الأربعاء، 17 سبتمبر، 2014

من الفصل السادس الي .الفصل التاسع( السفر مكتوب علينا، فما لنا نطلب الإقامة في جار ليست لنا دار مقامة؟ السنون منازل، والشهور مراحل، والأيام أميال، والأنفاس خطوات، والمعاصي قطاع، والربح الجنة، والخسران النار.)


.الفصل السادس:
إخواني: انتبهوا من غفلتكم، فنوم الغفلة ثقيل، وشمّروا لآخرتكم، فإنما الدنيا منزل، وفي طريقها مقيل.
جاء في بعض الأخبار، أن الله تعالى أوحى إلى بعض أنبيائه عليهم السلام: يا نبيي، شتان بين من عصاني وخالف أمري، وبين من قطع عمره في معاملتي وذكري ولزوم الوقوف ببابي، ومرّغ خده على أعتابي، فيا خجلة الخاطئين، ويا ندامة البطالين.
وأنشدوا:
اخلوا بنفسك إن أردت تقرّبا ** ودع الأنام بمعزل يا عاني

واعمل على قطع العلائق جملة ** في العيش في خرق الحجاب الفاني

وفي الخبر أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال ذات يوم لأصحابه: «يا أصحابي، أتدرون من المفلس؟» قالوا: يا رسول الله، المفلس عندنا من ليس له دينار ولا درهم. فقال لهم: «ليس هو ذلك، إنما المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة وصدقة، ثم يأتي وقد شتم هذا، ولطم هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا كذلك، حتى تفنى حسناته قبل أن يؤدي ما عليه، فتؤخذ خطاياهم، فتحمل على خطاياه، ويقذف به في النار، فهذا هو المفلس». نعوذ بالله من الحرمان.
قال بعض الصالحين رضي الله عنهم: أتيت إبراهيم بن أدهم لأزوره، فطلبته في المسجد، فلم أجده، فقيل لي: انه خرج الآن من المسجد، فخرجت في طلبه، فوجدته في بطن واد نائما في زمان الحر، وحيّة عظيمة عند رأسه، وفي فم الحيّة غصن من الياسمين، وهي تشرّد عنه الذباب، فبقيت متعجبا من ذلك، وإذا بالحية قد أنطقها الله الذي أنطق كل شيء، فقالت لي: مم تتعجب أيها الرجل؟ فقلت لها، من فعلك هذا, وأكثر تعجبي من كلامك وأنت عدوة لبني آدم. فقالت لي: والله العظيم، ما جعلنا الله أعداء إلا للعاصين، وأما أهل طاعته، فنحن لهم منقادون.
وأنشدوا:
فعالي قبيح وظني حسن ** وربي غفور كثير المنن

تبارز مولاك يا من عصى ** وتخشى من الجار لما فطن

ركبت المعاصي وشيبي معي ** فوالله يا نفس ماذا حسن

فقومي الدياجي له وارغبي ** وقولي له يا عظيم المنن

وقولي له يا عظيم الرجا ** إذا أنت لم تعف عني فمن

بحقّ النبي هو المصطفى ** بحق الحسين بحق الحسن

أيدفع مثلي إلى مالك ** وتعلم إني ضعيف البدن

جلس الحسن البصري ذات يوم يعظ الناس، فجعلوا يزدحمون عليه ليقربوا منه، فأقبل عليهم، وقال: يا إخوتاه، تزدحمون عليّ لتقربوا مني؟ فكيف بكم غدا في القيامة إذا قرّبت مجالس المتقين، وأبعدت مجالس الظالمين، وقيل للمخفين جوزوا، وللمثقلين حطوا؟ فيا ليت شعري: أمع المثقلين أحط، أم مع المخفين أجوز؟ ثم بكى حتى غشي عليه، وبكى من حوله، فأقبل عليهم وناداهم، يا إخوتاه، ألا تبكون خوفا من النار؟ ألا من بكى خوفا من النار نجاه الله منها يوم يجرّ الخلائق بالسلاسل والأغلال.
يا إخوتاه، ألا تبكون شوقا إلى الله. ألا وإن من بكى شوقا إلى الله، لم يحرم من النظر غدا إلى الله إذا تجلى بالرحمة، واطّلع بالمغفرة، واشتدّ غضبه على العاصين.
يا إخوتاه، إلا تبكون من عطش يوم القيامة؟ يوم يحشر الخلائق وقد ذبلت شفاههم، ولم يجدوا ماء إلا حوض المصطفى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فيشرب قوم، ويمنع آخرون. ألا وإنّ من بكى من خوف عطش ذلك اليوم سقاه الله من عيون الفردوس.
قال: ثم نادى الحسن رضي الله عنه: واذلاه إذا لم يرو عطشي يوم القيامة من حوض النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ثم بكى وجعل يقول: والله لقد مررت ذات يوم بامرأة من المتعبدات، وهي تقول: الهي، قد سئمت الحياة شوقا ورجاء فيك. فقلت لها: يا هذه، أتراك على يقين من عملك؟ فقالت: حبي فيه وحرصي على لقائه بسطني. أتراه يعذبني وأنا أحب؟.
فبينما أنا كذلك أخاطبها، إذ مرّ بي صبيّ صغير من بعض أهلي، فأخذته في ذراعي، وضممته إلى صدري، ثم قبلته. فقالت لي: أتحب هذا الصبي؟ قلت: نعم. قال: فبكت، وقالت: لو يعلم الله الخلائق ما يستقبلون غدا، ما قرّت أعينهم، ولا التذّت قلوبهم بشيء من الدنيا أبدا.
قال: فبينما أنا كذلك، إذ أقبل لها ولد يقال له: ضيغم، فقالت: يا ضيغم، أتراني أراك غدا يوم القيامة في المحشر أو يحال بيني وبينك؟ قال: فصاح الصبي صيحة ظننت أنه قد انشق قلبه، ثم خرّ مغشيّا عليه، فجعلت تبكي عليه، وبكيت لبكائها.
فلما أفاق من غشيته، قالت له: يا ضيغم، قال لها لبيك يا أماه. قالت: أتحب الموت؟ قال: نعم. قالت: ولم يا بنيّ؟ قال لها: لأصير إلى ما هو خير منك، وهو أرحم الراحمين، إلى من غذاني في ظلمة أحشائك، وأخرجني من أضيق المسالك، ولو شاء لأماتني عند الخروج من ضيق ذلك المسلك حتى تموتي أنت من شدة أوجاعك، لكنه برحمته ولطفه، سهّل ذلك عليّ وعليك. أما سمعتيه عز وجل يقول: {نَبِّئْ عِبَادِي إني أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} [الحجر 49- 50]. وجعل يبكي وينادي: أواه أواه، إن لم أنج غدا من عذاب الله، ولم يزل يبكي حتى غشي عليه، وسقط على الأرض، فدنت منه أمه، فلمسته بيدها، فإذا هو ميّت رحمه الله. فجعلت تبكي وتقول: يا ضيغماه، يا قتيلا في حبّ مولاه. ولم تزل كذلك حتى صاحت صيحة عظيمة، ووقعت في الأرض، قال: فحرّكتها، فإذا هي قد ماتت. رحمة الله عليه وعليها، ورحمنا الله بهما.
.الفصل السابع:
إخواني، الدنيا سموم قاتلة، والنفوس عن مكائدها غافلة، كم من نظرة تحلو في العاجلة، ومرارتها لا تطاق في العاقبة الآجلة. يا ابن آدم، قلبك قلب ضعيف، ورأيك في إطلاق الطرف وأى سخيف. عينك مطلوقة، ولسانك يجني الآثام، وجسدك يتعب في كسب الحطام، كم من نظرة محتقرة زلت بها الأقدام.
عاتبت قلبي لما ** رأيت جسمي نحيلا

فلام قلبي طرفي ** وقال كنت الرسولا

فقال طرفي لقلبي ** بل كنت أنت الدليلا

فقلت كفا جميعا ** تركتماني قتيلا

كان عيسى عليه السلام يقول: النظرة تزرع في القلب الشهوة.
وقال الحسن: من أطلق طرفه، كثر ألمه.
قال إبراهيم:
ومن كان يؤتى من عدو وحاسد ** فإني من عيني أوتى ومن قلبي

وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه أن رجلا جاء إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يتسلسل دما، فقال له النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ما بالك؟» فقال: مرّت بي امرأة، فنظرت إليها، فلم يزل يتبعها بصري، فاستبقني جدار فضربني، فصنع بي ما ترى، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن الله إذا أراد بعبد خيرا، عجّل له عقوبته في الدنيا».
قال أبو يعقوب النهرجوري: رأيت في الطواف رجلا بفرد عين، وهو يقول في طوافه: أعوذ بك منك، فقلت له: ما هذا الدعاء، فقال: إني مجاور منذ خمسين سنة، فنظرت إلى شخص يوما فاستحسنته، وإذا بلطمة قد وقعت على عيني، فسالت على خدي، فقلت: آه، فوقعت أخرى، وقائل يقول: لو زدت لزدناك.
دعوني أناجي مولى جليلا ** إذا الليل أرخى على السدولا

نظرت إليك بقلب ذليل ** لأرجو به يا إلهي القبولا

لك الحمد والمجد والكبرياء ** وأنت الإله الذي لن يزولا

وأنت الإله الذي لم يزل ** حميدا كريما عظيما جليلا

تميت الأنام وتحيي العظام ** وتنشى الخلائق جيلا فجيلا

عظيم الجلال كريم الفعال ** جزيل النوال تنيل السؤولا

حبيب القلوب غفور الذنوب ** تواري العيوب تقيل الجهولا

وتعطي الجزيل وتولي الجميل ** وتأخذ من ذا وذاك القليلا

خزائن جودك لا تنقضي ** تعمّ الجواد بها والبخيلا

قال بعض العارفين: خرجنا من أرض العراق نريد مكة ومدينة المصطفى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكنا في رفقة كثيرة من الناس، فإذا نحن برجل من أهل العراق، وقد خرج معنا رجل به أدمة في شقرة وهو مصفرّ اللون، قد ذهب الدم من وجهه مما بلغت فيه العبادة، وعليه ثياب خلقة من رقاع شتى، وبيده عصا ومعه مزود فيه شيء من الزاد.
قال: وكان ذلك الرجل العابد الزاهد أويسا القرني، فلما نظر إليه أهل القافلة على تلك الحالة، أنكروه، وقالوا له: نظن أنك عبد. قال: نعم. قالوا: نظن أنك عبد سوء هربت من مولاك. قال لهم: نعم. قالوا: كيف رأيت نفسك حين هربت من مولاك، وما صار حالك إليه؟ أما إنك لو أقمت عنده، ما كانت هذه حالتك، وإنما أنت عبد سوء مقصّر. فقال لهم: نعم والله، أنا عبد سوء، ونعم المولى مولاي، ومن قبلي التقصير، ولأطعته وطلبت رضاه، ما كان من أمري هذا، وجعل يبكي حتى كادت نفسه أن تزهق.
قال: فرحمه القوم، وظنوا أنه يعني مولى من موالي الدنيا، وهو ما كان يريد بذلك إلا رب العزة.
فقال له رجل من أهل القافلة: لا تخف، أنا آخذ لك من مولاك الأمان، فارجع إليه وتب. فقال: إني راجع إليه، وراغب فيما لديه.
قال: وكان خرج زائرا إلى قبر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فسارت القافلة ذلك اليوم، وسار معهم، وجدّوا في السير، فلما كان في الليل نزلوا في فلاة من الأرض، وكانت ليلة شاتية باردة كثيرة المطر. قال: فأوى كل واحد من أهل القافلة إلى رحله وخبائه، ولم يأو أويس إلى شيء، ولم يسأل أحدا شيئا. قال: وقد كان آلى على نفسه إلا يسأل من أمور الدنيا لمخلوق، وإنما تكون حوائجه إلى الله سبحانه وتعالى، فبلغ به البرد تلك الليلة مبلغا شديدا، حتى اضطربت جوارحه من شدة البرد، واشتد عليه سلطان البرد حتى مات في جوف الليل.
فلما أصبحوا وأرادوا الرحيل نادوه: قم أيها الرجل، فإن الناس قد رحلوا، فلم يجبهم، فأتاه رجل قريب منه، فحرّكه فوجده ميتا رحمه الله، فنادى: يا أهل القافلة، إن العبد الهارب من سيده قد مات، ولا ينبغي لكم الرحيل حتى تدفنوه. قالوا: وما الحيلة في أمره؟.
فقال لهم رجل صالح كان معهم: إن هذا العبد كان عبدا تائبا راجعا إلى مولاه نادما على ما صنع، ونحن نرجو أن ينفعنا الله به، وقد قبل توبته، ونخاف أن نسأل عنه إن تركناه غير مدفون، ولا بدّ لكم أن تصبروا حتى تحفروا له قبرا وتدفنوه فيه.
فقالوا: هذا موضع ليس فيه ماء، فقال بعضهم لبعض: اسألوا الدليل، فسألوه، فقال: إن بينكم وبين الماء ساعة، ولكن أرسلوا معي واحدا وأنا آتيكم بالماء.
فأخذ الدليل دلوا، وساروا إلى الماء، فلما خرج من القافلة، إذا هو بغدير من الماء، فقال الدليل: هذا هو العجب الذي لم أر مثله هذا موضع ليس فيه ماء، ولا على قرب منه!.
فرجع إليهم، وقال لهم: قد كفيتم المؤنة. عليكم بالحطب، فجمعوه ليسخنوا به الماء من شدة البرد، ثم أتوا إلى الماء ليأخذوه، فوجوده ساخنا يغلي، فازدادوا تعجبا، وفزعوا من ذلك الرجل، وقالوا إن لهذا العبد قصة وشأنا.
قال: فأخذوا في حفر قبره، فوجدوا التراب ألين من الزبد، والأرض تفوح مثل المسك الإذفر، وملئوا رعبا وفزعا، وكانوا إذا نظروا إلى التراب الذي يخرج من القبر، وجدوه صفة التراب، وإذا شمّوه، وجدوا رائحة كرائحة المسك.
فضربوا له خباء وأدخلوه فيه، وتنافسوا في كفنه، فقال رجل من القوم: أنا أكفنه، وقال آخر، أنا أكفنه. فاتفق رأيهم على أن يجعل كل واحد منهم ثوبا.
ثم إنهم أخذوا دواة وقرطاسا، وكتبوا صفته وعته، وقالوا: إذا وصلنا، إن شاء الله، المدينة، فلعل من يعرفه، وجعلوا الكتاب في أوعيتهم.
فلما غسّلوه، وأرادوا أن يكفنوه، كشفوا الثوب الذي كان عليه، فوجدوه مكفنا بكفن من الجنة، لم ير الراؤون مثله، ووجدوا على كفنه مسكا وعنبرا، وقد ملأت رائحة حنوطه الدنيا، وعلى جبينه خاتم من المسك، وعلى قدميه كذلك.
فقالوا: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. إن الله عز وجل قد كفّنه وأغناه عن أكفان العباد، ونرجو الله تعالى أنه قد أوجب لنا الجنة ورحمنا بهذا العبد الصالح، وندموا ندامة شديدة على تركه تلك الليلة حتى مات بالبرد.
ثم إنهم حملوه ليدفنوه، ووضعوه في بقعة سهلة ليصلّوا عليه، فلما كبّروا، سمعوا أصوات التكبير من السماء إلى الأرض، ومن المشرق إلى المغرب،
وانخلعت أفئدتهم وأبصارهم، ولم يدروا كيف صلوا عليه من شدة الجزع، وعظم رعبهم مما سمعوا فوق رؤوسهم، فحملوه يريدون قبره، فكأنه يخطف من بينهم ولا يجدون له ثقلا، حتى أتوا به إلى القبر ليدفنوه، فدفنوه، ورجع القوم وقد تعجبوا من أمره.
فلما قضوا سفرهم، وأتوا إلى مسجد الكوفة، وأخبروا بخبره، وما كان من صفته، فعند ذلك عرفه الناس، وارتفعت الأصوات بالبكاء في مسجد الكوفة، ولولا ذلك ما عرف أحد بموته، ولا بمكان قبره، لاختفائه عن الناس وهروبه منهم رضي الله عنه، ونفعنا ببركاته.
.الفصل الثامن:
إخواني، إلى كم هذه الغفلة وأنتم مطالبون بغير مهلة؟ فبالله عليكم، تعاهدوا أيامكم بتحصيل العدد، وأصلحوا من أعمالكم ما فسد، وكونوا من آجالكم على رصد، فقد آذنتكم الدنيا بالذهاب، وأنتم تلعبون بالأجل وبين أيديكم يوم الحساب. آه من ثقل الحمل، آه من قلة الزاد وبعد الطريق.
فيا أيها المغرور بإقباله، المفتون بكواذب آماله، الذي غاب عن الصواب، وهو في فعله كذاب.
يا بطال، إلى كم تؤخر التوبة وما أنت في التأخير بمعذور؟ إلى متى يقال عنك: مفتون ومغرور؟ يا مسكين، قد انقضت أشهر الخير وأنت تعد الشهور؟ أترى مقبول أنت أم مطرود؟ أترى مواصل أنت أم مهجور؟ أترى تركب النجب غدا أم أنت على وجهك مجرور؟ أترى من أهل الجحيم أنت أم من أرباب النعيم والقصور. فاز، والله، المخفون، وخسر هنالك المبطلون، إلا إلى الله تصير الأمور.
وأنشدوا:
مالي أراك على الذنوب مواظبا ** أأخذت من سوء الحساب أمانا

لا تغفلن كأن يومك قد أتى ** ولعل عمرك قد دنا أو حانا

ومضى الحبيب لحفر قبره مسرعا ** وأتى الصديق فأنذر الجيرانا

وأتو بغسّال وجاؤوا نحوه ** وبدا بغسلك ميتا عريانا

فغسلت ثم كسيت ثوبا للبلى ** ودعوا لحمل شريرك الإخوانا

وأتاك أهلك للوداع فودّعوا ** وجرت عليك دموعهم غدرانا

فخف الإله فإنه من خافه ** سكن الجنان مجاورا رضوانا

جنات عدن لا يبيد نعيمها ** أبدا يخالط روحه ريحانا

ولمن عصا نار يقال لها لظى ** تشوى الوجوه وتحرق الأبدانا

نبكي وحق لنا البكاء يا قومنا ** كي لا يؤاخذنا بما قد كانا

قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إذا كان ابن آدم في سياق الموت، بعث الله إليه خمسة من الملائكة:
أما الملك الأول، فيأتيه وروحه في الحلقوم، فيناديه: يا ابن آدم، أين بدنك القوي؟ ما أضعفه اليوم؟ أين لسانك الفصيح؟ ما أسكته اليوم؟ أين أهلك وقرابتك؟ ما أوحشك منهم اليوم!.
ويأتيه الملك الثاني إذا قبض روحه، ونشر عليه الكفن، فيناديه: يا ابن آدم، أين ما أعددت من الغنى للفقر؟ أين ما أعددت من الخراب للعمران؟ أين ما أعددت من الأنس للوحشة؟.
ويأتيه الملك الثالث إذا حمل على الأعناق، فيناديه: يا ابن آدم، اليوم تسافر سفرا بعيدا لم تسافر سفرا أبعد منه، اليوم تزور قوما لم تزورهم قبل هذا قط، اليوم تدخل مدخلا ضيقا لم تدخل أضيق منه، فطوبى لك إن فزت برضوان الله، وويل لك إن رجعت بسخط الله.
ويأتيه الملك الرابع إذا ألحد في قبره فيناديه: يا ابن آدم، بالأمس كنت على ظهرها ماشيا، واليوم صرت في بطنها مضطجعا. بالأمس كنت على ظهرها ضاحكا، واليوم أصبحت في بطنها باكيا. بالأمس كنت على ظهرها مذنبا، واليوم أمسيت في بطنها نادما.
ويأتيه الملك الخامس إذا سويّ عليه التراب، وانصرف عنه الأهل والجيران والأصحاب، فيناديه: يا ابن آدم، دفنوك وتركوك، ولو أقاموا عندك ما نفعوك. جمعت المال وتركته لغيرك. اليوم تصير إما لجنة عالية، أو إلى نار حامية»
.
ويروى عن بعض المتعبدين أنه قال: إلهي عصيتك قويا، وأطعتك ضعيفا، وأسخطتك جلدا، وخدمتك نحيفا، فيا ليت شعري، هل قبلتني على لؤمي، أم صرفتني على جرمي؟ قال: ثم غشي عليه ووقع على الأرض وانسلخت جبهته.
فقامت إليه أمه، وقبّلته بين عينيه، ومسحت جبهته وهي تبكي وتقول: قرّة عيني في الدنيا، وثمرة فؤادي في الآخرة، كلم عجوزك الثكلى، وردّ جواب أمك الحريّ.
قال: فأفاق الفتى من غشيته، ويده قابضة على كبده، وروحه تتردد في جسده، ودموعه تنسكب على خده ولحيته، فقال لها: يا أماه، هذا اليوم الذي كنت تحذريني منه، وهذا هو المصرع الذي كنت تخوّفيني منه، هذا مصرع الأهوال، وسقوط عثرة الأثقال، فيا أسفا على الأيام الخالية، ويا جزعي من الأيام الطوال التي لم أعرّج فيها على الإقبال.
يا أماه أنا خائف على نفسي أن يطول في النار سجني وحبسي. يا حزناه إن رميت فيها على رأسي، ويا أسفاه إن قطعت فيها أنفاسي.
يا أماه، افعلي ما أقول لك.
فقالت له: يا بنيّ، فدتك نفسي، ماذا تريد؟.
قال لها: ضعي خدي على التراب، وطئيه بقدمك حتى أذوق طعم الذل في الدنيا، والتلذذ للسيّد المولى، عسى أن يرحمني وينجيني من نار لظى. قالت أمه: فقمت إليه في الحال، وقد ألصق خده بالتراب، والدموع تجري من عينيه كالميزاب، فوطئت خده بقدمي، فإذا هو ينادي بصوت ضعيف: هذا جزاء من أذنب وعصى، وهذا جزاء من أخطأ وأسا، هذا جزاء من لم يقف بباب المولى، هذا جزاء من لم يراقب العلي الأعلى.
قالت: ثم تحوّل إلى القبلة، وقال: لبيّك لبيّك، إلا اله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
قال: ثم مات في مكانه، فرأته أمه في المنام كأن وجهه فلقة قمر تجلى من سحاب، فقالت له: يا بنيّ، ما فعل بك مولاك؟ قال: رفع درجتي، وقرّبني من محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقالت له أمه: يا بنيّ، ما الذي سمعت منك تقوله عند وفاتك؟ فقال لها: يا أماه، هتف بي هاتف وقال لي: يا عمران، أجب داعي الله، فأجبته، ولبيّت ربي عز وجل. رحمه الله تعالى.
.الفصل التاسع:
إخواني، السفر مكتوب علينا، فما لنا نطلب الإقامة في جار ليست لنا دار مقامة؟ السنون منازل، والشهور مراحل، والأيام أميال، والأنفاس خطوات، والمعاصي قطاع، والربح الجنة، والخسران النار.
خلقنا نتقلب في ستة أسفار إلى أن يستقر بنا القرار: فالسفر الأول: سفر السلالة من الطين، والثاني من الصلب إلى الرحم، والثالث: من الرحم إلى ظهر الأرض، والرابع: من ظهر الأرض إلى القبر، والخامس: من القبر إلى موقف العرض، والسادس: من موقف العرض إلى دار الإقامة: إما إلى الجنة أو النار، وقد قطعنا نصف الطريق، وبقي الأصعب.
يا من يضجّ في الكرب ويصيح، خلّ التدبير لغيرك فتستريح، تكثر النحيب والعويل، وتنسى ما سلف من الفعل الوبيل. لو رجعت إليك بقلبك، لعجّل عليك بتفريج همّك وكربك.
يا أخي، إياك والدنيا، فإن حبل الدنيا مبتوت، واقنع منها بالقوت، واعلم أنك تموت.
قال ابن المبارك: قدمت مكة، فإذا الناس قد قحطوا من المطر، وهم يستسقون في المسجد الحرام، وكنت في الناس من باب بني شيبة، إذ أقبل غلام أسود قطعتا خيش، قد ائتزر بإحداهما، وألقى الأخرى على عاتقيه، فصار في موضع خفي إلى جانبي، فسمعته يقول: الهي، أخلقت الوجوه كثرة الذنوب ومساوئ العيوب، وقد منعتنا غيث السموات لتؤدب الخليقة بذلك، فأسألك يا حليم، يا من لا يعرف عباده من إلا الجميل، اسقهم الساعة الساعة.
قال ابن المبارك: فلم يزل يقول: اسقهم الساعة الساعة، حتى انسدّ الجو بالغمام، وأقبلت قطرات الركام تهطل كأفواه القرب، وجلس مكانه يسبّح الله تعالى، فأخذت في البكاء، حتى قام فاتبعته حتى عرفت موضعه.
فجئت إلى الفضيل بن عيّاض، فقال لي: ما لي أراك كئيبا؟ فقلت له: سبقنا إليه غيرنا، فولاه دوننا. قال: وما ذلك؟ فقصصت عليه القصة وسقط في الأرض، وقال: ويحك ابن المبارك، خذني إليه، فقلت: قد ضاق الوقت، سأبحث عن شأنه.
فلما كان من الغد، صليت الغداة، وخرجت أريد الموضع، فإذا بشيخ على باب، وقد بسط له وهو جالس، فلما رآني عرفني، وقال: مرحبا بك يا أبا عبد الرحمن، ما حاجتك؟ فقلت: احتجت إلى غلام، فقال: نعم عندي عدّة، اختار أيهم شئت، فصاح يا غلام، فقال: هذا محمود العاقبة، أرضاه لك، فقلت: ليس هذا حاجتي، فما زال يخرج واحدا بعد واحد، حتى أخرج إلى الغلام، فلما أبصرته بدرت عيناي بالدموع، فقال: هذا؟ فقلت: نعم، فقال: ليس لي إلى بيعه سبيل. فقلت: ولم؟!. قال: قد تبرّكت بموضعه في هذه الدار، فقلت له: ومن أين طعامه؟ فقال: يكسب من فتل الشريط نصف دانق أو أقل أو أكثر، فهو قوته إن باعه في يومه، وإلا طوى ذلك اليوم.
وأخبرني الغلمان عنه أنه لا ينام في الليل الطويل ولا يختلط بأحد منهم، مهتم بنفسه، وقد أحبه قلبي.
فقلت له: انصرف إلى الفضيل بن عياض وسفيان الثوري بغير قضاء حاجة، ثم رجعت إليه، وسألت فيه بإلحاح، فقال: إن ممشاك عندي كبير، خذه بما شئت.
قال: فاشتريته، وسرت معه نحو دار الفضيل، فمشيت ساعة فقال لي: يا مولاي.
فقلت له: لبيك.
فقال: لا تقل لبيك، فإن العبد أولى بأن يلبي من المولى.
قلت: وما حاجتك يا حبيبي.
قال: أنا ضعيف البدن، لا أطيق الخدمة، وقد كان لك في غيري سعة، قد أخرج لك من هو أجلد مني وأثبت. فقلت له: لا يراني الله تعالى أستخدمك، ولا كان اشترائي لك إلا أنزلك منزلة الأولاد، ولأزوّجك، وأخدمك أنا بنفسي. قال: فبكى، فقلت له: وما يبكيك؟.
قال لي: أنت لم تفعل هذا، إلا وقد رأيت بعض متصلاتي بالله تعالى، وإلا، فلم أخذتني من أولئك الغلمان؟.
فقلت له: ليس بك حاجة إلا هذا.
فقال لي: سألت بالله إلا أخبرتني.
فقلت له: بإجابة دعوتك.
فقال لي: إني أحسبك إن شاء الله رجلا صالحا، إن لله عز وجل خيرة من خلقه، لا يكشف شأنهم إلا لمن أحب من عباده، ولا يظهر عليهم إلا من ارتضى.
ثم قال لي: ترى أن تقف عليّ قليلا، فإنه قد بقي عليّ ركعات من البارحة.
قلت: هذا منزل الفضيل.
قال: لا هاهنا أحبّ إليّ. إن أمر الله تعالى لا يؤخر، فدخل المسجد، فما زال يصلي حتى أتى على ما أراد، فالتفت إليّ وقال: يا أبا عبد الرحمن، هل لك من حاجة؟.
قلت: ولم.
قال: لأني أريد الانصراف.
قلت: إلى أين.
قال: إلى الآخرة.
قلت: لا تفعل دعني أنتفع بك.
فقال لي: إنما كانت تطيب الحياة حيث كانت المعاملة بيني وبين الله تعالى، فأما إذا اطلعت عليها أنت، سيطّلع عليها غيرك، فلا حاجة لي في ذلك، ثم خرّ على وجهه، وجعل يقول: إلهي اقبضني الساعة الساعة، فدنوت منه، فإذا هو قد مات. فو الله ما ذكرته قط إلا طال حزني، وصغرت الدنيا في عيني، وحقرت عملي.
رحمه الله ورحمنا به.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق