الثلاثاء، 16 سبتمبر، 2014

من44. الغراب والعنكبوت الي49 الذين سبقت لهم منا الحسنى


.الفصل الرابع والأربعون: الغراب والعنكبوت:

يا مستفتحا أبواب المعاش بغير مفتاح التقوى، كيف توسع طريق الخطايا وتشكو ضيق الرزق؟ لو اتقيت ما عسر عليك مطلوب، مفتاح التقوى يقع على كل باب، ما دام المتقي على صفاء التقى لا يلقى إذن أذى، فإذا انحرف عن التقى التقى بالكدر.
فلما توليتم عنا تولينا لا تزال بحار النعم على الخلق في الزيادة {حَتى يُغيروا ما بأَنفُسِهِم}.
ويحك: إنما خلقت الدنيا لك، أفيبخل عليك بما هو ملكك؟ إنما في طبعك شره، والحمية أرفق.
يا أعز المخلوقات علينا: ارض بتدبيرنا، فالمحب لا يتهم، وإنعامنا على ما خلق لك لا يخفى عليك، فكيف ننساك وأنت الأصل؟.
ليس العجب تغذي المولود في حال الحمل بدم الحيض لاتصاله بالحي؛ إنما العجب أن البيضة إذا انفصلت من الدجاجة فمن البياض يخلق الفرخ، وبالمح يتغذى، قد أعطي المخلوق زاده قبل سفر الوجود.
إذا اِنفقأت بيضة الغراب خرج الفرخ أبيض، فتنفر عنه الأم لمباينته لونها، فيبقى مفنةح الفم، والقدر يسوق إلى فيه الذباب، فلا يزال يتغذى به حتى يسود لونه فتعود إليه الأم.
فانظروا إلى نائب اللطف، وتلمحوا شفقة طير الرحمة، ألهم النملة ادخار القوت، ثم ألهمها كسر الحب قبل ادخاره كيلا ينبت، والكسبرة، وإن كسرت قطعتين تنبت فهي تكسرها أربعا.
وَفي كُلِ شَيءٍ لَهُ آَيَةٌ ** تَدُلُ عَلى أَنّهُ واحِدُ

لو رأيت العنكبوت حين تبني بيتها لشاهدت صنعة تعجز المهندس، إنما تطلب موضعين متقاربين، بينهما فرجة يمكنها مد الخيط إليها، ثم تلقي لعابها على الجانبين، فإذا أحكمت المعاقد ورتبت القمط كالسداة اشتغلت باللحمة، فيظن الظان أن نسجها عبث، كلا، إنها شبكة للبق والذباب، وإنها إذا أتمت النسيج انزوت إلى زاوية ترصد رصد الصائد، فإذا وقع في الشبكة شيء قامت تجني ثمار كسبها، فإذا أعجزها الصيد طلبت لنفسها زاوية، ووصلت بين طرفيها بخيط آخر، وتنكست في الهواء تنتظر ذبابة تمر بها، فإذا دنت منها رمت نفسها إليها فأخذتها، واستعانت على قتلها بلف الخيط على رجليها!! افتراها علمت هذه الصنعة بنفسها؟ أو قرأتها على أبناء جنسها؟ أفلا تنظر إلى حكمة من علمها؟ وصنعة من فهمها؟.
لقد نادت عجائب المخلوقات على نفسها ترشد الغافلين إلى باب الصانع، غير أنهم عن السمع لمعزولون.
.الفصل الخامس والأربعون: أسفار الحياة:
خلقنا نتقلب في ستة أسفار إلى أن يتسقر بالقوم المنزل: السفر الأول: سفر السلالة من الطين، السفر الثاني: سفر النطفة من الظهر إلى البطن، السفر الثالث: من البطن إلى الدنيا، الرابع: من الدنيا إلى القبور، الخامس: من القبور إلى العرض، السادس: من العرض إلى منزل الإقامة.
فقد قطعنا نصف السفر، وما بعد أصعب.
إخواني: السنون مراحل، والشهور فراسخ، والأيام أميال، والأنفاس خطوات، والطاعات رؤوس أموال، والمعاصي قطاع الطريق، والربح الجنة، والخسران النار، ولهذا الخطب شمر الصالحون عن سوق الجد في سوق المعاملة، وودعوا بالكلية ملاذ النفس.
كلما رأوا مركب الحياة يتخطف في بحر العمر، شغلهم ما هم فيه عن عجائب البحر، فما كان إلا قليل حتى قدموا من السفر، فاعتنقتهم الراحة في طريق التلقي، فدخلوا بلد الوصل، وقد حازوا ربح الدهر.
يا جبان العزم: لو فتحت عين البصيرة فرأيت بإنسان الفكر ما نالوا، لصاح لسان التلهف: يا ليتني كنت معهم، وأين الأرض من صهوة السماء؟؟.
ألا أنت والله منهم ولا تدري من هم.
يا قَلبُ مِن نَجدٍ وَساكنِهِ ** خَلّفتَ نَجداً وَراءَ المُدلَجِ الساري

أَهفوا إِلى الرَملِ تَعلو لي رَكائِبُهُم ** مِنَ الحُمى في أُسَيحاقٍ وَأَطماري

تَفوحُ أَرواحُ نَجدٍ مِن ثِيابِهِمُ ** عِندَ القُدومِ لِقُربِ العَهدِ بِالدارِ

يارَاكِبان قِفالي فاقضِيا وَطَري ** وَخَبِّراني عَن نَجدٍ بِأَخبارِ

هَل رُوَّضَتَ قاعَةَ الوَعساءِ أَو مُطِرت ** خَميلةَ الطَلحِ ذاتُ البانِ وَالغارِ

أَم هَل أَبيتَ وَداري عِندَ كاظِمَة ** داري وَسُمَّارُ ذاكَ الحَي سَماري

فَلَم يَزالا إِلى أَن نَمَّ بي نَفَسي ** وَحَدَّثَ الرَكبُ عَني دَمعي الجاري

ويحك: في صناديق هذه الأيام أودعت بضائع القوم، في هذه المزرعة المحلاة بذروا حبَّ الحب، فإذا حصدوا نادي بك هاتف اللوم: في الصيف ضيعت اللبن.
كُشفت عن عيونهم حجب الفعلة، فنظروا بلا معاينة، وخاطبوا بلا مشافهة.
تراه بالشوق عيني وهو محجوب أنضوا رواحل الأبدان في سفر المحبة، حتى بلغوا منى المنى قبل فوات الوقفة {تِلكَ أُمَةٌ قَد خَلَت}.
بانوا وَخُلِّفتُ أَبكي في ديارِهِمُ ** قُل لِلديارِ سَقاكَ الرائِحُ الغادي

وَقُل لأظعانِهِم حُييتِ مِن ظُعُنٍ ** وَقُل لِواديهُمُ حُيِيتَ مِن وادي

دخل رجل ناحل الجسم على عمر بن عبد العزيز فقال له: مالك هكذا؟ فقال: ذقت حلاوة الدنيا فرأيتها مرارة، فأسهرت ليلى، وأظمأت نهاري، وذلك قليل في جنب ثواب الله وعقابه.
أَميرُ الهَوى مِن هَوا ** كَ في شُغلٍ شاغِلِ

تَسَربَلَ ثَوبُ الضَنا ** عَلى بُدنٍ ناحِلِ

ذابت قلوبهم بنيران الخوف، فأحرقت موطن الهوى، واضفرت الألوان لقوة الحذر فتنكست رؤوس الخجل، فإذا أردت أن تعرف أحوالهم فاسمع حديث النفس بين النفس.
خُذي حَديثَكَ في نَفسي مِنَ النَفَسِ ** وَجدُ المَشوقِ المعنّى غَيرُ مُلتَبِسِ

الماءُ في ناظري وَالنارُ في كبدي ** إِن شِئتَ فاغتَرِفي أَو شِئتَ فاقتَبِسي

.الفصل السادس والأربعون: العجز والتواني:
لما وقع الأولياء في ظلمات الدنيا قطعوا بالجهاد مفاوز الهوى، أضاءت لهم سبل السلامة فتعارف القوم في طريق الصحبة، إن أضاء لهم برق الرجاء مشوا فيه، وإذا أظلم عليهم ليل الخوف قاموا، فالقوم لا يخرجون من حيز الحيرة، لو رأيتموهم لقلتم مجانين.
إِذا كُنتَ خَلواً فاعذُر في الهَوى ** فَما المُبتَلى وَالمُستَريحُ سَواءُ

أَلا إِنّ قَلبَ الصَبِّ في يَدِ غَيرِهِ ** يُصَرِّفُهُ وَسنَى وَالفُؤادُ هَباءُ

كَربُ المُحِب بالنهار يشتد بمزاحمة رقباء المخاطبة، فبلبل باله في قفص كتمان حاله، فإذا هبت نسائم الأسحار وجدت روحه روحا يصل من قصر مصر المنى، إلى أرض كنعان الأمل، فقام ركب الشوق يتحسس النسيم من فرج الفرج، وله وله.
تُزاوِرنَ عَ، أَذرُعاتٍ يَميناً ** نواشِزُ لَسنَ يَطِنَ البُرينا

كُلِفنَ بِنَجدٍ كَأَنّ الرِياضَ ** أَخَذنَ لِنَجدٍ عَلَيها يَمينا

إِذا جئتُما بانَةَ الواديين ** فأرخُوا النُّسوعَ وَحُلُّوا الوَضينا

فَثَمَّ عَلائِقُ مِن أَجلِها ** مِلءُ الدُجى وَالضُحى قَد طَوينا

وَقَد أَنبَأتهُم مِياهَ الجُفونِ ** بِأَنّ بِقَلبِكَ داءً دَفينا

إخواني: نهار الحزين كالليل، وليل المطرود كالنهار، يا أعمى عن طريق القوم، أنا مشغول بإصلاح عينك، فإذا استوت أرشدتك الطريق، هذا أمر لا ينكشف للقلوب المظلمة برين الهوى، حتى يجلوها صيقل المجاهدة، أرض مشحونة بشوك الذنوب فلو قد أسلمتها إلى الزارع رأيتها قد تغيرت {يَوم تُبَدَلُ الأَرضُ غَيرَ الأَرض}.
ويحك: بين العجز والتواني نتجت الفاقة.
كان القوم إذا سمعوا موعظة غرست نخل العزائم، ونبات قلبك عند المواعظ نبات الكشوثي.
واعجبا!! لمن أصف القوم؟ أراني أتلو سورة يوسف على روبيل كم بين ثالثة الأثافي وسادسة الأصابع. يا مطرودا ما يشعر بالطرد، إنما يجد وقع السياط من له حس، تالله لو أقلقك الهجر ما سكنت دار الراحة، أنت والكسل كندماني جذيمة وليت صوت هذا الهاتف وصل إلى سمع القلب.
يا له من عتاب لو كان للمعتاب فهم، لقد نفخت لو كان فحم، واأسفا مرعىً ولا أكولة، سور تقواك كثير الثلم، والأعداء قد أحاطوا بالبلد، صحح نقد عملك، فقد انقرضت أيام أسبوعك، جود قبل الحساب انتقادك، فلا مسامح قبل الوزن، ويك قبل الومن، ويك قبل الرمي، تراش السهام، وعند النطاح يغلب الأجم، ويحك: قد دنا رحيلك، وليس في مزود عملك ثمرات تطفئ نار جوعك، ولا في مزادتك قطرات تسكن وقد هجيرك، فالجد الجد في الاستظهار لطول الطريق، عش ولا تغتر.
يا منقطعا في بادية الهوى عن الرفقاء، إلحق الركب فالأمير يراعي الساقة، سر من غير توقف ولو تقطعت أقدام الطلب، فإذا أدركتك قافلة التعب- أيها المنقطع في ظل حائط منقطع- فصوت باستغاثة متحير.
يا راهب الدير هل مرت بك الإبل يا أسف من لا ينفعه إن تأسف، لعبت بوقته أيدي التواني فضاع، فصمت عرى عمره كف المشيب ففات.
يَعِزُّ عَليَّ فِراقي لَكُم ** وَإِن كانَ سَهلاً عَلَيكُم يَسيراً

يا قوام الليل اشفعوا في راقد، يا أحياء القلوب ترحموا على ميت، سا سفراء الطلب احملوا رسالة محصر.
خذوا نظرة مني فلاقوا بها الحمى.
أَيا رفقة من أرض بصرى تحملت ** تؤم الحمى لقيت من رفقة رشدا

إذا ما بلغتم سالمين فبلغوا ** تحية من قد ظن أن لا يرى نجدا

.الفصل السابع والأربعون: في ذم إبليس:
إخواني: العناية غنى الأبد، لما سبق الإختيار في القدم للطين المنهبط صعد على النار المرتفعة، فعلمت جهنم أن المخلوقات منها، لما قاوم التراب كانت الغلبة للتراب، وكفاها ما جرى عبرة، والسعيد من وعظ بغيره، فإذا مر المؤمن عليها أسلمت من غير جدال، وقالت: جز فقد أطفأ نورك لهبي.
مصابيح القلوب الطاهرة في أصل الفطرة منيرة قبل الشرائع، كقلب قس {يَكادُ زَيتُها يُضيءُ وَلَو لَم تَمسَسهُ نار} لاح مصباح الهوى من سجف دار الخيزران، فإذا عمر على الباب.
ولما عميت بصيرة إبليس صار نهار الهدى عنده ليلا، كان في عين بصيرته سبل، فما نفعه اتضاح السبل، رجع الخفاش إلى عشه فقال لأهله: أوكروا، فقد جن الليل، فقالوا: الآن طلعت الشمس، وأنت تقول: جن الليل، فقال: ارحموا من طلوع الشمس عنده ليل.
لما أضاءت أنوار النبوة رأتها عين بلال الحبشي وعميت عنها عين أبي طالب القرشي. إخواني: احذروا نبال القدرة، وهيهات لا ينفع الحذر، فإن صلح شيء من باب الكسب فاللحاء أعوذ بك منك، أين القلق والقلوب بين أصبعين.
إن القضاة إذا ما خوصموا غلبوا كان إبليس كالبلدة العامرة بالعبادة، فوقعت فيها صاعقة الشتاء، فهلك أهلها {فَتِلكَ بُيوتُهُم خاوِيةٌ بِما كَسبوا}.
وَمَن لَم يَكُن لِلوِصالِ أَهلُ ** فَكُلُّ إِحسانِهِ ذنوبُ

أخذ كساء ترهبه، فجعل جلال كلب أهل الكهف، فأخذ المسكين في عداوة الآدمي فكم بالغ واجتهد، وأبى الله إلا أن لا يقع في البئر إلا من حفر.
ويحك: ما ذنب الآدمي وأنت جنيت على نفسك؟ ولكنه غيظ الأسير على القد، إنما هلك إبليس بكبر {أَنا خَيرٌ مِنهُ} وسلم آدم بذل {ظَلَمنا أَنفُسَنا} ومقام العبودية لا يحتمل إلا الذل.
كُلَما رَاعَنَي بِعِزِّ المَوالي ** جِئتُهُ خاضِعاً بَذلِّ العَبيدِ

المسكين إبليس ظن أنه قد حاز بامتناعه عن السجود عزا، فوقع في ذل {وَأَنّ عَلَيهِ لَعنَتي} فكأنه فر من المطر إلى الميزاب، كانت خلعة العبادة لا تليق به فنزعت عنه.
إلا رُبَّ جِيدٍ لا يَليقُ بِهِ العِقُدُ.
كان أعجمي الفهم فما لاقت به حلية التعبد، وكان آدم عربيا فما حسنت عليه قلنسوة الخلاف، أخرجهما قسر القدر لبيان ملك التصرف، ثم رد كل إلى معدنه.
إن الأُصولَ عَلَيها تَنبُتُ الشَجرُ.
لقي إبليس عمر بن الخطاب فصرعه عمر فقال بلسان الحال: يا عمر أنا المقتول بسيف الخذلان قبلك.
بيَ الناسُ أَدواءُ الهِيامِ شَرِبتُهُ ** فَإِياكَ عَني لا يَكُنُ بِكَ ما بِيا

يا عمر: أنت الذي كنت في زمن الخطاب لا تعرف طريق الباب، وأنا الذي كنت في سدة السيادة، وأتباعي الملائكة، فوصل منشور {لا يُسأَل} فعزلني وولاك، فكن على حذر من تغير الحال، فإن الحسام الصقيل الذي قتلت به في يد القاتل، فلما لعبت أيدي القلق بعمر بادر طريق باب البريد بالعزل والولاية: يا حذيفة يا حذيفة.
.الفصل الثامن والأربعون: في العزلة:
المؤمن على طهارة التوحيد من يوم {أَلَستُ بِرَبِكُم} غير أنه لما خالط أوساخ الهوى تدنست ثياب معاملته، وليس لها تنظف إلا بماء العلم في بيت العزلة.
العزلة رأس الحمية من الدنيا، تخيط عين بازي الهوى فيألف الفطام على الطيران، والعزلة صحراء خالية عن بقاع يا سرعة إبصار الهلاك فيها لذي بصر، قل غرس خلوة إلا وعليها ثمرة الأنس.
أيها المبتدئ: عليك بالعزلة، فإنها أصل العمل، تضم شتات قلبك، وتحفظ ما لفقت من خصال يقظتك، فإن حالك كمرقعة بالية، إن تحركت فيها تمزقت. إذا جرى القدر باجتماع العقل واليقين في بيت الفكر أخذ في توبيخ الأمارة، فإن كان زمن المرض قد انقضى، أثر اللوم ثوران العزيمة إلى قطع القواطع، فحينئذ تكتب النفس بكف الهجر طلاق الهوى، وتتجلبب زرمانقة الزهد، وتترهبن في دير العزوف، فتستوحش من أهل الدنيا شغلا بصحبة أنا جليس من ذكرني.
يا من قد ضاع يوسف قلبه، جز بخيم القوم لعلك تجد ريح يوسف قف في السحر على أقدام الذل وقل {يا أَيُها العَزيزُ مَسَنا وَأَهلَنا الضُرُّ} يا مخذول التواني، يا مجدوع الأماني، غرق مركب عمرك في بحر الكسل، ويحك: من لازم المنام لم ير إلا الأحلام متى تفتح عين عزمك؟ فيا طوول هذا الكرى، أما تستنشق ريح السحر؟ أما تجد برد هواء الفجر؟ أما تعاين ضوء الشيب؟ أما يؤلمك عتاب الدهر؟.
تَنَبَهي يا عَذباتَ الرَندِ ** كَم ذا الكَرى هَبَّ نَسيمُ نَجدِ

أُعَلِلُ القَلبَ بِبانِ رامَة ** وَما يَنوبُ غُصنٌ عَنِ قَدِّ

وَاقتَضى النَوحُ حَماماتِِ اللَوى ** هَيهاتَ ما عِندَ اللَوى عِندي

رحل ركب المحبة على أكوار العزائم، فصبحوا منزل الوصل وأنت نائم بعد يا عمر العزم: إلى كم في دار الخيزران، يا فضيل المحبة متى تكسر سيف الفضول؟ يا ابن أدهم الجد: دخلت شهور الحج فما قعودك ببلخ.
هَل لَكَ بِالنازِلينَ أَرضَ مِنىً ** يا عِلمُ الشَوقِ بَعدَنا عِلمُ

.الفصل التاسع والأربعون: الذين سبقت لهم منا الحسنى:
إذا وقت عزيمة الإنابة في قلب من سبقت لهم الحسنى قلعت قواعد الهوى من مشتاة الأمل، ركب إبراهيم يوما للصيد، وقد نصب له فخ {يَهديهِم رَبُهُم} حوله حب {يُحِبُهُم} فصيد قبل أن يصيد.
عبر ترجمان الهوى عن لغة {سَبَقَت لَهُم} فقال: ما لهذا خلقت، ولا بهذا أمرت، رماه الطبيب وقت انقضاء المرض، فسقاه دواء مفردا، فنفض به قولنج الهوى، رماه بسهم مواعظ ألقته عن قربوسه وبؤسه، لاحت له نار الهدى، فصاح في جنود الهوى: {إني آَنَستُ ناراً} فتجلى له انيس تجدني فاستحضره، فغاب عن وجوده، فلما أفاق من صعقة وجده، وقد دك طور نفسه، صاح لسان الإنابة بعبارة الإصابة {تُبتُ إِليكَ} فلما خرج عن ديار الغفلة أومأت اليقظة إلى الهوى:
سَلامٌ عَلى اللَذاتِ وَاللَهوِ وَالصِبا ** سَلامَ وَداعٍ لا سَلامُ قُدومِ

يا ابن أدهم: لو عدت إلى قصرك، فتعبدت فيه، قال العزم: كلا، ليس للمبتوتة نفقة ولا سكنى.
أَحَنُّ إِلى الرَملِ اليَماني صِبابَةٌ ** وَهَذا لَعَمري لَو رَضيتُ كَثيبِ

وَلَو أَنَّ ما بي بالحَصى فَلَقُ الحَصى ** وَبالرِيحِ لَم يُسمَع لَهُنّ هُبوبُ

هام في بيداء وجده، فاستراح من عذول أمرضته التخم، فاستلذ طعم طعام الجوع، وحمل جلده على ضعف جلده خشونة بالصوف.
ظَفِرتُم بِكِتمانِ اللِسانِ فَمَن لَكُم ** بِكِتمانِ عَينٍ دَمعُها يَذرِفُ

حَمَلتُم جِبالَ الحُبِّ فَوقي وَإِنَني ** لأَعجَزُ عَن حَملِ القَميصِ وَأَضعُفُ

لاح له جمال الآخرة من خلال سجف {لَنَهدِيَنّهُم} فتمكن الحب من حبة القلب، فقام يسعى في جمع المهر من كسب الفقر.
طال عليه انتظار اللقاء، فصار ناطور البساتين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق