الثلاثاء، 16 سبتمبر، 2014

من 1. في قوله تعالى: {هو الأول والآخر} الي 6.{تتجافى جنوبهم عن المضاجع}

.المقدمة:
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الشيخ الإمام العالم الحافظ، إمام وقته، وفريد عصره، وعلامة دهره، جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي: الحمد لله على ما يوليه، حمدا يرضيه، وصلى الله على من اجتمعت كل المعالم فيه، وقرن اسمه باسم الحق عند الذكر ويكفيه، وعلى آله وأصحابه وتابعيه.
هذا الكتاب رقت عباراته، ودقت إشارته، نثرته عند الإملاء نثرا من فنون، فهو نصيب أكف لا تلتقط الدون، جعلته طرازا على ثوب الوعظ، وفصا لخاتم اللفظ، يعمل في القلب قبل السمع، وغلى الله الرغبة في النفع.
.الفصل الأول: في قوله تعالى: {هو الأول والآخر}:
لا بصفة الأول يحكم له مبدأ، ولا بالآخر صار له منتهى، ولا من الظاهر فهم له شح، ولا من الباطن تعطل له وصف، خرست في حضرة القدس صولة لم؟ وكفت لهيبة الحق كف كيف؟ وغشيت لأنوار العزة عين عين الفكرة، فأقدام الطلب واقفة على حمى التسليم، جل عن أشباه وأثمال، وتقدس عن أن تضرب له الأمثال،وإنما يقع الاشتباه والإشكال، في حق من له أنداد وأشكال، المشبه ملوث بفرث التجسيم، والمعطل نجس بدم الجحود، ونصيب المحق من بين فرث ودم لبن خالص، هو المتنزه لا يقال: لم لفعله؟ ولا متى لكونه؟ ولا فيم لذاته؟ ولا كيف لوصفه؟ ليس في صفاته أين؟ ولا مما يدخل في أحديته من طالع مرآة صمديته دلته صفاتها على التنزيه، وعلم أنه لا ينطبع فيها شبح الشريك، ولا خيال التشبيه.
تفكروا في آلاء الله ولا تتفكروا في ذات الله فتهلكوا:
إذا استقبل الرمد الريح فقد تعرض لزيادة الرمد.
جاء البعوض إلى سليمان عليه السلام يشكو من الريح، فاستحضر سليمان الريح، فذهب البعوض، فقال سليمان إلى أين؟ فقال: لو كان لي قوة الثبوت معها ما شكوت منها.
.الفصل الثاني: في ذكر نبينا عليه الصلاة والسلام:
لما رأى نبينا صلى الله عليه وسلم تخليط القوم في دعوى الشرك، فر في بادية العرب، فتحرى غار حراء للفراغ، فراغ إليه، فجاء مزاحم اقرأ يا راهب الصمت، تكلم لسان العجز البشري: لست بقارئ، أنا بالأمس في حجر حجر حليمة، ودخلت في موت أبي في كفالة أبي طالب، فحم لما حمّ، فزمزم بلطف زملوني، فعاد طيف اللطف ينعت الراقد: {يا أَيُها المُزَمِل} قم يا أطيب ثماركن، يا محمولا عليه ثقل قل، يا من خلع عليه خلعة {قُم فَأنذِر} ومن تحركت لتعظيمه السواكن فحن إليه الجذع، وكلمه الذئب، وسبح في كفه الحصا، وتزلزل له الجبل، كل كنى عن شوقه بلسانه.
عجب القوم من علو منزلته، فقالوا بألسنة الحسد {لَولا نُزِلَ هذا القرآن} والقدر يقول: ما هذا التعجب من نخلة بسقت والأصل نواة؟ {ألم نَخلُقكُم مِن ماءٍ مَهين} مرضوا لقوة داء الحسد فرأوه بغير عينه فقالوا: مجنون، يا محمد: هذا نقش يرقانهمن .الفصل الثالث: في ذكر آدم عليه السلام:
إياك والذنوب فإنها أذلت أباك بعد عز {اِسجدوا} وأخرجته من أقطار {اسكُن} مذ سبى الهوى آدم هوى، دام حزنه، فخرج أولاده العقلاء محزونين، وأولاده السبايا أذلة، أعظم الظلمة ما تقدمها ضوء، وأصعب الهجر ما سبقه وصل، واشد عذاب المحب تذكاره وقت القرب، كان حين إخراجه لا تمشي قدمه، والعجب كيف خطا.
وَتَلَفَّتَت عَيني فَمُذ خَفِيَت ** عَنّي الطُلولُ تَلفَّتَ القَلبُ

واعجبا لجبريل بالأمس يسجد له واليوم يجر بناصيته، والمدنف يقول: ارفق بي:
يا سائقَ البَكَراتِ اِستَبِقِ فَضلَتَها ** عَلى الروي فظهر البكر مقعور

الأسى لأيام الوصال، واللسان يقول: يا ويلتاه والقلب ينادي: يا لهفاه.
مِن مُعيٌ أَيامَ جَمعٍ عَلى ما ** كانَ مِنها وَأَينَ أَيّامُ جَمعِ

طالِباً بِالعِراقِ يَنشُدُ هيهات ** زماناً أَضَلّهُ بِالجَزعِ

كم قصة غصة بعثها مع بريد السر لا يدري بها سوى القلب، مكنونها التأسف، ومضمونها التلهف.
أَلا يا نَسيمَ الريحِ مِن أَرضِ بابلٍ ** تَحمِل إِلى أَهلِ العِراق سَلامي

وَإِنّي لأهوى أَن أَكونَ بِأرضِهِم ** عَلى أَنَني مِنها اِستَفدتُ غَرامي

أخذت صعداء أنفاس آدم من ذكر {وَعَصى} تحرقه لولا أنه تدارك الحريق بمياه {فَتابَ عَليه}.
قُل لِجيرانِ الغَضا آَهٍ عَلى ** طيبِ عَيشٍ بالغضا لو كان داما

حَمّلوا ريحَ الصّبا نَشرُكُم ** قَبلَ أَن تَحمِل شيحاً وَثَماما

فكان كلما عاين الملائكة تنزل من السماء تذكر المرتع في المربع، فتأخذ العين في إعانة الحزين:
رَأى بارِقاً مِن أَرضِ نَجدٍ فَراعَهُ ** فَباتَ يُسحُّ الدَمعُ وَجداً عَلى وَجدِ

فيا شَجراتِ القاعِ مِن بَطنِ وَجرَةٍ ** سَقاكِ هَزيمَ الوَدقِ مُرتَجِسُ الرَعدُ

كان عند رؤية الأملاك يذكر إقطاعه الأملاك، فيكاد مما يأسى، يجعل الرجاء يأسا، ثم قام بعد مراكب المنى يمشي إلى أرض منى، فلولا تلقن الكلمات مات.
هَل الأَعصَرُ اللاتي مَضينَ يَعُدنَ لي ** كَما كُنّ لي أَم لا سبَيلَ إِلى الرّدِّ

واعجبا لقلق ابن آدم بلا معين على الحزن، هوام الأرض لا تفهم ما يقول، وملائكة السماء عندها بقايا {أَتَجعَلُ فيها} فهو في كربه بلا رحيم:
أَلا راحِمٌ مِن آلِ لَيلى فأَشتَكي ** لَهُ ما بِقَلبي حَتّى يَكِلَّ لِساني

بُكاءُ آَدَمَ لِفِراق الجَنَةِ لا كَبُكاءِ غَيرِهِ.
وَكانَت بِالعِراقِ لَنا لَيالٍ ** سَرقناهُنَّ مِن رَيبِ الزَمانِ

ما كان هذا القلق لنفس الدار، بل لأجل رب الدار وما بي لا بان، بل من داره البان.
صُحبي مَضَوا فَمَدامِعي ** مُنهِلّةٌ مِن إِثرِ صَحبي

ما فَوقَ الهِجرانُ سَهماً ** فانثني عَن قَصدِ قَلبي

كَلاَّ وَلا نادي الجَوى ** إلا وَكُنتُ أَنا المُلبّي

وَلَقَد وَقَفتُ عَلى مِنى ** لَولا المُنى لَقَضيتُ نَحبي

قال وهب بن منبه رضي الله عنه: سجد آدم عليه السلام على جبل الهند مائة عام يبكي حتى جرت دموعه في وادي سرنديب فنبت من دموعه الدارصيني والقرنفل وجعل طوير الوادي الطواويس، ثم جاء جبريل عليه السلام فقال: ارفع راسك فقد غفر لك، فرفع رأسه ثم طاف بالبيت أسبوعا فما أتمه حتى خاض في دموعه.
دُموعُ عيني مَذ قَذ جَذَّ بَينُهُم ** مَثلُ الدَّوالي أَوهَنَّ الدَّوالي

كان آدم يعقوب البلاء جرى القضاء بزلله، فما ذنب اللقمة.
ولكن ظفرتم بالمحبين فارحموا قدح أُريد انكساره، فسلم إلى مرتعش لو لم تذنبوا واعجبا.
كان يبكي للدار مرة وللجار ألفا، والفراق يقلقل، والبعاد يزلزل.
وَإنّي لَمُشتاقٌ إلى طيبِ وَصلُكُم ** كَما اِشتاقَ نَحو الدارَ مَن طالَ لَفتُهُ

سَأَبكي الدِّما شَوقاً إِلى ساكِنِ الحِمى ** فَأفني بِهِ كَنزَ اِصطِبارٍ ذَخَرتُهُ

وَلَم أَبكِ بُعدَ الدارِ عَني وَإِنّما ** بَكيتُ لِصَبرٍ كان لي فَعَدِمتُهُ

إِذا كانَ دَمعُ العَينِ بالسِرِّ شاهِداً ** فَلَيسَ بِخافٍ في الهوى ما جَحدتُهُ

.الفصل الرابع: في صفة الربيع:
إِذا تأيمت الأرض من زوج القطر، ووجدت لفقده مس الجدب، أخذت في ثياب {فَتَرى الأرضَ هامِدَةً} فإذا قوي فقر القفر، ألقى مد أكف الطلب يستعطي زكاة السحاب، فساق الصانع بعلا يسقي بعلا، فثارت للغياث مثيرة، فجاء الغيث بلا مثيرة {فَسُقناهُ إِلى بَلَدِ مَيت} وتأثير صناعة المعلم في البليد أعجب.
فلبس الجو مطرفه الأدكن، وأقبلت خيالة القطر شاهرة سيوف البرق، فأخذ فراش الهوى، يرش جيش النسيم، فباحث الريح بمكنون المطر، فاستعار السحاب جفون العشاق، وأكف الأجواد، فامتلأت الأودية أنهارا، كلما مستها يد النسيم حكى سلسالها سلاسل الفضة، فالشمس تسفر وتتنقب، والغمام يرش وينسكب انعقد بعقد الزوجين عقد حب الحب فلما وقعت شمس الشتاء في الطفل، نشأ أطفال الزرع فارتبع الربيع أوسط بلاد الزمان، فأعار الأرض أثواب الصبا، فانتبهت عيون الأرض من سنة الكرى، ونهضت عرائس النبات ترفل في أنواع الحلل، فكأن النرجس عين، وورقه ورق، فالشقائق يحكي لون الخجل والبهار يصف حال الوجل، والبنفسج كآثار العض في البدن، والنيلوفر يغفو وينتبه، والأغصان تعتنق وتفترق، والأراييج قد ثبت أسرارها إلى النسيم فنم، فاجتمعت في عرس التواصل فنون القيان، فعلا كل ذي فن على فنن، فتطارحت الأطيار مناظرات السجوع، فأعرب كل بلغته عن شوقه، فالحمام يهدر، والبلبل يخطب، والقمري يرجع، والمكاء يغرد، والهدهد يهدد، والأغصان تتمايل كلها تشكر للذي بيده عقدة النكاح، فحينئذ تج خياشيم المشوق ضالة وجده.
لي بِذاتِ البانِ أشجانُ ** حَبَّذا مِن أَجلِها البانُ

حَبَذا رَيَّاهُ يوقِظُهُ ** مِن نَسيمِ الفَجرِ رَيعانُ

حَبَذا وُرق الحَمامِ إِذا ** رَنَّحتها مِنهُ أَغصانُ

داعياتٌ بالهَديلِ لَها ** فيهِ أَسجاعٌ وأَلحانُ

أَعجمياتِ إِذا نَطَقتَ ** لَيس إِلا الشَوقُ تِبيانُ

كُلَما غَنَيتَني هَزَجاً ** هاجَني لِلذكرِ أَحزانُ

مالَ بي مَيلَ الغُصونِ بِها ** طَربي فالكُلُّ نَشوانُ

يا حَمامَ البانِ يَجمَعُنا ** وَجَدُنا إِذ نَحنُ جيرانُ

تُحنَ بالشكوة إِليَّ فَما ** بَينَ أَهلِ الشَوقِ كِتمانُ

يَتَشاكى الواجِدونَ جَوىً ** واحِداً وَالوَجدُ ألوانُ

أَنا مَخلوسُ القَرينِ ** وَأَنتُنَّ أَزواجٌ وَأَرقرانُ

وَبَعيدُ الدارِ عَن وَطَني ** وَلَكُنَّ البانُ أَوطانُ

لا تَزدَني يا عُذولُ جوى ** أَنا بِالأشواقِ سَكرانُ

.الفصل الخامس: يذكر فيه إشارة من حال سلمان الفارسي:
سابقة الأزل قضت لقوم بدليل {سَبَقَت} وعلى قوم بدليل {غَلَبَت عَلَينا شِقوَتُنا} فواأسفا، أين المفر؟ توفيق {سَبَقَت} نور قلوب الجن {فَقالوا إِنّا سَمِعنا قُرآناً عَجَبا} وخذلان {غَلَبَت} أعمى بصائر قريش فقالوا {أَساطيرُ الأَولين} أهل الشمال في جانب جنون البعد، وأهل اليمين في مهب شمال القرب، ما نفعت عبادة إبليس وبلعام ولا ضر عناد السحرة.
وحد قس وما رأى الرسول، وكفر ابن أبي وقد صلى معه، مع الضب ري يكفيه ولا ماء، والسمكة غائصة في الماء ولا ري.
دخل الرسول عليه الصلاة إلى بيت يهودي يعوده فقال له: أسلم تسلم، فنظر المريض إلى ابيه، فقال له: أجب أبا القاسم، فأسلم كان في ذلك البيت غريبا مثل «سلمان منا» فصاحت ألسنة المخالفين: ما لمحمد ولنا؟ ولسان الحال يقول: مريضنا عندكم! كيف انصرافي ولي في داركم شغل المناسبة تؤلف بين الأشخاص. ما احتمل موسى مرارة الغربة في دار فرعون وإن كان في آسية ما يسلين غير أن حق الأم أحق، فضرب على فيه فدام {وَحَرَمنا} إلى أنه أمته الأم، فصوت عود العود عند اجتماع الشمل.
سَلامي عَليكُم كَيفَ حالُكُم ** وَهَل عِندَكُم مِن وَحشَةِ البَينِ ما عندي

سبق العلم بنبوة موسى وإيمان آسية فسيق تابوته إلى بيتها، فيه طفل منفرد عن أم إلى امرأة خالية عن زوج.
.قرينان مرتعنا واحد:
لما قضيت في القدم سلامة سلمان حملته صبا الصبا نحو الدين، كان أبوه على اعتقاد المجوس، فعرج به دليل التوفيق إلى دير النصارى، فأقبل يناظر أباه فلم يكن لأبيه جواب القيد، وهذا الجواب المرذول قديم من يوم {أَنا أُحيي وَأُميت}، {ثُمّ نُكِسوا} {قالوا حَرِقوهُ} فنزل في البداية ضيف {وَلَنَبلونَّكُم} ولولا مكابدة البلاء ما نيلت مرتبة «رب أشعث أغبر، لو أقسم على الله لأبره» فسمع أن ركبا على نية السفر، فسرق نفسه من حرز أبيه ولا قطع، فركب راحلة العزم يرجو إدراك مطلب الغنى، وغاص في مقر بحر البعث ليقع على بدرة الوجود، فصاح به الهوى: إلى أين؟ فقال: {إِني ذاهبٌ إِلى رَبي} وقف نفسه على خدمة الأدلاء، وقوف الأذلاء.
فلما أحس الرهبان بانقراض دولتهم، زوده سفره إلى طلب علم الأعلام على علامات نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام، وقالوا: قد آن زمانه وأظل، فاحذر أن تضل، فإنه يخرج بأرض العرب، ثم يهاجر إلى أرض بين حرتين، فلو رأيته قد فلى الفلاة، والدليل شوقه، والحنين يزعجه، والتلهف يقلقه.
وَأَبغَضتُ فيكَ النَخلَ وَالنَخلُ يانعٌ ** وَأَعجَبَني مِن حُبِكَ الطَلحُ وَالضالُ

وَأَهوى لِجَرّالُ السَّمَاوَةَ وَالفَضى ** وَلو أَنّ صَنفِيَةَ وَشاةٍ وعُذالُ

رحل مع رفقة لم يرفقوا به {فَشَروهُ بِثَمَنٍ بَخس} فاشتراه يهودي بالمدينة، فانجبر انكسار رقه بإنعام «سلمان منا» وتوقد شوقه برؤية الحرتين، وما علم المنزل بوجد النازل.
أَيَدري الرَبعُ أَيَ دَمٍ أَراقا ** وَأَيَّ قُلوبٍ هَذا الرَكبُ ساقا؟

لَنا وَلأَهلِهِ أَبداً قُلوبُ ** تَلاقى في جُسومِ ما تَلاقى!!

فبينما هو يكابد ساعات الانتظار جاء البشير بقدوم الرسول، وسلمان في رأس نخلة، فكاد القلق يلقيه لولا أن الحزم أمسكه، كما جرى يوم {إِن كادَت لَتُبدي بِهِ} ثم عجل النزول ليلقي ركب البشارة، وأي ثبات بقي ليعقوب في حال {إِني لأجد}.
خَليليَّ مِن نَجدٍ قَفاني عَلى الرُّبا فَقَد هَبَّ مِن تِلكَ الرُسومِ نَسيمُ طف صالح به المالك: مالك وهذا؟ انصرف إلى شغلك.
كيف انصرافي ولي في داركم شغل ثم أخذ يضربه، فأخذ لسان حال المشوق يترنم، لو سمع الأطروش؟
خَليليَّ لا وَاللَهِ ما أَنا مِنكُما ** إذا عَلَمٌ مِن آَلِ لَيلى بَدا لِيا

.الفصل السادس: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع}:
سفر الليل لا يطيقه إلى مضمر المجاعة، تجتمع جنود الكسل فتتشبث بذيل التواني، فتزين حب النوم، وتزخرف طيب الفراش، وتخوف برد الماء، فإذا ثارت شعلة من نار الحزم، أضاءت بها طريق القصد، فسمعت أذن اليقين هاتف: هل من سائل؟
فَقُمتُ أَفرِشُ خَدِّي في الطَريقِ لَهُ ** ذُلاً وَأَسحَبُ أَجفاني عَلى الأَثَرِ

نفس المحب في الليل على آخر نفس، وفي المتعبدين قوة وهم يستغفرون صراخ الأطفال غير بكاء الرجال، سهر الليل هودج الأحباب، يوقظ نسيم الأسحار أعين ذوق الأخطار، فلو رأيتهم:
وَقَد لاحَت الجوزاءُ وَأنحَدَرَ النَّسرُ

قد افترشوا بساط قيس وباتوا بليل النابغة إن ناموا توسدوا أذرع الهمم، وإن قاموا فعلى أقدام القلق، كأن النوم حلف على جفاء أجفانهم.
هَذا رِضاكَ نَفى نَومي فأَرَقَني ** فَكَيفَ يا أَمَلي إِن كُنتَ غَضبانا

مازالوا على مطايا الأقدام إلى أن نم النسيم بالسحر، وقام الصارخ ينعي الظلام، فلما تمخض الدجى بحمل السحر، تساندوا إلى رواحل الاستغفار.
شَكونا إِلى أَحبابِنا طَولَ لَيلَنا ** فَقالوا لَنا ما أَقصَرَ اللَيلَ عِندَنا

رياح الأسحار أقوات الأرواح، رقت، فراقت، فبردت حر الوجد، وبلغت رسائل الحب.
أَلا يا صِبا نَجِدُ مَتى هُجتَ مِن نَجدٍ ** لَقَد زادَني مَسراكَ وَجداً عَلى وَجدِ

مكروب الوجدن يرتاح إلى النسيم، وإن قلقل الواجد.
بَينَ شَمالَ وَصِبا ** حَنَّ مَشوقٌ وَصَبا

فَلَم تَزِدهُ نَغَمات ** الشَوقِ إِلا وَصَبا

عبارة النسيم لا يفهمها إلا المشتاق، وحديث البروق لا يروق إلا للعشاق.
وَمُرنَّحِ فِطَنَ النَسيمُ بِوَجدِهِ ** فَروى لَهُ خَبَر العُذَييبِ مَعرِّضا

خلوا بالحبيب في دار المناجاة فكساهم ثياب الموصلة، وضمخهم بطيب المعاملة، وغالية السحر غالية، يصبحون وعليهم سيما القرب.
تفوح أرواح نجد من ثيابهم فتأسف يا جيفة النوم، وابك يا عريان الغفلة، أتدري كيف مر عليهم الليل، ألك علم بما جرى للقوم.
أيعلم خال ما جرى للمتيم رحلت رفقة {تَتَجافى} قبل السحر، ومطرود النوم في حبس الرقاد، فما فك عنه السجان القيد حتى استقر بالقوم المنزل، فقام يتلمح الآثار على باب الكوفة، والقوم قد شرعوا في الإحرام.
مَن يَطَّلَع شَرَفاً فَيُعَلِمُني ** هَل رَوَّضَ الرَعيانُ بالإِبِلِ

أَم قَعقَعت عُمُدُ الخِيامِ أَم ** اِرتَفَعَت قِبابُهُم عَلى النُزل

أَم غَرَّدَ الحادي بِقافِيةٍ ** مِنها غُرابُ البَين يَستَملي

كان حسان بن أبي سنان يخادع امرأته حتى تنام، ثم يخرج من الفراش إلى الصلاة.
جَرى حُبُّهُ مَجرى دَمي في مَفاصِلي ** فَأَصبَحَ لي عَن كُلُّ شُغلٍ شُغلُ

كَأَنّ سَوادِ اللَيلِ يَعشَقُ مُقلَتي ** فَبَينَهُما في كُلِ هَجرٍ لَنا وَصلُ

كانت أم الربيع بن خثيم إذا رأت تقلقله بالليل تقول: يا بني لعلك قتلت قتيلا، فيقول: نعم قتلت نفسي.
وقالت أم عمر بن المنكدر: أشتهي أن أراك نائما، فقال: يا أماه، من جن عليه الليل وهو يخاف البيات، حق له أن لا ينام، يا أماه إن الليل ليرد عليَّ فيهولني، فينقضي عني وما قضيت منه أربي.
ذق الهوى وإن استطعت الملام لم قيل لبعض الزهاد: ارفق بنفسك، فقال: الرفق أطلب.
كان أمية الشامي يبكي في المسجد وينتحب حتى يعلو صوته، فأرسل إليه الأمير: إنك تفسد على المصلين صلاتهم بكثرة بكائك وارتفاع صوتك، فلو أمسكت قليلا، فبكى وقال: إن حزن القيامة أورثني دموعا غزارا، فأنا أستريح إلى ذريها أحياناً.
اللَوَّمُ فيكَ يَنصَحوني ** وَالنُصحُ خِيانَةَ اللَوائِم

المُقعِدُ وَالمُقيمُ عِندي ** ما دُمتَ عَلى الصُدودِ دائِم

مالي أَجِدُ الحَمامَ أَنَّى ** ناحَت بِآراكِها الحَمائم

كَم صَحَّ عَلى السَّلو عَزمي ** وَالحُبُّ يُحَلِّلُ العَزائِم

وَكَم مِن حَديثٍ قَد خَبأناهُ لِلقَسا ** فَلَما اِلتَقينا صِرتُ أَخرسَ أَلكنا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق