهب أبيه و أهله ، أو لأنه نظر نظراً أول فرآه صواباً ، و لم ينظر فيما يناقضه ، و لم يباحث العلماء ليبينوا له خطأه .
و من هذا حال الخوارج على أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه ، فإنهم إستحسنوا ما وقع لهم و لم يرجعوا إلى من يعلم .
و لما لقيهم عبد الله بن عباس رضي الله عنهما فبين لهم خطأهم رجع عن مذهبه منهم ألفان .
و ممن لم يرجع عن هواه ابن ملحم ، فرأى مذهبه هو الحق فإستحل قتل أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه ، و رآه ديناً حتى أنه لما قطعت أعضاؤه لم يمانع .
فلما طلب لسانه ليقطع إنزعج و قال : كيف أبقى ساعة في الدنيا لا أذكر الله .
و مثل هذا ما له دواء .
و كذلك كان الحجاج يقول : [ و الله ما أرجو الخير إلا بعد الموت ] .
هذا قوله و كم قتل من لا يحل قتله ، منهم سعيد بن جبير .
و قد أخبرنا عبد الوهاب و ابن ناصر الحافظ قالا : أخبرنا المبارك بن عبد الجبار قال : أخبرنا الحسين بن محمد النصيبي قال : أخبرنا إسماعيل بن سعيد : قال : حدثنا أبو بكر بن الأنباري قال : حدثنا أبو عيسى الختلي قال : حدثنا أبو يعلى قال : حدثنا الأصمعي قال : حدثنا أبو عاصم ، عن عباد بن كثير ، عن قحدم ، قال : وجد في سجن الحجاج ثلاثة و ثلاثون ألفاً ، ما يجب على واحد منهم قطع و لا قتل و لا صلب .
قلت : و عموم السلاطين يقتلون و يقطعون ظناً منهم جواز ذلك ، و لو سألوا العلماء يبنوا لهم .
و عموم العوام يبارزون بالذنوب اعتماداً على العفو و ينسون العقاب .
و منهم من يعتمد أني من أهل السنة ، أو أن لي حسنات قد تنفع ، و كل هذا لقوة الجهل .
فينبغي للإنسان أن يبالغ في معرفة الدليل و لا يساكن شبهته ، و لا يثق بعلم نفسه . نسأل الله السلامة من جميع الآفات . . . ! .



· فصل : ويل لمن عرف مرارة الجزاء ثم آثر لذة المعصية


إعلم أن الجزاء بالمرصاد إن كانت حسنة أو كانت سيئة .
و من الإغترار أن يظن المذنب إذا لم ير عقوبة أنه قد سومح ، و ربما جاءت العقوبة بعد مدة .
و قل من فعل ذنباً إلا و قوبل عليه ، قال عز وجل : من يعمل سوءاً يجز به .
هذا آدم عليه السلام أكل لقمة فقد عرفتم ما جرى عليه .
قال وهب بن منبه : [ أوحى الله تعالى إليه ألم أصنعك لنفسي ، و أحللتك داري ، و أسجدت لك ملائكتي ، فعصيت أمري ، و نسيت عهدي ؟ ]
و عزتي لو ملأت الأرض كلهم مثلك ، يعبدون يسبحون في الليل و النهار ثم عصوني لأنزلتهم منازل العاصين .
فنزع جبريل التاج عن رأسه ، و حل ميكائيل الإكليل عن جبينه ، و جذب بناصيته فأهبط .
فبكى آدم ثلاث مائة عام على جبل الهند تجري دموعه في أودية جبالها ، فنبتت بتلك المدامع أشجار طيبكم هذا .
و كذلك داود عليه السلام ، نظر نظرة فأوجبت عتابه و بكاءه الدائم ، حتى نبت العشب من دموعه .
و أما سليمان عليه السلام فإن قوماً إختصموا إليه فكان هواه مع أحد الخصمين ، فعوقب و تغير في أعين الناس ، و كان يقول : [ أطعموني فلا يطعم ] .
و أما يعقوب عليه السلام ، فإنه يقال إنه ذبح عجلاً بين يدي أمه ، فعوقب بفراق يوسف .
و أما يوسف عليه السلام فأخذ بالهم ، و كل واحد من إخوته ولد له إثنا عشر ولداً ، و نقص هو ولداً لتلك الهمة .
و أما أيوب عليه السلام فإنه قصر في الإنكار على ملك ظالم ، لأجل خيل كانت في ناحيته ، فابتلى .
و أما يونس عليه السلام فخرج عن قومه بغير إذن فالتقمه الحوت .
و أوحى الله عز وجل إلى أرميا : إن قومك تركوا الأمر الذي أكرمت به أباءهم ، و عزتي لأهيجن عليهم جنوداً لا يرحمون بكائهم .
فقال : يا رب هم ولد خليلك إبراهيم ، و أمة صفيك موسى ، و قوم نبيك داود ، فأوحى الله تعالى إليه : إنما أكرمت إبراهيم و موسى و داود بطاعتي ، و لو عصوني لأنزلتهم منازل العاصين .
و نظر بعض العباد شخصاً مستحسناً ، فقال له شيخه : ما هذا النظر ؟ ستجد غبه ، فنسى القرآن بعد أربعين سنة .
و قال آخر : قد عبت سخصاً قد ذهب بعض أسنانه ، فانتثرت أسناني .
و نظرت إلى امرأة لا تحل ، فنظر إلى زوجتي من لا أريد .
و كان بعض العاقين ضرب أباه و سحبه إلى مكان ، فقال له الأب : حسبك إلى ههنا سحبت أبي .
و قال ابن سيرين : عيرت رجلاً بالإفلاس فأفلست . و مثل هذا كثير .
و من أعجب ما سمعت فيه عن الوزير ابن حصير الملقب بالنظام أن المقتفي غضب عليه و أمر بأن يؤخذ منه عشرة آلاف دينار .
فدخل عليه أهله محزونين و قالوا له : من أين لك عشرة آلاف دينار ؟
فقال : ما يؤخذ مني عشرة و لا خمسة و لا أربعة .
قالوا : من أين لك ؟ قال : إني ظلمت رجلاً فألزمته ثلاثة آلاف فما يؤخذ مني أكثر منها .
فلما أدى ثلاثة آلاف دينار وقع الخليفة بإطلاقه و مسامحته في الباقي .
و أنا أقول عن نفسي : ما نزلت بي آفة أو غم أو ضيق صدر إلا بزلل أعرفه حتى
يمكننني أن أقول : هذا بالشيء الفلاني .
ربما تأولت في بعد ، فأرى العقوبة .
فينبغي للإنسان أن يترقب جزاء الذنوب ، فقل أن يسلم منه .
و ليجتهد في التوبة ، فقد روي في الحديث : ما من شيء أسرع لحاقاً بشيء من حسنة حديثة لذنب قديم .
و مع التوبة يكون خائفاً من المؤاخذة متوقعاً لها ، فإن الله تعالى قد تاب على الأنبياء عليهم السلام .
و في حديث الشفاعة يقول آدم : ذنبي ، و يقول إبراهيم و موسى : ذنبي .
فإن قال قائل : قوله تعالى : من يعمل سوءاً يجز به خبر ، فهو يقتضي ألا يجاوز عن مذنب ، وقد عرفنا قبول التوبة و الصفح عن الخاطئين .
فالجواب من وجهين : أحدهما : أن يحمل على من مات مصراً و لم يتب ، فإن التوبة تجب ما قبلها .
و الثاني : أنه على إطلاقه ، و هو الذي أختاره أنا و أستدل بالنقل و المعنى .
أما النقل ، فإنه لما نزلت هذه الآية قال أبو بكر : يا رسول الله أو نجازي بكل ما نعمل ؟ فقال : ألست تمرض ؟ ألست تحزن ؟ أليس يصيبك البلاء ؟ فذلك ما تجزون به .
و أما المعنى فإن المؤمن إذا تاب و ندم ، كان أسفه على ذنبه في كل وقت أقوى من كل عقوبة .
فالويل لمن عرف مرارة الجزاء الدائم ، ثم آثر لذة المعصية لحظة .
اقرأ بعده ...لآخر كتاب صيد الخاطر 8.عرض

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق