الأربعاء، 17 سبتمبر، 2014

من الفصل الرابع والعشرون: يا راحلا بلا زاد والسفر بعيد الي الفصل السابع والعشرون:اعلم أن الزنى من أكبر الكبائر

الفصل الرابع والعشرون:يا راحلا بلا زاد والسفر بعيد، العين جامدة والقلب أقسى من الحديد. من ألوى منك بالضراء وأنت تغرق في بحر المعاصي في كل يوم جديد. ما أيقظك الشباب ولا أنذرك الاكتهال، ولا نهاك المشيب، ما أرى صلاحك إلا بعيد، فديت أهل العزائم، لقد نالوا من الفضل المزيد، طووا فراش النوم، فلهم بكاء وتعديد، دموعهم تجري على خدودهم، خدّدت في الخدود أي تخديد، ما أنت من أهل المحبة ولا من العشاق يا قليل الهمة يا طريد.
لأمر ما تغيرا الليالي ** وأنت على البطالة لا تبالي

تبيت منعّما في خفض عيش ** وتصبح في هواك رخيّ بال

ألم تر إن أثقال الخطايا ** على كتفيك أمثال الجبال

أتكسب ما اكتسبت ولا تبالي ** فهل هو من حرام أو من حلال

إذا ما كنت في الدنيا بصيرا ** كففت النفس عن طرق الضلال

ألا بأبي خليل بات يحيى ** طويل الليل بالسبع الطوال

بقلب لا يفيق عن اضطراب ** وجفن لا يكف عن انهمال

أرى الأيام تنقلنا وشيكا ** إلى الأجداث حالا بعد حال

سأقنع ما حييت يشطر بر ** أشيّعه بريّ من زلال

إذا كان المصير إلى هلاك ** فما لي والتنعّم ثم ما لي

أما لي عبرة فيمن تفانى ** على الأيام من عم وخال

كأن بنسوتي قد قمن خلفي ** ونعشي فوق أعناق الرجال

يعجلن المسير ولست أدري ** لدار الفوز أم دار النكال

يبيد الكل منا دون شك ** ويبقى الله بري ذو الجلال

يروى عن رجل من أصحاب داود الطائي أنه قال: دخلت على داود، فقال لي:
ما حاجتك؟ قلت: زيارتك، فقال: أما أنت، فقد عملت خيرا حين زرتنا، ولكن أنظر ما ينزل بي إذا قيل لي: من أنت فتزار، أمن العبّاد أنت؟ لا والله. أمن الزهاد أنت؟ لا والله، ثم أقبل يوبّخ نفسه ويقول: كنت في الشباب فاسقا، وفي الكهولة مداهنا، فلما شخت صرت مرائيا. لا والله، إلا المرائي أشد من الفاسق، وجعل يقول: يا إله السموات والأرض، هب لي رحمة من عندك تصلح شبابي وتقيني من كل سوء، وتعلى في أعلى مقامات الصالحين مكاني.
اسمع يا أخي مقامات الرجال، وكرامات ذوي الأحوال، الذين اختصهم مولاهم وحباهم بالإفضال.
وعن عبد الله بن عبد الرحمن قال: حج سفيان الثوري مع شيبان الراعي، فعرض لهم أسد في بعض الطرق، فقال له سفيان: أم ترى كيف قطع علينا الطريق، وأخاف الناس. قال شيبان: لا تخف، فلما سمع الأسد كلام شيبان، بصبص إليه، وأخذ شيبان بأذنه وفركها، فبصبص وحرك ذنبه وولى هاربا، فقال سفيان: ما هذه الشهرة يا شيبان؟ قال: أو هذه شهرة يا سفيان؟ لولا مكان الشهرة لوضعت زادي على ظهره حتى أتيت مكة.
يروى عن عبد الرحمن بن أبي عباد المكّي أنه قال: قدم علينا شيخ يكنى بأبي عبد الله. قال: أقبلت في السحر إلى بئر زمزم، وإذا بشيخ قد سدل ثوبه على وجهه، وأتى البئر واستسقى، قال: فقمت إلى فضلته، فشربت منها. فإذا هو ماء مضروب بعسل لم أذق ماء أطيب منه. فالتفتّ فإذا بالشيخ قد ذهب، فلما كان في السحر في الليلة الثانية أتيت البئر وإذا بالشيخ دخل من باب المسجد قد سدل ثوبه على وجهه، فأتى البئر واستسقى، فشرب وخرج، فقمت إلى فضلته، فإذا هو سويق ألذ ما يكون، فلما كان في الليلة الثالثة، أتى البئر أيضا، واستسقى. فأخذت طرف ملحفته، ولففته على يدي، ثم شربت فضلته، فإذا هو لبن مضروب بسكر لم أذق قط أطيب منه، فقلت يا شيخ، بحق هذا البيت عليك، من أنت؟ قال:
تكتم عليّ. قلت: نعم. قال: سفيان الثوري.
لله درّ أقوام أفناهم شهوده عن وجودهم، فحالهم لشوقه مستديم، أقطعهم إقليم الكرى ما أبعده من إقليم، حماهم عن الأغيار غيرة عليهم، وخلع عليهم حلل الرضا والتسليم، سقاهم مدام الإلهام، فيا له من مدام، ويا له من نديم، أسبل على المعاصي ستره، ليعود إلى بابه الكريم، تقرّب برحمته للمذنبين، ليسكن روع المفلس من الطاعة العديم، أرسل إليه رسائل اللطف على يدي رسول كريم: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر 53].
وأنشدوا:
ألا قف بباب الجود واقرعه نادما ** تجده متى جئته غير مرتج

وقل عبد سوء خوّفته ذنوبه ** فمدّ إليكم ضارعا كف مرتجي

ويروى عن أبي ريحانة صاحب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه ركب البحر، فكان يخيط في السفينة، فسقطت إبرته، فقال: أعزم عليك يا ربّ إلا رددت عليّ إبرتي، فظهرت له حتى أخذها بيده.
قال: واشتد عليهم البحر، فقال له: اسكن، إنما أنت عبد حبشيّ، فسكن حتى صار مثل الزيت، رضي الله عنه، ونفعنا ببركاته.
.الفصل الخامس والعشرون:
يا أخي، أفنيت عمرك في اللعب، وغيرك فاز بالمقصود وأنت منه بعيد، غيرك على الجادة، وأنت من الشهوات في أوجال وتنكيد، ترى متى يقال: فلان استقال ورجع. يا له من وقت سعيد، متى تخرج من الهوى وترجع إلى مولاك العزيز الحميد، يا مسكين، لو عاينت قلق التائبين، وتململ الخائفين من هول الوعيد، جعلوا قرّة أعينهم في الصلاة، والزكاة، والتزهيد، وأهل الحرمان ضيعوا الشباب في الغفلة، والشيب في الحرص والأمل المديد، لا بالشباب انتفعت، ولا عند المشيب ارتجعت، يا ضيعة الشباب والمشيب: {وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ} [سبأ 51].
وأنشدوا:
عملت على القبائح في شبابي ** فلما شبت عدت إلى الرياء

فلا حين الشباب حفظت ديني ** ولا حين المشيب طببت دائي

فشاب عنده مصغر غويّ ** وشيخ عند مكبره مرائي

قضاء سابق في علم غيب ** فيا لله من سوء القضاء

يروى في بعض الأخبار إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لقي حذيفة بن اليمان وهو يومئذ أمير المؤمنين، فقال لحذيفة: كيف أصبحت يا حذيفة؟ قال: أصبحت يا أمير المؤمنين أحب الفتنة، وأكره الحق، وأقول بما لم يخلق، وأشهد بما لم أر، وأصلي بلا وضوء، ولي في الأرض ما ليس لله في السماء.
فغضب عمر لذلك غضبا شديدا، وهمّ إن يبطش به، ثم تذكر صحبته من النبي، فأمسك، فهو كذلك إذ مرّ به عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، فرأى الغضب في وجهه، فقال: ما أغضبك يا أمير المؤمنين، فقصّ عليه القصّة.
فقال: يا أمير المؤمنين لا يغضبك ذلك، أما قوله: إنه يحب الفتنة، فهو تأويل قوله تعالى: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ} [التغابن 15].
أما قوله: يكره الحق، فالحق هو الموت الذي لا بدّ منه ولا محيص عنه.
وأما قوله: يقول بما لم يخلق: القرآن، فهو يقرأ القرآن وهو غير ومخلوق.
وأما قوله: يشهد بما لم ير، فإنه يصدق بالله ولم يره.
وأما قوله: يصلي بغير وضوء، فإنه يصلي على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بغير وضوء.
وأما قوله: إن له في الأرض ما ليس لله في السماء، فإن له زوجة وبنين، وليس لله شيء من ذلك.
فقال عمر: لله درّك: يا أبا الحسن، لقد كشفت عني هما عظيما.
ويروى أن رجلا من أهل دمشق يسمى بأبي عبد ربه، وكان أكثر أهل دمشق مالا، وأنه خرج مسافرا، فأمسى إلى جانب نهر ومرعى، فنزل فيه، فسمع صوتا يكثر حمدا لله في ناجية المرج. قال: فاتبعته، فوجدته رجلا ملفوفا في حصير، قال: فسلمت عليه، وقلت له: من أنت يا عبد الله؟.
قال: رجل من المسلمين.
فقلت له: فما هذه الحالة؟
قال: نعمة يجب عليّ شكرها.
فقلت: كيف وأنت ملفوف في حصير وأي نعمة عليك؟!.
قال: إن الله خلقني، فأحسن خلقي، وجعل منشأي ومولدي في الإسلام،
وألسني العافية في أركاني، وستر عليّ ما أكره ذكره، فمن أعظم نعمة ممن أمسى في مثل ما أنا فيه؟.
فقلنا: رحمك الله، لعلك أن تقوم معي إلى منزلي، فأنا نزول على النهر هاهنا بإزائك.
قال: ولم؟.
قلت: لتصيب شيئا من الطعام، ونعطيك ما يغنيك عن لبس الحصير.
قال: ما لي في ذلك من حاجة.
فأبى أن يسير معي، فانصرفت وقد تقاصرت عندي نفسي ومقتها، وقلت: لم أخلّف بدمشق رجلا أكثر مني مالا، وأنا ألتمس الزيادة.
فقلت: اللهم إني أتوب إليك مما أنا فيه، فتبت ولم يعلم أحد بما اجتمعت عليه، فلما كان في السحر، رحل الناس، وقدّموا إليّ دابتي، فصرفتها إلى دمشق، وقلت: ما أنا بصادق في التوبة إن أنا مضيت إلى متجري، فسألني القوم فأخبرتهم، فعاتبوني على المشي معهم فأبيت.
فلما قدم على دمشق قال ناقل الحديث: فوضع يده في ماله وتصدق به، وفرّقه في سبيل الله، ولزم العبادة حتى توفي رضي الله عنه، فلما توفي لم يوجد عنده إلا قدر حق الكفن.
وأنشدوا:
ذكر الوعيد فطرفه لا يهجع ** وجفا الرّقاد فبان عنه المضجع

متفرّدا بغليله يشكو الذي ** منه الجوانح والحشا يتوجع

لما تيقّن صدق ما جاءت به ** الآيات صار إلى الإنابة يسرع

فجفا الأحبّة في محبّة ربّه ** وسما إليه بهمّة ما يقلع

وتمتعت بوداده أعضاؤه ** إذ خصّها منه بودّ ينفع

كم في الظلام له إذا نام الورى ** من زفرة في إثرها يتوجّع

ويقول في دعواته يا سيدي ** العين يسعدها دموع رجع

إني فزعت إليك فارحم عبرتي ** وإليك من ذلّ الخطيئة أفزع

من ذا سواك يجيرني من زلتي ** يا من لعزته أذلّ وأخضع

فامنن عليّ بتوبة أحيا بها ** إني بما اجترمت يداي مروّع

قل التصبّر عنك يا من حبّه ** في الجارحات سقامه يتسرّع

كيف اصطبار متيّم في حبّه ** قدما لكاسات الهوى يتجرّع

لاحت وعن صدق المحبة ما بدت ** للناظرين نجوم ليل تطلع

ما الفوز إلا في محبّة سيده ** فيها المحبّ إذا تواضع يرفع

يروى أن قتادة بن النعمان الأنصاري رضي الله عنه كان من الرماة المذكورين، شهد بدرا وأحدا، ورميت يومئذ عينه، فسالت على خدّه، فأتى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهي في يده، فقال: ما هذه يا قتادة؟ قال: هذا ما ترى يا رسول الله، فقال له رسول الله: «إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت رددتها لك ودعوت الله لك فلم تفقد منها شيئا»، فقال: والله يا رسول الله إن الجنة لجزاء جزيل، وعطاء جليل، ولكني مبتلى بحب النساء، وأخاف إن يقلن: أعور فلا يردنني، ولكن أحبّ إن تردّها إليّ وتسأل الله لي الجنة، فقال: «أفعل ذلك يا قتادة» ثم أخذها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بيده، وأعادها إلى موضعها، فعادت أحسن ما كانت، إلى إن مات ودعا الله له بالجنة صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قال: فدخل ابنه على عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، وهو خليفة فقال له عمر: من أنت يا فتى؟ فقال:
أنا ابن الذي سالت على الخدّ عينه ** فردّت بكف المصطفى أحسن ردا

فعادت كما كانت بأحسن حالها ** فيا حسن ما عين ويا حسن ما ردّ

فقال عمر: بمثل هذا فليتوسل إليه المتوسلون، رضي الله عنه.
.الفصل السادس والعشرون:
يا هذا، لا يزال التائبون يهربون إلى دير الخلوة هروب الخائف إلى دار الأمان، لهم في سحر الليل تأنس بمدامع الأجفان، كتب السجود في ألواح جباههم خطوط العرفان، كم لأقدامهم في الدجى من جولان وكم لهم في وادي السحر من عيون تجري كالطوفان، فإذا لاحت أعلام الفجر كبّروا عند مشاهدة العيان، فديت طراق الدجى، فديت أرباب العزائم، فديت الفتيان.
بادروا رواهب الخلوة، نحن لكم جيران، تركنا الأسباب والأهل والأوطان، فرقنا شهوات النفوس والأبدان، وخرّبنا ديار اللهو، فأقفرت منذ زمان، طلقنا الدنيا بتاتا، وهجرنا الدار والسكان، سقينا من شراب الأنس شربة ولو كان ما كان، لبسوا حلة الجوع بالنهار، وتركوا خدمة من جلّ وهان، عمروا القلوب بالتقوى، وبالذكر اللسان، لهم نزاحم على باب الدجى، فمنهم من صاح ومنهم نشوان، ومنهم من خامره بالشوق، فهو من الحب ولهان، ومنهم من غلبه الوجد، فهو هائم سكران، أفناهم الخوف وأذبلهم الأرق وهم من القلق كل يوم في شأن. سيّرهم ذكر الحبيب ولهم في التلاوة ألحان، نالوا منازل التوكل، وأصبحوا فيها قطان، باعوا شهوات النفوس بأبخس الأثمان، سجلوا على أنفسهم سجل الرضا بالقضاء، فأهلا بالرجال الشجعان، تتجافى جنوبهم عن المضاجع ولهم تلحين بالقرآن، خامرهم الخوف فسكروا من شرابه مخافة النيران، منهم من سقي شراب المحبة صرفا، وتزايدت لهم الأحزان، ومنهم من مزج له بالأشواق، فعاين منه ألوان، كم خرّبوا في حبه منازل، وكم أيتموا فيه من ولدان. تراهم أبدا سكارى عرايا في القفار وفي البلدان. قلوبهم مملوءة بالخوف، وظاهرهم مضمّخ بالأحزان، ينادي لسان شوقهم: لا كان من ألم السلوى ولا كان، خرق لهم حجاب العادات وعقد على رؤوسهم للولاية تيجان، مجلس أنسهم مضمخ بالمشاهدة شديدة الأركان.
يا معشر الفقراء، طوفوا بهذا الدير، وزاحموا على بابه، وباكروا هذه الدنّان، طيبوا على هذا السماع، وتواجدوا على هذه الألحان، معكم جمال المحبوب، في الكون والحال.
يا معشر الفتيان، ما أطيب عيش الصدّيقين، شربوا هذا الشراب وباحوا بالكتمان، فما تراهم إلا بين واجد وهائم وخائف وراج وولهان.
فعندما تجلى لهم محبوبهم في قلوبهم، أغناهم عن مشاهدة العيان. لاطفهم بملاطفة: يا عبادي لا خوف عليكم، اليوم لكم الأمان. بعيني ما تحملتم من أجلي، فكم من جفنت ساهر، وكم من كبد من الشوق ملآن، سأكشف لكم لمألم الحجاب عن وجهي فتتنعمون بما لم يخطر على قلب إنسان. ألبسكم حلل الرضا، وأبسط مجالسكم بالرضوان، أسقيكم شراب التوحيد صرفا خالصا، وأنا الحنّان المنّان.
يا أهل السماع تواجدوا، ويا معشر الإخوان، أين المشتاق؟ هذا الشراب، هذا كأس المتاب ملآن.
أين أنت من أهل الصفا يا مضيّعا عمره في العصيان؟ بادر قبل تغيّر الحال، فتعود بالخيبة والخسران، واعص من لامك وخالف من عدلك، وأطع من نصحك ودع قالا وقيلا.
{فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَأُونَ كِتَابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً} [الإسراء 71- 72].
قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: صلى بنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلاة العصر، فقام في الركعة الأولى، حتى ظننا أنه لا يرفع رأسه، فرفع رأسه، ورفعنا بعده، فلما قضيت الصلاة، انفتل من محرابه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال: «أين أخي وابن عمي علي ابن أبي طالب؟» فأجابه علي رضي الله عنه من آخر الصفوف، وهو يقول لبيك لبيك يا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أدن مني يا أبا الحسن»، فدنا منه، فلم يزل يدنيه حتى جلس بين يديه. فقال: «يا أبا الحسن، أما سمعت ما أنزل الله عليّ في فضل الصف الأول، والتكبيرة الأولى؟» فقال: بلى يا رسول الله. فقال له رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فما الذي أبطأك عن الصف الأول والتكبيرة الأولى، فهل شغلك حب الحسن والحسين عن ذلك؟» فقال له علي رضي الله عنه: وهل يشغلني حبهما عن حب الله تعالى؟! قال له: «فما الذي شغلك عن ذلك يا عليّ» قال: يا رسول الله، أذن بلال وأنا في المسجد، فركعت ركعتين، وأقام بلال الصلاة فكبّرت معك التكبيرة الأولى، فوسوسني شيء من أمر الوضوء، فخرجت من المسجد إلى منول فاطمة رضي الله عنها، فناديت، يا حسن، يا حسين، فلم يجيبني أحد، فبينما أنا كالمرأة الثكلى، أو كالحبة في المقلى، وأنا أطلب ماء لوضوئي، إذ هتف بي هاتف عن يميني، فإذا أنا بقدح من الذهب الأحمر، وعليه منديل أخضر، فكشفت المنديل، فإذا هو ماء أشد بياضا من اللبن، وأحلى من الشهد، وألين من الزبد، فتطهرت للصلاة، تمندلت بالمنديل، ورددته على القدح، والتفت فلم أره، ولم أر من وضعه ولا من رفعه.
فتبسم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقال: «بخ بخ، هل تعلم من أتاك بالمنديل والقدح يا أبا الحسن؟» قال: الله ورسوله أعلم. قال: «أتاك بالقدح جبريل عليه السلام، والماء من حظيرة القدس، والذي مندلك بالمنديل ميكائيل عليه السلام، والذي أمسك يدي على ركبتي حتى أدركت الركعة الأولى إسرافيل عليه السلام. يا أبا الحسن من أحبّك، أحبّه الله، ومن أبغضك أبغضه الله».
ويروى إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جلس ذات يوم مع أصحابه، فإذا بيهودية قد أقبلت تبكي، حتى وقفت بين يديه، وجعلت تقول هذه الأبيات، وهي تبكي:
بأبي أفديك يا نور الفلك ** ليت شعري إن شيء قتلك

غبت عني غيبة موحشة ** أترى ذئب يهودي أكلك

إن تكن ميتا فما أسرع ما ** كان من أمر الليالي من أجلك

أو تكن حيا فلا بدّ لمن عاش إن يرجع من حيث سلك فقال لها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مالك أيتها المرأة؟».
قالت: يا محمد بينما أنا وولدي يلعب بين يدي، إذ خطف، وبقي المكان منه بلقعة.
قال لها: «يا هذه إن ردّ الله ولدك على يدي، أتؤمنين بي؟»
قالت: نعم وحق الأنبياء الكرام، إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب عليهم الصلاة والسلام.
فقام رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فصلى ركعتين، ثم دعا بدعوات، فما استكملها حتى وضع الطفل بين يديه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فقال له النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أين كنت أيها الطفل؟».
قال: بينما كنت ألعب بين أمي، إذا أقبل عليّ عفريت كافر، فاختطفني وذهب بي من وراء البحر، فلما دعوت الله عز وجل، سلط الله عليه جنا مؤمنا أشد منه بطشا، وأعظم خلقا فانتزعني منه، وساقني إليك، فها أنا بين يديك صلى الله عليك.
فقلت المرأة: أشهد إن لا اله إلا الله، وأشهد إن محمدا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.


الفصل السابع والعشرون:
اعلم أن الزنى من أكبر الكبائر، وهو شؤم على صاحبه في الدنيا والآخرة، ووبال على صاحبه.
وقد نهى الله تعالى عنه في مواضع من كتابه، فقال تعالى: {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً} [الإسراء 32]. وقال تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} [المؤمنون 5، 7].
وقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن».، أراد بذلك أن الزاني مبعد عن الله تعالى، مستوجب المقت من الله عز وجل.
وفي الخبر أن شابا أتى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال: يا رسول الله، أتأذن لي في الزنى، فصاح الناس به، فقال: «اتركوه، أدن مني»، فقال: «أتحبه لأمك؟» قال: لا، جعلني الله فداك. قال: «كذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم»، ثم قال له: «أتحبه لأبنتك؟» قال: لا. قال: «كذلك الناس لا يحبونه لبناتهم». حتى ذكر الأخت، والخالات والعمات وهو يقول: لا، ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «كذلك الناس لا يحبونه»، ثم وضع يده الكريمة على صدره، وقال: «اللهم طهر قلبه، واغفر ذنبه، وحصن فرجه»، فلم يكن بعد ذلك شيء أبغض إليه من الزنى.
وقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لما خلقت المرأة، قال لها إبليس: أنت نصف جندي، وأنت موضع سري، وأنت سهمي الذي أرمي به فلا أخطئ» فتحفظ رحمك الله من سهام الشيطان.
وقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الزنى من أكبر الكبائر، والزاني عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين إلى يوم القيامة، فإن تاب، تاب الله عليه».
وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من علامة المؤمن أن يجعل الله شهوته في الصلاة والصيام، وعلامة المنافق أن يجعل الله شهوته في بطنه وفرجه».
وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الزنى يورث الفقر، ويذهب بهاء الوجه» يقول الله تعالى: «آليت على نفسي أن أفقر الزاني ولو بعد حين». والزنى يذهب بالمال، وبنور الوجه، ويخلد صاحبه في النار.
وقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأبي ذر رضي الله عنه: «ما لقي الله العبد بذنب بعد الشرك بالله، أعظم من الزنى، ومن امرئ يضع نطفته في رحم حرام، وإن الزاني يسيل من فرجه يوم القيامة صديد لو وضعت منه قطرة على وجه الأرض، لأفسدت على أهل الدنيا معايشهم نتنا». وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إياكم والزنى فإنه ذهاب البهاء، وطول الفقر، وقصار العمر، وأما اللواتي في الآخرة فسخط الله، وسوء الحساب، والخلود في النار».
يا من عصى الله في الشباب وقد ** أدركه الشيب راقب الله

صحفك بالسيئات قد ملئت ** بأي وجه تراك تقراها

أعدد جوابا إذا سئلت غدا ** وقرّب النار منك مولاها

يا معشر المسلمين كم رجل ** تلومه النار حين يصلاها

قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ما من أحد أغير من الله تعالى أن يرى عبده أو أمته يزني، والله لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا، ألا وإن في النار لتوابيت من نار، فيها أقوام محبوسون في تلك التوابيت، فإذا سألوا الراحة، فتحت لهم تلك التوابيت فإذا فتحت بلغ شررها أهل جهنم، فيستغيث أهل جهنم بصوت واحد، ويقولون: اللهم العن أهل التوابيت، وهم الذين يغتصبون فروج النساء حراما».
وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن الله لما خلق الجنة، قال لها: تكلمي. قالت: سعد من دخلني، فقال الجبار جل جلاله: وعزتي وجلالي لا يسكن فيك ثمانية نفر من الناس، مدمن خمر، ولا مصرّ على الزنى، ولا نمّام، ولا ديّوث، ولا شرطيّ، ولا مخنّث، ولا قاطع رحم، ولا الذي يقول: عليّ عهد الله أن أفعل كذا وكذا ولا يفعله».
فليس المصر على الزنى هو المداوم عليه، ولا مدمن الخمر هو الملازم لشربه، ولكنه هو إذا وجد الخمر شربها، ولم يمنعه منها خوف الله تعالى، ومتى تهيأ له الزنى، ولم يتب من ذلك، ومن لم ينه النفس عن الهوى فإن الجحيم هي المأوى.
وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول لغلمانه: إن أردتم النكاح نكحتم، أي تزوّجتم، فإن العبد إذا زنى، خرج الإيمان من قلبه فلا يبقى للعبد إيمان.
وقال لقمان لابنه: إياك والزنى، فإن أوله مخافة آخره ندامة، ومن بعد تلقى آثامه.
وأنشدوا:
يا من خلا بمعاصي الله في الظلم ** في اللوح يكتب فعل السوء بالقلم

بها خلوت وعين الله ناظرة ** وأنت بالإثم منه غير مكتتم

فهل أمنت المولى من عقوبته ** يا من عصى الله بعد الشيب والهرم

واعلم إن من غلبه هواه افتضح، فما نال الكرامات من نالها إلا بغلبة الهوى.
كما روي أنه في بني إسرائيل رجل تزوج امرأة من بلد آخر، فأرسل بثقته إليها ليسوقها إليه، فراودته نفسه، وطالبته بها، فزجرها، واستعصم بالله، قال: فنبأه الله تعالى بترك هواه، وكان نبيا من بني إسرائيل.
وأنشدوا:
توق نفسك لا تأمن غوائلها ** فالنفس أخبث من سبعين شيطانا

وحكى ابن عباس عن كعب الأحبار رضي الله عنهما أنه قال: كان في بني إسرائيل صدّيق منفرد للعبادة، فأقام في صومعته دهرا طويلا، وكان يأتيه ملك في كل غدوّة وعشيّة، فيقول له الملك: ألك حاجة؟ فيقول: الله أعلم بحاجتي.
وأنبت الله له فوق الصومعة كرمة، تحمل في كل يوم بالعنب، وكان إذا عطش مد يده، فينبع منها الماء، فيشرب منه.
فلما كان بعد مدة مرت به امرأة لها حسن وجمال، عند المغرب، فنادته: يا عبد الله. فقال لها: لبيك. فقالت له: أيراك ربك؟ قال لها: هو الله الواحد القهار، الحيّ القيّوم، العالم بما في الصدور وباعث من في القبور. قالت له: البلد مني بعيد. قال لها: اصعدي.
فلما صارت في صومعته، رمت بثيابها، وقامت عريانة، تجلو نفسها عليه، فغضّ بصره عنها. وقال لها: ويلك، استري نفسك. قالت له: ما يضرّك إذا تمتعت بي في هذه الليلة؟.
فقال لنفسه: يا نفس، وما تقولين؟ قالت: والله إني أتمتع بها.
قال لها: ويحك: أتريدين سرابيل القطران، مقطعات وتذهبين بعبادتي هذه المدة، وليس كل من زنى عفي عنه، وإن الزاني يكبّ على وجهه في النار، وهي نار لا تطفأ، وعذابها لا يفنى، وأخاف إن يغضب الله عليك، ولا يرضى أبدا عنك.
فراودته نفسه على ذلك، فقال: أعرض عليك نارا صغيرة، فإن صبرت عليها، متعتك بهذه الجارية الليلة.
قال: فملأ السراج دهنا، وأغلظ الفتيلة، والمرأة تسمع وتبصر، ثم ألقى يده إلى الفتيلة، وهي تتقد، فصاح بالفتيلة: ما لك؟ أحرقي، فأكلت إبهامه، ثم أكلت أصابعه، ثم أكلت يده، فصاحت الجارية صيحة عظيمة، فارقت الدنيا، فسترها بثوبها.
فلما أصبح صرخ إبليس لعنه الله: أيها الناس إن العابد قد زنى بفلانة بنت فلان، وقتلها.
فركب الملك في جنده وأهل مملكته، فلما انتهى إلى الصومعة، صاح، فأجابه العابد، فقال له: أين فلانة بنت فلان؟ قال له: عندي ها هنا. قال له: قل لها أن تنزل. قال له: إنها قد ماتت.
قال له الملك: ما رضيت بالزنى حتى قتلت النفس التي حرّم الله؟ فهدم الصومعة، وجعل في عنق العابد سلسلة، فجرّه بها، وحملت المرأة، وجيء بالعابد ملفوفة في كمه وهو لا يعلمهم بقصته.
فوضع المنشار على رأسه، وقيل لأصحاب العذاب: جرّوا، فجرّوا.
فلما بلغ المنشار إلى دماغه، تأوّه، فأوحى الله تعالى إلى جبريل عليه السلام: قل له: لا ينطق بشيء، وها أنا أنظر إليك، وقد أبكى حملة عرشي، وسكان سماواتي، فوعزتي وجلالي لئن تأوّه الثانية، لأهدمنّ السموات على الأرض، فما تأوه ولا تكلم حتى مات رحمه الله.
فلما مات، ردّ الله الروح على المرأة، وقالت: مات والله مظلوما، ما زنى وما أنا إلا بخاتمي بكر.
ثم قصت عليهم القصة، فأخرجوا يده، فإذا هي محروقة كما قالت الجارية. فقالوا: لو علمنا ما نشرناه، وخرّ العابد نصفين على الأرض، وعادت الجارية كما كانت، فحفروا لهما قبرا واحدا، فوجدوا في القبر مسكا وعنبرا وكافورا. ثم أتوا بهما ليصلوا عليهما، فناداهم مناد من السماء: اصبروا حتى تصلي عليهما الملائكة، ثم صلى عليهما الناس ودفنوهما، فأنبت الله على قبرهما الياسمين، ووجدوا على قبرهما رق مكتوب فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم، من الله عز وجل إلى عبدي ووليي، إني نصبت المنبر تحت عرشي، وجمعت ملائكتي، وخطب جبريل عليه السلام، وأشهدت الملائكة أني زوّجتك خمسين ألف عروس من الفردوس، وهكذا أفعل بأهل طاعتي وأهل مراقبتي.
وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «النظر إلى محاسن المرأة سهم من سهام إبليس، فمن غضّ بصره، أذاقه الله تعالى عبادة يجد حلاوة تلك العبادة في قلبه».
وفي المناجاة أن الله تعالى قال لموسى عليه السلام: يا موسى، حرمت على النار ثلاثة أعين: عين سهرت في سبيل الله، وعين غضّت عن محارم الله، وعين بكت من خشيتي، ولكل شيء جزاء، إلا الدمعة، فلا جزاء لها إلا الرحمة والمغفرة ودخول الجنة. والله تعالى أعلم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق