الثلاثاء، 16 سبتمبر، 2014

من 7. التوبة الي14.مداواة النفس


.الفصل السابع: التوبة:
يا مؤخر توبته بمطل التسويف {لأَي يَومٍ أُجِلَت} كنت تقول: إذا شبت تبت.
فهذي شهور الصيف عنا قد انقضت لو كان لسيف عن عزيمتك جوهرية لقيك موت الهوى تحت ظبته. كل يوم تضع قاعدة الإنابة ولكن على شفا جرف، كلما صدقت لك في التوبة رغبة، حملت عليها جنود الهوى حملة فانهزمت، اذبح حنجرة بالهوى بسكين العزيمة، فما دام الهوى حيا فلا تأمن من قلب قلبك.
اجعل بكاءك في الدجى شفيعا في الزلل، فزند الشفيع توري نار النجاح. اكتب بمداد الدمع حسن الظن إلى من يحققه، ولا تقنع في توبتك إلا بمكابدة حزن يعقوب أو بصبر يوسف عن الهوى، فإن لم تطق فبذل إخوته يوم {وَتَصَدق عَلَينا}.
يا معشر الأقوام، هذه مشاعل القبول. يا فارغ البيت من القوت، هذه أيام اللقاط. يا مهجور كنعان متى تجد ريح يوسف يا سجن مصر متى يرى الملك سبع بقرات، يا ابن يامين الفراق متى تسمع نغمات {إِني أَنا أَخوكَ} يا دائم الزلل متى تضع جبهة {وَإِن كُنا لَخاطِئِين}.
اليَومَ عَهدُكُمُ فَأَينَ المَوعِدُ ** هَيهاتَ لَيسَ لِيومِ عَهدِكُمُ غَدُ

إذا وقعت عزيمة الصدق في قلب العبد التائب رضي الملك، فأنسى الملك، ما كتب، وأوحى إلى الأرض: اكتمي على عبدي.
قتل رجل قبلكم مائة نفس، ثم خرج تائبا فأدركه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فبعث الله ملكا يحكم بينهم، فقال: قيسوا ما بين القريتين، وأوحى إلى هذه أن تباعدي، وغلى هذه أن تقربي، فوجد أقرب إلى قرية الخير بشبر، فغفر له.
والحاكم والخصوم لا يعرفون سر {كَذِلِكَ كِدنا لِيوسُفَ}.
إذ صدق التائب أجبناه وأحييناه {وَجَعَلنا لَهُ نوراً يَمشي بِهِ في الناس} يا معاشر التائبين {أَوفوا بِالعُقُود} انظروا لمن عاهدتم {ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها} فإن زللتم من بعد التقويم، فارجعوا إلى دار المداراة «فإنّ الله لا يمل حتى تملوا».
عودوا إلى الوَصلِ عودوا ** فالهَجرُ صَعبٌ شَديدُ

تَذكّرونا فَما ** عَهدي لَديكُم بَعيدُ

كُنا وَكُنتُم قَريباً ** فَأَينَ تِلكَ العُهودُ

هَل يَرجَعُ البانُ يَوماً ** أَم هَل تَعودُ زَرودُ

.الفصل الثامن: مجاهدة النفس:
يا مقهورا بغلبة النفس، صل عليها بسوط العزيمة، فإنها إن عرفت جدك اِستأسرت لك، وامنعها ملذوذ مباحها ليقع الاصطلاح على ترك الحرام، فإذا صبرت على ترك المباح {فَإِما مناً بَعدُ وَإِما فِداء} الدنيا والشيطان خارجان عنك، والنفس عدو مباطن، ومن أدب الجهاد {قاتِلوا الَّذَينَ يَلونَكُم} إِن مالَت إٍلى الشَهوات فاكبِحها بِلِجامِ التَقوى، وإِن أعرضت عن الطاعات فسقها بسوط المجاهدة، وإن استحلت شراب التواني، واستحسنت ثوب البطالة فصح عليها بصوت العزم. فإن رمقت نفسها بعين العجب فذكرها خساسة الأصل، فإنك والله ما لم تجد مرارة الدواء في حلقك، لم تقدر على ذرة من العافية في بدنك، وقد اجتمعت عندك جنود الهوى في بيت النفس، فأحكمت حصن البطالة. فيا حزب التقى جردوا سيوف العزائم، وادخلوا عليهم الباب.
النفس مثل كلب السوء، متى شبع نام، وإن جاع بصبص. الحر يلحى والعصا للعبد.
كان أحد السلف إذا قهر بترك شهوته أقبل يهتز الرامي إذا قرطس. إذا قوي عزم المجاهدة لأن له الأعداء بلا حرب.
لما قويت مجاهدة نبينا صلى الله عليه وسلم تعدت إلى كل من تعدى، فأسلم شيطانه، اللهم دلنا على قهر نفوسها التي هي أقرب أعدائنا إلينا، وأكثرهم نكاية فينا، يا هذا: بدل اهتمامك بك، واسرق منك لك، فالعمر قليل، تظلم إلى ربك منك، واستنصر خالقك عليك، يأمرك بالجد، وأنت على الضدّ. تفر إلى الزحف ولكن لا إلى فئة.
تطلب نيل العلى وما ارتقيت درج المجاهدة، أتروم الحصاد ولم تبذر؟! لولا إيثار يوسف {السِجنُ أَحبُ إِليّ} ما خرج إلى راحة {وَكَذلِكَ مَكَنَّا} رب خفض تحت السرى، وغنى من عنا، ونضرة من شحوب.
لما قوم المؤمنون أنفسهم بالرياضة وقع عقد {إِنّ اللَهَ اِشتَرى مِنَ المُؤمِنينَ أَنفُسَهُم وَأَموالَهُم بِأَنّ لَهُم الجَنَة} النفس لم ترض إذا لم ترض، لأنها كلب عقور، وإنما يراد الصيود لا العضوض.
ويحك، الأعضاء كالسواقي، والمياه النجسة في الثمرة، أنت تستفتح النهار بإطلاق الجوارح في صيد اللهو، فإذا حان حين الصلاة نعقت بها وليست معلمة فلا تجيب. هيهات ان يخشع طرف ما قومه محتسب {يَغُضوا} وأن يحضر قلب ما أزعجه تخويف {يَعلَمُ السِرَ وَأَخفى}.
الناسُ مِنَ الهَوى عَلى أَصنافِ ** هَذا ناقِضُ العَهدِ وَهَذا وافي

هَيهَات مِنً الكُدورِ تَبغي الصافي ** ما يَصلُحُ لِلحَضرَةِ قَلبٌ جافي

.الفصل التاسع: ذم الدنيا:
أَنت في حديث الدنيا أفصح من سحبان وفي ذكر الآخرة أعيى من باقل تقدم على الفاني، ولا إقدام بن معد يكرب وتجبن عن الباقي ولا جبن حسان ويحك إنما تعجب الدنيا من لا فهم له، كما أن أضغاث الأحلام تسر النائم، لعب الخيال يحسبها الطفل حقيقة، فأما العاقل فلا يغتر.
كم أتلفت الدنيا بيد حبها في بيداء طلبها، وكم عاقبت عن وصول بلد الوصل، كم ساع سعى إليها سعي الرخ ردته معكوسا رد الفرازين يا أرباب الدنيا: إنها مذمومة في كل شريعة، والولد عند الفقهاء يتبع الأم، متى نبت جسمك عن الحرام فمكاسبه كزيت بها يوقد.
هذا عمر مع كماله يقول: يا حذيفة هل أنا منهم؟؟ وأنت تأمن مع ذنوبك.
إذا كان بنيامين نسب إلى السرقة، فأي وجه لخلاص يرجى.
رئي عمر بعد موته باثنتي عشرة سنة فقال: الآن تخلصت من حسابي واعجبا أقيم للحساب أكثر من سني الولاية، أفينتبه بهذا راقد الهوى؟.
يا متلطخا بأقذار الظلم، بادر الغسل من مد العوافي قبل أن يجزرك، لا يغرنك عيش أحلى من العسل، فالمحاسبة أمر من العلقم، ستعلم أيها الغريم قدر عزيمك.
إذ يلتقي كل ذي دين وماطله الحجر المغصوب في البناء أساس الخراب، ليت الحلال سلم، فكيف الحرام؟ كان لبان يخلط اللبن بالماء، فجاء سيل فأهلك الغنم، فجعل يبكي ويقول: اجتمعت تلك القطرات فصارت سيلا.
ولسان الجزاء يناديه يداك أوكتا وفوك نفخ.
كم بكت في تنعم الظالم عين أرملة، واحترقت كبد يتيم؟ {وَلَتَعلُمَنّ نَبَأَهُ بَعدَ حين} واعجبا من الظلمة كيف ينسون طي الأيام سالف الجبابرة، وما بلغوا معشار ما آتيناهم، أما شاهدوا مآلهم؟ {فَكُلاً أَخَذنا بِذَنبِهِ} أما رحلوا عن أكوار الندم؟ {فَما بَكَت عَلَيهِم السَماءُ والأرض} أما صاح هاتف الإنذار؟ {كَما تَرَكوا مِن جَناتٍ وَعُيون} واعجبا للمغترين {وَقَد خَلَت مِن قَبلِهِم المَثُلات} أما يكفيهم من الزواجر {وَتَبَينَ لَكُم كَيف فَعَلنا بِهِم} من لهم إذا طلبوا وقت العود؟ {فَحِيلَ بَينَهُم وَبَينَ ما يَشتَهون} كم دار بنعم النعم دارت عليها دوائر النقم؟ {فَجَعلناها حَصيدا}؟ يا معاشر الظلمة: سليمان الحكيم قد حبس آصف العقوبة في سجن {فَلا تَعجَل عَلَيهِم} وأجرى الرجاء {لِئَلا يَكونَ لِلناسِ عَلى اللَهِ حُجة} فلو ذهبت سموم الجزاء من مهب {وَلَئِن مَسَتهُم نَفحَةٌ} لقلعت سكر {إِنّما نُملي لَهُم} {فَلا يَستَطيعونَ تَوصية}.
فالحذر الحذر {أَن تَقولَ نَفسٌ يا حَسرَتى} {وَلاتَ حينَ مَناص} أبقي في قوس الزجر منزع {أَفَنضرِبُ عَنكُمُ الذِكرَ صَفحاً}.
سفينة التقى تحتاج إلى إحكام تام، ولليم منافذ صغار في الدسر، فاحكم تلك البقاع بقار الورع، هيهات قد خرقتها بالكبائر، وما تتنبه لما صنعت حتى يصيح نوح الأسى {لا عاصِمَ} يا هؤلاء: فتعاش العدل إذا لم ينتزع شوك الظلم أثر ما لم يؤمن تعديه إلى القلب، لا تعربوا في سكر القدرة، فصاحب الشرطة بالمرصاد.
ويحكم، لا تحتقروا دعاء المظلوم، فشرار نار قلبه محمول بريح دعائه إلى سقف بيت الظالم، نباله تصيب، نبله غريب، قوسه حرقه، وتره قلعه، مرماته هدف، {لأَنصُرَنّكَ وَلَو بَعدَ حين} سهم سهمه الإصابة.
وقد رأيت وفي الأيام تجريب

.الفصل العاشر: العمل للآخرة:
إخواني ارفضوا الدنيا فقد رفضت من كان أشغف بها منكم، اتعظوا بمن كان قبلكم قبل أن يتعظ بكم من بعدكم، الدنيا خمر ساعدها تغريد طائر الطبع فاشتد سكر الشارب، ففات موسم الريح، ثم بعد الإفاقة يقام الحد، فيقيم قائم الحزن، ويكفي في الضرب فوت الخير فإذا ماتوا انتبهوا.
ويحك، إن الموت سحاب، والشيب وبله، ومن بلغ السبعين اشتكى من غير علة، والعاقل من أصبح على وجل من قرب الأجل، يا هذا: الدنيا وراءك، والأخرى أمامك، والطلب لما وراء هزيمة، وإنما العزيمة في الإقدام، جاء طوفان الموت فاركب سفن التقى، ولا ترافق كنعان الأمل، ويحك، انتبه لاغتنام عمرك، فكم يعيش الحيوان حيران؟.
الأسقام تزعج الأبدان فلا بد من النحول ضرورة، كأنك بك في لحدك على فراش الندم، وإنه والله لأخشن من الجندل، فازرع في ربيع حياتك قبل جدوبة أرض شخصك، وادخر من وقت قدرتك قبل زمان عجزك، وأعتد رحلك قبل رحيلك مخافة الفقر في القفر إلى الأزم، الحذار الحذار {أَن تَقولَ نَفسٌ يا حَسرَتى}.
الحازم يتزود لما به، قبل أن يصير لمآبه، شجرة الحزم أصلها إحكام النظر، وفروعها المشاورة في المشكل، وثمرتها انتهاز الفرص، وكفى بذهاب الفرصة ندما.
وَكَم فُرصَةٍ فاتَت فَأَصبَحَ رَبُّها ** يَعُضُ عَلَيها الكَفَّ أَو يَقرَع السَّنا

واعجبا؟ لمضيع العمر في التواني، فإذا جاء متقاضي الروح قال: {إِنّي تُبتُ الآن} {وَأَنَى لَهُم التَناوُش مِن مَكانٍ بَعيد}.
يا رابطا مناه بخيط الأمل، إنه ضعيف الفتل، لو فتحت عين التيقظ لرأيت حيطان العمر قد تهدمت، فبكيت على خراب دار الأمل، جسمك عندنا وقلبك على فراسخ، لا بالتسويف ترعوي، ولا بالتخويف تستوي، ضاعت مفاتيحي معك.
.الفصل الحادي عشر: الخوف من الله تعالى:
خوف السابقة وحذر الخاتمة قلقل قلوب العارفين، وزادهم إزعاجا {يَحولُ بَينَ المَرءِ وَقَلبِهِ} ليس لهم في الدنيا راحة، كلما دخلوا سكة من سك السكون أخرجهم الجزع إلى شارع من شوارع الخوف.
أَروحُ بِشجوٍ ثُمّ أَغدو بِمِثلِهِ ** وَتحسَبُ أَني في الثيابِ صَحيحُ

أعمار الأغمار وانتبهوا فانتبهوا الليل والنهار، وأخرجوا أقوى العزائم إلى الأفعال، فلما قضوا ديون الجد، قضت علومهم بالحذر من الرد، حنوا فأنوا، وانزعجوا فما اطمأنوا، أنفاسهم لا تخفى، نفوسهم تكاد تطفأ، لون المحب غمار، دمع الشمون نمّام، من ضرورة دوران الدولاب أنينه.
أُخفي كَمَدَ الهَوى وَدَمعي ** في الخَدِ عَلى هواكَ شاهِدُ

فالجَفنُ مُقرٌ بِلوعَتي ** لِلعاذِلِ وَاللِسانُ جاحِدُ

تصادما في قلب العارف جبل الرجاء وجبل الخوف فلما وصل اسكندر الفكر، ألقى زبر الهموم حتى {ساوى بَينَ الصَدَفين} ثم صاح بجند الفهوم: {اِنفُخوا} فاستغاث الواجد لتراكم الكرب.
أَيا جَبَلَي نُعمانَ بِالله خَلِيا ** نَسيمَ الصِبا يُخلِص إِلى نَسيمُها

لا راحة للمحب في الدنيا، إن أحس بالحجاب بكى على البعد، وإن فتح له باب الوصل خاف الطر.
فَيَبكي إِن نَأَوا شَوقاً إِليهِمُ ** وَيَبكي إِن دَنَوا خَوفَ الفِراقِ

من لم يذق لم يعرف:
مَن لَم يَبُت وَالحُبُّ حَشوُ فُؤَادِهِ ** لِم يَدرِ كَيفَ تَفَتُّتُ الأَكبادِ

الفراق أظلم من الليل، الوجد أحر من الجمر.
فَفي فُؤادِ المُحِبِ نارُ جَوىً ** أَحرُّ نارِ الجَحيمِ أَبرَدُها

فقد اشتد قلق الخوف بإبراهيم بن أدهم فصاح: إلهي إن كنت أعطيت أحدا من المحبين ما يسكن به قلبه قبل لقائك فأعطني، فقد أضر بي القلق.
لَو شِئتَ داويتَ قَلباً أَنتَ مُسقِمُهُ ** وَفي يَديكِ مِنَ البَلوى سَلامَتُهُ

عَلامَةٌ كُتِبَتن في خَدِّ عارِفِكُم ** مَن كانَ مِثلي فَقَد قامَت قِيامَتُهُ

فرأى الحق جل جلاله في منامه وهو يقول: يا إبراهيم: ما استحييت مني؟؟ تسألني أن أعطيك ما يسكن به قلبك؟ وهل يسكن قلب المشوق إلى غير حبيبه؟؟.
يا سائِقَ العَيسِ قَد بَراها ** حَملُ هُمُومٍ بِها عِظامُ

أشواقُها خَلفَها وَشَوقي ** خِلافَ أَشواقِها أَمامي

.الفصل الثاني عشر: ذو البجادين:
اللهم نور ظلمة دنيانا بضوء من توفيقك، واقطع أيامنا في طلب الاتصال بك، فإنك إذا أقبلت سلّمت، وإذا أعرضت أسلمت.
إخواني: إذا سبقت سابقة السعادة لشخص دلته على الدليل قبل الطلب {وَلَقَد اِختَرناهُم عَلى عِلمٍ عَلى العالمين}.
إِنّ المَقاديرَ إِذا ساعَدَت ** أَلحَقَت العاجِزَ بالحازِم

كان ذو البجادين يتيما في الصغر، فلما عمه الفقر كفله عمه، فنازعته نفسه في اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم فهمب وَلَو قيلَ لِلمجَنونِ لَيلى وَوَصلِها ** تُريدُ أَم الدُنيا وَما في طواياها

لَقالَ غُبارٌ مِن تُرابِ دِيارِها ** أَحبُّ إِلى نَفسي وَأَشفى لِرؤياها

فعاد العم في هبته حتى جرده من الثياب، فناولته الأم بجادا لها، فقطعه نصفين، فاتزر بواحدة وارتدى بآخر، وخرج في حلة دب أشعث أغبر.
سُنَنَّة الأَحبابِ واحِدَةٌ ** فَإِذا أَحبَبتَ فاستَنِنِ

فنادى صائح الجهاد في جيش العسرة، فتتبع ساقة الأحباب، راكبا عجز العزم مع الضجر، والمحب لا يرى طول الطريق، إنما يتلمح المقصد.
ألا بَلَّغَ اللَهُ الحِمى مِن يُريدُهُ ** وَبلّغ أَكنافَ الحِمى مِن يُريدُها

خَلَيلي لَيسَ الشَيبُ عَيباً لَو أَنَنا ** وَجَدنا لأَيامِ الصِبا مَن يُعيدُها

فنزل إليه ملك الموت بتوقيع: ألا طال شوق الأبرار إلى لقائي، فنزل الرسول يمهد له اللحد لمأمور: إذا رأيت لي طالبا، فكن له خادما. وصاح بأبي بكر وعمر: أدنيا إلي أَخاكما، وأنتدب لمرتبة لفظها: اللهم إني أمسيت عنه راضيا فارض عنه، فقال ابن مسعود: ليتني كنت صاحب هذا اللحد.
.الفصل الثالث عشر: الغفلة عن الآخرة:
يا هذا حب الدنيا أقتل من السم، وشرورها أكثر من النمل، وعين حرصك عليها أبصر من الهدهد، وبطن أملك أعطش من الرمل، وفم شرهك أشرب من الهيم، وإن خضت في حديثها فأنطق من سحبان وإن انتقدت دنانيرها فأنسب من دغفل حليتك في تحصيلها أدق من الشعر، وأنت في تدبيرها أصنع من النحل، تجمع فيها الدر جمع الذر.
يا رفيقا في البله لدود القز،، واعجبا! ما انتفعت بموهبة العقل؟؟!.
فَأَنتَ كَدَودِ القَزّ يَنسِجُ دائِماً ** وَيَهلِكُ غَماً وَسطَ ما هوَ ناسِجُهُ

حرصك بعد الشيب أحر من الجمر، أبقي عمر يا أبرد من الثلج؟ والدنيا في قلبك أعز من الروح، وستصير عند الموت أهون من الأرض.
أنت في الشر أجرى من جواد، وفي الخير أبطأ من أعرج، معاصيك أشهر من الشمس، وتوبتك أخفى من السها، الزكاة عندك أثقل من أحد والصلاة عليك كثقل صخر على صدر طريق المسجد في حسبان كسلك، كفرسخي دير كعب صدرك عند حديث الدنيا أوسع من البحر، ووقت العبادة أضيق من عقد التسعين.
يا من هو عن نجاته أنوم من فهد، ضيعت وقتا أنفس من الدر، وإن عرضت خطيئة وثبت وثوب النمر، فإذا لاحت طاعة رغت روغان الثعلب، فإذا عاملت الناس استعملت غدر الذئب، تقدم على الظلم إقدام الأسد، وتختطف الأمانة اختطاف الحدأة.
يا أظلم من الجلندي: ما تأتمنك غزلان الحرم، يا عذري الهوى في حب الدنيا، يا كوفي الفقه في تحصيلها، يا بصري الزهد في طلب الآخرة، واعجبا لقلب أضعف من البعوضة، كيف صار أقوى من الجندل؟ ما يعجبه سجع فس ولا يؤثر فيه وعظ الحسن ولا يرق لغزل جرير فليته فسر منام الأمل على ابن سيرين اليقظة قفل قلبك رومي ما يقع عليه فش.
.الفصل الرابع عشر: مداواة النفس:
العقل رفيق القلب، والطبع قرين النفس، فلا تقارب بين النفس والقلب، فرب جار جار، سرادق القلب على أطناب العقل، وخيمة النفس على أوتار الهوى، اكسر حدة خمر الطبع بمزاج ماء الرياضة، اشددن أزر العقل بجبال التقى، ماء طبعك أجاج، وماء شرعك عذب، وقد مزج الابتلاء بينهما، نور العقل يضيء في ليل الطبع، فتتبين جادة الصواب للسالك، وزناد الفكر حين يوري يرى عواقب الأهوال.
يوسف العقل ينظر إلى العواقب وزليخا الهوى تتلمح العاجيل، والعزائم منازل الأبطال، والصبر دأب الرجال، وإنما رد يوسف عقله وحمل زليخا طبعها، ولا أقول لك: اقلع شجر الطبع من أرض الوضع، كيف يمكن وقد قال: {زُينَ لِلِناسِ حُبُّ الشَهوات} وإنما أقول لك: دم على المجاهدة في الجسم، وكلما نبعت عروق الهوى فاقطع، وكلما كل ما به تقطع فاشحذ، واقنع بساحة الذل، فعند المسجون شغل من الرياض ويحك، اترك وأنت تهوى.
وَفي القَلبِ ما في القَلبِ مِن لَوعَةِ الهَوى ** وَلَكِنَني أُبدي الصُدودَ مُبَهرَجاً

إخواني: من أفسد حسابه بالخيانة استحيا من عرض الدستور، من توسخت ثياب معاملته بالمعاصي لم يقرب من المقربين، من سودت الذنوب وجه جاهه ذل بين الأكرمين، من ركب ظهر التفريط نزل به دار الندامة.
أما سمعتم أن داود أعطي نعمة نغمة كان يقف لها الماء فلا يسير، والطير مع ذلك وقوف الأسير، فعمل مرض {لا تَقفُ} في حجاب {يَغضوا} فامتدت به يد البصر، فقدمت قميص يوسف العصمة، فآثر زلله حتى في تلاوته، وقد كان معمار الوصال يتفقد قديما آلات صوته، فلما أقبل على الذنب أعرض المعمار عن المراعاة، فتشعث منزل الصفاء، وانقطعت جامكية العسكر، فتفرقت جنود أوبي.
فيا لك من جرح تعز مراهمه.
كان عيش عشبة خضرا فأحالت الحال سنة، فكأن أيام الوصال كانت سنة، فكاد يقطع باليأس، حتى التقى الخضر بإلياس.
أَرقى قَد رَقّ لي مِن أَرقى ** وَرثي لي قَلقَي من قَلَقي

وَبُكائي مِن بُكائي قَد بَكى ** وَتَشَكَّت حُرقي مِن حِرقي

كان إذا أراد النياحة نادى مناديه: ألا من أراد أن يسمع نوح داود فليخرج، فتجتمع عليه أهل الأحزان في مأتم الندب، فتزداد الحرق بالتعاون.
يا بَعيدَ الدارِ عَن وَطَنِهِ ** مُغَرداً يَبكي عَلى شَجنِهِ

كُلُما جَد النَحيبُ بِهِ ** زادَت الأَسقامَ في بَدَنِهِ

وَلَقَد زادَ الفُؤادَ شَجىِّ ** طائِرٌ يَبكي عَلى فَنَنِهِ

شاقَهُ ما شاقَنَي فَبَكى ** كُلَّنا يَبكي عَلى سَكَنِهِ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق