الأربعاء، 17 سبتمبر، 2014

4.عرض كتاب صيد الخاطر^%^

فصل : أجود الأشياء قطع أسباب الفتن
ما رأيت أعظم فتنة من مقاربة الفتنة ، و قل أن يقاربها إلا من يقع فيها . و من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه .
قال بعض المعتبرين : قدرت مرة على لذة ظاهرها التحريم ، و تحتمل الإباحة ، إذ المر فيها مردد ، فجاهدت النفس فقالت : أنت ما تقدر فلهذا تترك ، فقارب المقدور عليه ، فإذا تمكنت فتركت كنت تاركاً حقيقة .
ففعلت و تركت ، ثم عاودت مرة أخرى في تأويل أرتني فيه الجواز ، و إن كان الأمر يحتمل ، فلما وافقتها أثر ذلك ظلمه في قلبي ، لخوف أن يكون الأمر محرماً ، فرأيت أنها تارة تقوى علي بالترخص و التأويل ، و تارة أقوى عليها بالمجاهدة و الإمتناع .
فإذا ترخصت لم آمن أن يكون ذلك المر محظوراً ، ثم أرى عاجلاً تأثير ذلك الفعل في القلب فلما لم آمن عليها بالتأويل تفكرت في قطع طمعها من ذلك الأمر المؤثر ، فلم أر ذلك إلا بأن قلت لها : قدري أن هذا الأمر مباح قطعاً ، فو الله لا إله إلا هو لا عدت إليه .
فانقطع طمعها باليمين و المعاهدة . و هذا أبلغ دواء وجدته في امتناعها ، لأن تأويلها لا يبلغ إلى أن تأمر بالحنث و التفكير .
فأجود الأشياء قطع أسباب الفتن و ترك الترخص فيما يجوز إذا كان حاملاً و مؤدياً إلى ما لا يجوز ، الله الموفق .
· فصل : سكرة الهوى حجاب
لولا غيبة العاصي في و قت المعاصي كان كالمعاند ، غير أن الهوى يحول بينه و بين الفهم للحال ، فلا يرى إلا قضاء شهوته.
و إلا فلو لاحت له المخلفة خرج من الدين بالخلاف ، فإنما يقصد هواه فيقع الخلاف ضمناً و تبعاً .
و أكثر ما يقع هذا في مقاربة الفتنة ، و قل من يسلم عند المقاربة ، لأنه كتقديم نار إلى حلفاً . ثم لو ميز العاقل بين قضاء و طرده لحظة و إنقضاء باقي العمر بالحسرة على قضاء ذلك الوطر لما قرب منه و لو أعطى الدنيا . غير أن سكرة الهوى تحول بين الفكر و ذلك . آه كم معصية في ساعتها كأنها لم تكن ثم بقيت آثارها ، و أقلها ما لا يبرح من المرارة في الندم و الطريق الأعظم في الحذر ألا يتعرض لسبب فتنة . و لا يقاربه ، فمن فهم هذا و بالغ في الاحتراز كان إلى السلامة أقرب .
· فصل : البلاء على قدر الرجال
البلايا على مقادير الرجال . فكثير من الناس تراهم ساكتين راضين بما عندهم من دين و دنيا .
و أولئك قوم لم يرادوا لمقاسات الصبر الرفيعة ، أو علم ضعفهم عن مقاومة البلاء فلطف بهم .
إنما المحنة العظمى أن ترزق همة عالية لا تقنع منك إلا بتحقيق الورع و تجويد الدين ، و كمال العلم ، ثم تبتلي بنفس تميل إلى المباحات ، و تدعي أنها تجمع بذلك همها ، و تشفي مرضها ، لتقبل مزاحمة العلة على تحصيل الفضائل . و هاتان الحالتان كضدين ، لأن الدنيا و الآخرة ضربتان .
و اللازم في هذا المقام مراعات الواجبات ، و ألا يفسح للنفس في مباح لا يؤمن أن يتعدى منه إعراض عن واجب ورع .
المبتلي يصيح ، فلأن يبكي الطفل خير من أن يبكي الولد .
و اعلم أن فتح باب المباحات ربما جر أذى كثير في الدين فأوثق السكر قبل فتح الماء ، و البس الدرع قبل لقاء الحرب ، و تلمح عواقب ما تجني قبل تحريك اليد و استظهر في الحذر باجتناب ما يخاف منه و إن لم يتيقن .
· فصل : مع العدل و الأنصاف تأتي كل مراد
ينبغي لطالب العلم أن يكون جل همته مصروفاً إلى الحفظ و الإعادة ، فلو صح صرف الزمان إلى ذلك كان الأولى .
غير أن البدن مطية ، و إجتهاد السير مظنه الانقطاع ، و لما كانت القوى تكل فتحتاج إلى تجديد ، و كان النسخ و المطالعة و التصنيف لا بد منه ، مع أن المهم الحفظ وجب تقسيم الزمان على المرين ، فيكون الحفظ في طرفي النهار و طرفي الليل ، و يوزع الباقي بين عمل بالنسخ و المطالعة ، و بين راحة للبدن و أخذ لحظه .
و لا ينبغي أن يقع الغبن بين الشركاء ، فإنه متى أخذ أحدهم فوق حقه أثر الغبن و بان أثره ، و إن النفس لتهرب إلى النسخ و المطالعة و التصنيف عن الإعادة و التكرار ، لأن ذلك أشهى و أخف عليها .
فليحذر الراكب من إهمال الناقة ، و لا يجوز له أن يحمل عليها ما لا تطيق و مع العدل و الإنصاف يتأتى كل مراد .
و من انحرف عن الجادة طالت طريقه .
و من طوى منازل في منزل أوشك أن يفوته ما جد لأجله ، على أن الإنسان إلى التحريض أحوج لأن الفتور ألصق به من الجد .
و بعد ، فاللازم في العلم طلب المهم ، فرب صاحب حديث حفظ مثلاً لحديث : من أتى الجمعة فليغتسل : عشرين طريقاً ، و الحديث قد ثبت من طريق واحد ، فشغله ذلك عن معرفة آداب الغسل ، و العمر أقصر و النفس من أن يفرط منه في نفس ، و كفى بالعقل مرشداً إلى الصواب ، و با الله التوفيق .
· فصل : من قال : لا أدري فقد أفتى
أذا صح قصد العالم استراح من كلف التكلف ، فإن كثيراً من العلماء يأنفون من قول لا أدري ، فيحفظون بالفتوى جاههم عند الناس لئلا يقال : جهلوا الجواب ، و إن كانوا على غير يقين مما قالوا ، و هذا نهاية الخذلان .
و قد روى عن مالك بن أنس أن رجلاً سأله عن مسألة فقال : لا أدري ، فقال سافرت البلدان إليك ، فقال : ارجع إلى بلدك و قل : سألت مالكاً فقال : لا أدري .
فانظر إلى دين هذا الشخص و عقله كيف استراح من الكلفة ، و سلم عند الله عز وجل . ثم إن كان المقصود الجاه عندهم ، فقلوبهم بيد غيرهم .
و الله لقد رأيت من يكثر الصلاة و الصوم و الصمت ، و يتخشع في نفسه و لباسه ، و القلوب تنبوا عنه ، و قدره في النفوس ليس بذلك . و رأيت من يلبس فاخر الثياب و ليس له كبير نفل و لا تخشع ، و القلوب تتهافت على محبته .
فتدبرت السبب فوجدته السريرة ، كما روي عن أنس بن مالك أنه لم يكن له كبير صلاة و صوم ، و إنما كانت له سريرة .
فمن أصلح سريرته فاح عبير فضله ، و عبقت القلوب بنشر طيبه . فا الله الله في السرائر ، فإنه ما ينفع مع فسادها صلاح ظاهر .
· فصل : الدنيا دار ابتلاء و إختبار
نزلت في شدة و كأثرت مت الدعاء أطلب الفرج و الراحة . و تأخرت الإجابة ، فانزعجت النفس و قلقت ، فصحت بها : ويلك ، تأملي أمرك ، أمملوكة أنت أم حرة مالكة ؟ أمدبرة أنت أم مدبرة ؟
أما علمت أن الدنيا دار ابتلاء و اختبار ، فإذا طلبت أغراضك و لم تصبري على ما ينافي مرادك فأين الإبتلاء ؟ و هل الإبتلاء إلا الإعراض و عكس المقاصد ؟
فافهمي معنى التكليف و قد هان عليك ما عز ، و سهل ما استصعب .
فلما تدبرت ما قلته سكنت بعض السكون .
فقلت لها : و عندي جواب ثان ، و هو أنك تقتضين الحق بأغراضك و لا تقتضين نفسك بالواجب له ، و هذا عين الجهل .
و إنما كان ينبغي أن يكون الأمر بالعكس ، لأنك مملوكة ، و المملوك العاقل يطالب نفسه بأداء حق المالك ، و يعلم أنه لا يجب على المالك تبليغه ما يهوى ، فسكنت أكثر من ذلك السكون .
فقلت لها : و عندي جواب ثالث ، و هو أنك قد استبطأت الإجابة ، و أنت سددت طرقها بالمعاصي ، فلو قد فتحت الطريق أسرعت . كأنك ما علمت أن سبب الراحة التقوى .
أو ما سمعت قوله تعالى : و من يتق الله يجعل له مخرجاً * و يرزقه يجعل له من أمره يسراً .
أو ما فهمت أن العكس بالعكس ؟
آه من سكر غفلة صار أقوى من كل سكر في وجه مياه المراد يمنعها من الوصول إلى زرع الأماني ، فعرفت النفس أن هذا حق فطمأنت .
فقلت : و عندي جواب رابع ، و هو أنك تطلبين ما لا تعلمين عاقبته ، و ربما كان فيه ضررك ، فمثلك كمثل طفل محموم يطلب الحلوى ، و المدبر لك أعلم بالمصالح ، كيف و قد قال الله : و عسى أن تكرهوا شيئاً و هو خير لكم .
فلما بان الصواب للنفس في هذه الأجوبة ، زادت طمأنينتها .
فقلت لها : و عندي جواب خامس ، و هو أن هذا المطلوب ينقص من أجرك ، و يحط من مربتبتك ، فمنع الحق لك ما هذا سبيله عطاء منه لك ، و لو أنت طلبت ما يصلح آخرتك كان أولى لك . فأولى لك أن تفهمي ما قد شرحت . فقالت : لقد سرحت في رياض ما شرحت . فهمت إذ فهمت .
· فصل : إدخر المال و إستغن عن الناس
حضرنا بعض أغذية أرباب الأموال . فرأيت العلماء أذل الناس عندهم . فالعلماء يتواضعون لهم و يذلون لموضع طمعهم فيهم . و هم لا يحلفون بهم لما يعلمونه من إحتياجهم إليهم .
فرأيت هذا عيباً في الفريقين .
أما في أهل الدنيا فوجه العتب أنهم كانوا ينبغي لهم تعظيم العلم . و لكن لجهلهم بقدره فاتهم و آثروا عليه كسب الأموال . فلا ينبغي أن يطلب منهم تعظيم ما لا يعرفون و لا يعلمون قدره .
و إنما أعود باللوم على العلماء و أقول : ينبغي لكم أن تصونوا أنفسكم التي شرفت بالعلم عن الذل للأنذال . و إن كنتم في غنى عنهم كان الذل لهم و الطلب منهم حراماً عليكم . و إن كنتم في كفاف فلم تؤثروا التنزه عن الذل بالعفة عن الحطام الفاني الحاصل بالذلة ، إلا أنه يتخيل لي من هذا الأمر ، أني علمت قلة صبر النفس على الكفاف و العزوف عن الفضول ، فإن وجد ذلك منها في وقت لم يوجد على الدوام .
فالأولى للعالم أن يجتهد في طلب الغنى . و يبالغ في الكسب ، و إن ضاع بذلك عليه كثير من زمان طلب العلم ، فإنه يصون بعرضه عرضه .
و قد كان سعيد بن المسيب يتجر في الزيت و خلف مالاً .
و خلف سفيان الثوري مالاً و قال : [ لولاك لتمندلوا بي ] .
و قد سبق في كتابي هذا في بعض الفصول شرف المال ، و من كان من الصحابة و العلماء يقتنيه . و السر في فعلهم ذلك .
و حثى طالبي العلم على ذلك ما بينته من أن النفس لا تثبت على التعفف ، و لا تصبر على دوام التزهد .
و كم رأينا من شخص قويت عزيمته على طلب الآخرة فأخرج ما في يده ، ثم ضعفت فعاد يكتسب من أقبح وجه .
فالأولى إدخار المال و الاستغناء عن الناس ، ليخرج الطمع من القلب ، و يصفو نشر العلم من شائبة ميل .
و من تأمل أخبار الأخيار من الأحبار وجدهم على هذه الطريقة .
و إنما سلك طريق الترفه عن الكسب من لم يؤثر عنده بذل الدين و الوجه فطلب الراحة و نسى أنها في المعنى عناء ، كما فعل جماعة من جهال المتصوفة في إخراج ما في أيديهم و ادعاء التوكل ، و ما علموا أن الكسب لا ينافي التوكل . و إنما طلبوا طريق الراحة و جعلوا التعرض للناس كسباً ، و هذه طريقة مركبة من شيئين : أحدهما : قلة الأنفة على العرض . الثاني : قلة العلم .
· فصل : خطر موافقة الهوى
تأملت وقوع المعاصي من العصاة فوجدتهم لا يقصدون العصيان ، و إنما يقصدون موافقة هواهم ، فوقع العصيان تبعاً ، فنظرت في سبب ذلك الإقدام مع العلم بوقوع المخالفة ، فإذا به ملاحظتهم لكرم الخالق ، و فضله الزاخر .
و لو أنهم تأملوا عظمته و هيبته ما انبسطت كف بمخالفته .
فإنه ينبغي و الله أن يحذر ممن أقل فعله تعميم الخلق بالموت ، حتى إلقاء الحيوان البهيم للذبح ، و تعذيب الأطفال بالمرض ، و فقر العالم ، و غنى الجاهل .
فليعرض المقدم على الذنوب على نفسه الحذر ممن هذه صفته ، فقد قال الله تعالى : و يحذركم الله نفسه .
و ملاحظة أسباب الخوف أدنى إلى الأمن من ملاحظة أسباب الرجاء .
فالخائف آخذ بالحزم ، و الراجي متعلق بحبل طمع ، وقد يخلف الظن .
· فصل : القناعة بالقليل
رأيت عموم أرباب الأموال يستخدمون العلماء و يستذلونهم بشيء يسير يعطونهم من زكاة أموالهم ، فإن كان لأحدهم ختمة فلان ما حضر ، و إن مرض قال فلان ما تردد ، و كل منته عليه شيء نزر يجب تسليمه إلى مثله .
و قد رضي العلماء بالذل في ذلك لموضع الضرورة . فرأيت أن هذا جهل من العلماء بما يجب عليهم من صيانة العلم ، و دواؤه من جهتين :
إحداهما : القناعة باليسير . كما قيل : من رضي بالخل و البقل لم يستعبده أحد .
الثاني : صرف بعض الزمان المصروف في خدمة العلم إلى كسب الدنيا ، فإنه يكون سبباً لإعزاز العلم ، و ذلك أفضل من صرف جميع الزمان في طلب العلم ، مع احتمال هذا الذل .
و من تأمل ما تأملته و كانت له أنفة قدر قوته ، و احتفظ بما معه ، أو سعى في مكتسب يكفيه ، و من لم يأنف من مثل هذه الأشياء لم يحظ من العلم إلا بصورته دون معناه .
· فصل : ثمرة العقل فهم الخطاب
مدار الأمر كله على العقل ، فإنه إذا تم العقل لم يعمل صاحبه إلا على أقوى دليل ، و ثمرة العقل فهم الخطاب ، و تلمح المقصود من الأمر .
و من فهم المقصود و عمل على الدليل كان كالباني على أساس وثيق .
و إني رأيت كثيراً من الناس لا يعملون على دليل ، بل كيف اتفق ، و ربما كان دليلهم العادات ، و هذا أقبح شيء يكون .
ثم رأيت خلقاً كثيراً لا يتبعون الدليل بطريق إثباته كاليهود و النصارى . فإنهم يقلدون الآباء و لا ينظرون فيما جاء من الشرائع هل صحيح أم لا ، و كذلك يثبتون الإله و لا يعرفون ما يجوز عليه مما لا يجوز ، فينسبون إليه الولد ، و يمنعون جواز تغييره ما شرع .
و هؤلاء لم ينظروا حق النظر لا في إثبات الصانع و ما يجوز عليه ، و لا الدليل على صحة النبوات ، فتقع أعمالهم ضائعة كالباني على رمل .
و من هذا القبيل في المعنى قوم يتعبدون و يتزهدون و ينصبون أبدانهم في العلم بأحاديث باطلة ، و لا يسألون عنها من يعلم .
و من الناس من يثبت الدليل و لا يفهم المقصود الذي دل عليه الدليل .
و من هذا الجنس قوم سمعوا ذم الدنيا فتزهدوا ، و ما فهموا المقصود ، فظنوا أن الدنيا تذم لذاتها ، و أن النفس تجب عداوتها ، فحملوا على أنفسهم فوق ما يطاق ، و عذبوها بكل نوع و منعوها حظوظها ، جاهلين بقوله صلى الله عليه و سلم إن لنفسك عليك حقا .
و فيهم من أدته الحال إلى ترك الفرائض ، و نحول الجسم ، و ضعف القوى .
و كل ذلك لضعف الفهم للمقصود و التلمح للمراد . كما روي عن داود الطائي أنه كان يترك ماء في دن تحت الأرض فيشرب منه و هو شديد البحر .
و قال لسفيان : [ إذا كنت تأكل اللذيذ الطيب ، و تشرب الماء البارد المبرد ، فمتى تحب الموت و القدوم على الله ؟ ]
و هذا جهل بالمقصود . فإن شرب الماء الحار يورث أمراضاً في البدن و لا يحصل به الري .
و ما أمرنا بتعذيب أنفسنا على هذه الصورة ، بل تترك ما تدعو إليه من ما نهى الله عنه .
و في الحديث الصحيح : أنا أبا بكر رضي الله عنه لما حلب له الراعي في طريق الهجرة صب الماء على القدح حتى برد أسفله ، ثم سقى رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و فرش له في ظل صخرة .
و كان يستعذب لرسول الله صلى الله عليه و سلم الماء . و قال : إن عندكم ماء بات في شن و إلا كرعنا .
و لو فهم داوود رحمه الله أن إصلاح علف الناقة متعين لقطع المسافة لم يفعل هذا .
ألا ترى إلى سفيان الثوري فإنه كان شديد المعرفة و الخوف و كان يأكل اللذيذ و يقول : [ إن الدابة إذا لم يحسن إليها لم تعمل ] .
و لعل بعض من لم يسمع كلامي هذا يقول : هذا ميل على الزهاد .
فأقول : كن مع العلماء ، و أنظر إلى طريق الحسن ، و سفيان ، و مالك ، و أبي حنيفة ، و أحمد ، و الشافعي ، و هؤلاء أصول الإسلام .
و لا تقلد دينك من قل علمه و إن قوى زهده ، و احمل أمره على أنه كان يطيق هذا و لا تقتد بهم فيما لا تطيقه ، فليس أمرنا إلينا ، و النفس وديعة عندنا ، فإن أنكرت ما شرحته فأنت ملحق بالقوم الذي نكرت عليهم .
و هذا رمز إلى المقصود . و الشرح يطول .
· فصل : العلم أشرف مكتسب
الواجب على العاقل أن يتبع الدليل ثم لا ينظر فيما لا يجني من مكروه .
مثاله أنه قد ثبت بالدليل القاطع حكمة الخالق عز وجل و ملكه و تدبيره .
فإذا رأى الإنسان عالماً محروماً ، و جاهلاً مرزوقاً ، أوجب عليه الدليل المثبت حكمة الخالق التسليم إليه ، و نسبة العجز عن معرفة الحكمة إلى نفسه .
فإن أقواماً لم يفعلوا ذلك جهلاً منهم ، أفتراهم بماذا حكموا ؟ بفساد هذا التدبير ؟ أليس بمتقضى عقولهم ؟ أو ما عقولهم من جملة مواهبه ؟
فكيف يحكم على حكمته و تدبيره ببعض مخلوقاته التي هي بالإضافة إليه أنقص من كل شيء ؟
و لقد بلغني عن اللعين ابن الراوندي أنه كان جالساً على الجسر و في يده رغيف يأكله ، فجازت خيل و أموال ، فقال : لمن هذه ؟ فقيل : لفلان الخادم . ثم جازت خيل و أموال ، فقال : لمن هذه ؟ فقيل لفلان الخادم .
فلما مر الخادم رأى شخصاً محتقراً ، فرمى الرغيف إلى ناحيته و قال : و هذا لفلان ! ما هذه القسمة !
و لو فكر المعترض لبانت له وجوه أقلها جهله بمن يدعي معرفته و قلة تعظيمه له . و ذلك يوجب عليه أشد مما كان فيه من تضييق العيش ، و لكنه ميراث إبليس ، حيث إعتقد سوء التدبير في تفضيل آدم عليه السلام .
فالعجب من تلميذ يتعالم على أستاذه ، و من مملوك يتيه على سيده .
و مما ينبغي أن يتبع فيه الدليل ، و لا يلتفت إلى ما جنت الحال ، أن العلم أشرف مكتسب .
و قد رأى جماعة من الجهلة قلة حظوظ العلماء من الدنيا ، ففأزوروا على العلم و قالوا : لا فائدة فيه ، و ذلك لجهلهم بمقدار العلم ، فإن تابع الدليل لا يبالي ما جنى . و إنما يبين الاختبار بفقد الغرض .
و لو لم يكن من الدليل على صدق نبينا صلى الله عليه و سلم إلا إعراضه عن الدنيا و تضييق العيش عليه . ثم لن يخلف شيئاً ، و حرم أهله الميراث ، لكفاءة ذلك دليلاً على صدق طلبه لمطلوب آخر .
و ربما رأى الجاهل قوماً من العلماء يفعلون خطيئة فيزدري على العلم و يدعيه ناقصاً ، و هذا غلط كبير ، فليتق الله العاقل و ليعمل بمقتضى العقل فيما يأمر به من طاعة الله تعالى و العمل بالعلم ، و ليعلم أن الابتلاء في الصبر على فوات المطلوبات ، و ليلزم إتباع الدليل و إن جنى مكروهاً و الله الموفق .
· فصل : عاقبة الصبر و نهاية الهوى
قرأت سورة يوسف عليه السلام . فتعجبت من مدحه عليه السلام على صبره ، و شرح قصته للناس و رفع قدره بترك ما ترك . فتأملت خبيثة الأمر ، فإذا هي مخالفة للهوى المكروه .
فقلت : واعجباً لو وافق هواه من كان يكون ؟
و لما خالفه لقد صار أمراً عظيماً تضرب الأمثال بصبره ، و يفتخر على الخلق بإجتهاده .
و كل ذلك قد كان بصبر ساعة ، فيا له عزاً و فخراً ، أن تملك نفسك ساعة الصبر عن المحبوب و هو قريب .
و بالعكس منه حالة آدم في موافقته هواه ، لقد عادت نقيصة في حقه أبداً ، لولا التدارك فتاب عليه .
فتلمحوا رحمكم الله عاقبة الصبر و نهاية الهوى .
فالعاقل من ميز بين الأمرين : الحلوين ، و المرين . فإن من عدل ميزانه و لم تمل به كفة الهوى رأى كل الأرباح في الصبر ، و كل الخسران في موافقة النفس . و كفى بهذا موعظة في مخالفة الهوى لأهل النهي . و الله الموفق .
· فصل : لا يصلح العلم مع قلة العمل
رأيت الاشتغال بالفقه و سماع الحديث لا يكاد يكفي في صلاح القلب ، إلا أن يمزح بالرفائق و النظر في سير السلف الصالحين ، لأنهم تناولوا مقصود النقل . و خرجوا عن صور الأفعال المأمور بها إلى ذوق معانيها و المراد بها .
و ما أخبرتك بهذا إلا بعد معالجة و ذوق لأني وجدت المحدثين و طلاب الحديث همة أحدهم في الحديث العالي و تكثير الأجزاء .
و جمهور الفقهاء في علوم الجدل و ما يغالب به الخصم .
و كيف يرق القلب مع هذه الأشياء ؟
و قد كان جماعة من السلف يقصدون العبد الصالح للنظر إلى سمته و هديه . لا لاقتباس علمه .
و ذلك أن ثمرة علمه هديه و سمته ، فافهم هذا و أمزج طلب الفقه و الحديث بمطالعة سير السلف و الزهاد في الدنيا ، ليكون سبباً لرقة قلبك .
و قد جمعت لكل واحد من مشاهير الأخيار كتاباً فيه أخباره و آدابه . فجمعت كتاباً في أخبار الحسن ، و كتاباً في أخبار سفيان الثوري ، و إبراهيم بن أدهم ، و بشر الحافي ، و أحمد بن حنبل ، و معروف ، و غيرهم من العلماء و الزهاد ، و الله الموفق للمقصود . و لا يصلح العمل مع قلة العلم .
فهما في ضرب المثل كسائق و قائد ، و النفس بينهما حرون ، و مع جد السائق و القائد ينقطع المنزل ، و نعوذ بالله من الفتور .
· فصل : نورالقلب يلبه المريد
ترخصت في شيء يجوز في بعض المذاهب ، فوجدت في قلبي قسوة عظيمة ، و تخايل لي نوع طرد عن الباب ، و بعد ، و ظلمة تكاثفت .
فقالت نفسي : ما هذا ؟ أليس ما خرجت عن إجماع الفقهاء ؟ فقلت لها : يا نفس السوء جوابك من وجهين :
أحدهما : إنك تأولت ما لا تعتقدين ، فلو استفتيت لم تفت بما فعلت .
قالت : لو لم أعتقد جواز ذلك ما فعلته .
قلت : إلا أن إعتقادك ما ترضيه لغيرك في الفتوى .
و الثاني : أنه ينبغي لك الفرح بما وجدت من الظلمة عقيب ذلك ، لأنه لولا نور في قلبك ما أثر هذا عندك .
قالت : فلقد إستوحشت بهذه الظلمة المتجددة في القلب .
قلت : فاعزمي على الترك ، و قدري ما تركت جائزاً بالإجماع ، و عدي هجره ورعاً ، و قد سلمت .
· فصل : كم من محتقر احتيج إليه
مما أفادتني تجارب الزمان أنه لا ينبغي لأحد أن يظاهر بالعداوة أحداً ما إستطاع ، فإنه ربما يحتاج إليه مهما كانت منزلته .
و إن الإنسان ربما لا يظن الحاجة إلى مثله يوماً ما كما يحتاج إلى عويد منبوذ لا يلتفت إليه . لكن كم من محتقر احتيج إليه . فإذا لم تقع الحاجة إلى ذلك الشخص في جلب نفع وقعت الحاجة في دفع ضر .
و لقد إحتجت في عمري إلى ملاطفة أقوام ما خطر لي لي قط وقوع الحاجة إلى التلطف بهم .
و إعلم أن المظاهرة بالعداوة قد تجلب أذى من حيث لا يعلم . لأن المظاهر بالعداوة كشاهر السيف ينتظر مضرباً . و قد يلوح منه مضرب خفي ، و إن إجتهد المتدرع في ستر نفسه فيغتنمه ذلك العدو .
فينبغي لمن عاش في الدنيا أن يجتهد في ألا يظاهر بالعداوة أحداً لما بينت من وقوع إحتياج الخلق بعضهم إلى بعض ، و إقدار بعضهم على ضرر بعض .
و هذا فصل مفيد تبين فائدته للإنسان مع تقلب الزمان .
· فصل : في القناعة سلامة الدنيا و الدين
رأيت النفس تنظر إلى لذات أرباب الدنيا العاجلة و تنسى كيف حصلت و ما يتضمنها من الأفات .
و بيان هذا أنك إن رأيت صاحب إمارة و سلطنة فتأملت نعمته وجدتها مشوية ، إن لم يقصد هو الشر حصل من عماله ، ثم هو خائف منزعج في كل أموره ، حذر من عدو أن يسيئه ، فلق ممن هو فوقه أن يعزله ، و من نظيره أن يكيده ، ثم أكثر زمانه يمضي في خدمة من يخافه من السلاطين ، و في حساب أموالهم و تنفيذ أوامرهم التي لا تخلو من أشياء منكرة ، و إن عزل أربى ذلك على جميع ما نال من لذة .
ثم تلك اللذة تكون مغمورة بالحذر فيها ، و منها ، و عليها .
و إن رأيت صاحب تجارة رأيته قد تقطع في البلاد فلم ينل ما نال إلا بعد علة السن و ذهاب زمان اللذة .
كما حكى أن رجلاً من كان حال شبيبة فقيراً ، كما كبر استغنى و ملك أموالاً و اشترى عبيداً من الترك و غيرهم ، و جواري من الروم ، فقال هذه الأبيات في شرح حاله:
ما كنت أرجوه إذ كنت ابن عشرينا ملكته بعد أن جاوزت سبعيناً
تطوف بي من الأتراك أغزلة مثل الغصون على كثبان يبريناً
و خرد من بنات الروم رائعة يحكين بالحسن حور الجنة العيناً
يغمزنني بأساريع منعمة تكاد تعقد من أطرفها ليناً ‌
‌‌‌ يردن إحياء ميت لا حراك به و كيف يحيين ميتاً صار مدفوناً
قالوا أنينك طول الليل يسهرنا فما الذي تشتكي قلت الثمانينا
و هذه الحالة هي الغالية فإن الإنسان لا يكاد يجتمع له كل ما يحبه إلا عند قرب رحيله ، فإن بدر ما يحب في بداية شبابه فالصبوة مانعة من فهم التدابير أو حسن الإلتزاز و الإنسان في حالة الصبوة لا يدري أين هو إلا أن يبلغ ، فإذا بلغ كانت همته في المنكوح كيفما اتفق ، و إن تزوج جاء الأولاد فمنعوه اللذة و انكسر في نسفه و افتقر إلى الكسب عليهم ، فبينما هو قد دعك في تلك المديدة القريبة من الثلاثين و خطه الشيب فانفرق من نفسه لعمله أن النساء يتفرقن منه ، كما قال ابن المعتز بالله :
لقد أتعبت نفسي في مشيبي فكيف تحبي الغيد الكعاب
و هكذا لا ترى المتمتع بالمستحسنات ، إن و جدهن ، لم يجد مالاً يبلغ به المراد ، و إن اشتغل بجمع المال ضاع زمن تمتعه ، و إذا تم المطلوب فالشيب أقبح قذى و أعظم مبغض .
ثم إن صاحب المال خائف على ماله ، محاسب لمعامليه ، مذموم إن أسرف و إن فتر .
ولده يرصد موته ، و جاريته قد لا ترضى بشخصه ، و هو مشغول بحفظ حواشيه ، فقد مضى زمانه في محن ، و اللذات فيها خلس معتادة لا لذة فيها ، ثم في القيامة يحشر الأمير و التاجر خزايا ، إلا من عصم الله .
فإياك أن تنظر إلى صورة نعيمهم فإنك تستطيبه لبعده عنك ، و لو قد بلغته كرهته ، ثم في ضمنه من محن الدنيا و الآخرة ما لا يوصف . فعليك بالقناعة مهما أمكن ، ففيها سلامة الدنيا و الدين .
و قد قيل لبعض الزهاد و عنده خبز يابس : كيف تشتهي هذا ؟
فقال : أتركه حتى أشتهيه .
· فصل : لن يصيبا إلا ما كتب الله لنا
و قع بيني و بين أرباب الولايات نوع معاداة لأجل المذهب . فإني كنت في مجلس التذكير أنظر أن القرآن كلام الله و أنه قديم ، و أقدم من أبا بكر .
و اتفق في أرباب الولايات من يميل إلى مذهب الأشعري ، و فيهم من يميل إلى مذهب الروافض ، و تمالؤا علي في الباطن .
فقلت يوماً في مناجاتي للحق سبحانه و تعالى : سيدي نواصي الكل بيدك ، و ما فيهم من يقدر لي على ضر ، إلا أن تجريه على يده ، و أنت قلت سبحانك وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله .
و طيبت قلب المبتلي بقولك : قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا .
فإن أجريت على أيدي بعضهم ما يوجب خذلاني كان خوفي على ما تصرفه أكثر من خوفي على نفسي ، لئلا يقال : لو كان على حق ما خذل .
و إن نظرت إلى تفصيري و ذنوبي فإني مستحق للخذلان ، غير أني أعيش بما نصرته من السنة ، فأدخلني في خفارته .
و قد استودعني إياك خلق من صالحي عبادك ، فإن لم تحفظني بي فاحفظني بهم .
سيدي أنصرني على من عاداني . فإنهم لا يعرفونك كما ينبغي ، و هم معرضون عنك على كل حال ، أنا ـ على تقصيري ـ إليك أنسب .
· فصل : لا تكلف نفسك ما لا تطيق
روي عن الحلاج الصوفي أنه كان يقعد في الشمس في الحر الشديد و عرقه يسيل ، فجاز بعض العقلاء فقال له : يا أحمق هذا تقاوي على الله تعالى . . . ! !
و ما أحسن ما قال هذا ! فإنه ما وضع التكليف إلا على خلاف الأغراض و قد يحرج صاحبه إلى أن يعجز عن الصبر ، فالجاهل الأحمق من تقاوى أو من يسأل البلاء كما قال ذلك الأبله : فكيف ما شئت فإختبرني .
· فصل : إسألوا الله العافية
و السعيد من ذل لله و سأل العافية ، فإنه لا يوهب العافية على الإطلاق ، إذ لا بد من بلاء ، و لا يزال العاقل يسأل العافية ليتغلب على جمهور أحواله ، فيقرب الصبر على يسير البلاء .
و في الجملة ينبغي للإنسان أن يعلم إنه لا سبي إلى محبوباته خالصة ، ففي كل جرعة غصص ، و في كل لقمة شجأ :
و كم من يعشق الدنيا قديماً و لكن لا سبيل إلى الوصال
و على الحقيقة ما الصبر إلا على الأقدار ، و قل أن تجري الأقدار إلا على خلاف مراد النفس .
فالعاقل من دارى نفسه في الصبر بوعد الأجر ، و تسهيل الأمر ، ليذهب زمان البلاء سالماً من شكوى ، ثم يستغيث بالله تعالى سائلاً العافية .
فأما المتجلد فما عرف الله قط ، نعوذ بالله من الجهل به ، و نسأله عرفانه ، إنه كريم مجيب .
· فصل : من يطع الرسول فقد أطاع الله
الجادة السليمة ، و الطريق القومية ، الإقتداء بصاحب الشرع . و البذار إلى الإستنان به ، فهو الكامل الذي لا نقص فيه ، فإن خلقاً كثيراً إنحرفوا إلى جادة الزهد ، و حملوا أنفسهم فوق الجهد ، فأقاموا في أواخر العمر ، و البدن قد نهك ، و فانت أمور مهمة من العلم و غيره .
و إن أقواماً إنحرفوا إلى صورة العلم فبالغوا في طلبه ، فأفاقوا في أواخر قدم ، و قد فاتهم العمل به .
فطريق المصطفى صلى الله عليه و سلم العلم و العمل ، و التلطف بالبدن .
ما أوصى عبد الله بن عمر ، عمر بن العاصي و قال له: إن لنفسك عليك حقاً ، و لزوجك عليك حقاً . فهذه هي الطريق الوسطى ، و القول الفصل .
فأما اليبس المجرد فكم فوت من علم ، لو حصل نيل به أكثر مما نيل بالعمل .
فإن مثل العالم كرجل يعرف الطريق ، و العابد جاهل بها فيمشي العابد من الفجر إلى العصر ، و يقوم العالم قبيل العصر فيلتقيان و قد سبق العالم فضل شوطه .
فإن قال قائل : بين لي هذا ؟
قلت : صورة التعبد خدمة لله تعالى ، و ذل له و ربما لم يطلع العابد على معنى تلك الصورة ، لأنه ربما ظن أنه أهل لوجود الكرامة على يده ، و أنه مستحق تقبيل يده ، أو أنه خير من كثير من الناس و ذلك كله لقلة العلم ، و أعني بالعلم فهم أصول العلم ، لا كثرة الرواية و مطالعة مسائل الخلاف .
فإذا طالع العالم الأصولي ، سبق هذا العابد بحسن خلق ، و مداراة لناس ، و تواضعه في نفسه ، و إرشاده الخلق إلى الله تعالى ، فيعسر هذا على العابد ، و هو في ليل جهله بالحال راقد .
ربما تزوج العابد ثم حمل نفسه على التجفف ، فحبس زوجته عن مطلوبها و لم يطلقها ، و صار كالتي حبست الهرة فلا هي أطعمتها و لا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض .
و من تأمل حالة الرسول صلى الله عليه و سلم ، رأى كاملاً من الخلق يعطي كل ذي حق حقه .
فتارة يمزح ، و تارة يضحك ، و يداعب الأطفال ، و يسمع الشعر ، و يتكلم بالمعاريض ، و يحسن معاشرة النساء ، و يأكل ما قدر عليه و أتيح له ، و إن كان لذيذاً كالعسل . و يستعذب له الماء ، و يفرش له في الظل ، و لم ينكر ذلك ، و لم يسمع عنه ما حدث بعده من جهال المتصوفة و المتزهدين ، من منع النفس شهواتها على الإطلاق .
فقد كان يأكل البطيخ بالرطب ، و يقبل ، و يمص اللسان ، و يطلب المستحسنات .
فأما أكل خبز الشعير و وزن المأكول ، و تجفيف البدن ، و هجر كل مشتهي ، فإنه تعذيب للنفس ، و هدم للبدن . لا يقتضيه عقل ، و لا يمدحه شرع . و إنما اقتنع أقوام بالقليل ، لأسباب مثل أن حديث شبهة فتقللوا أو إختلط طعام بطعام فتورعوا .
ثم كان النبي صلى الله عليه و سلم يوفي العبادة حقها بقيام الليل و الاجتهاد في الذكر .
فعليك بطريقته التي هي أكمل الطرق ، و بشرعته التي لا شوب فيها . و دع حديث فلان و فلان من الزهاد . و احمل أمرهم على أحسن محمل ، و أقم لهم الأعذار مهما قدرت . فإن لم تجد عذراً فهم محجوبون بفعله ، إذ هو قدوة الخلق ، و سيد العقلاء . و هل فسد الناس إلا بالإنحراف عن الشريعة ؟
و لقد حدثت آفات من المتصوفة و المتزهدين . خرقوا بها شبكة الشريعة و عبروا . فمنهم من يدعي المحبة و الشوق ، و لا يعرف المحبوب .
فتراه يصيح و يستغيث و يمزق ثيابه و يخرج عن حد الشرع بدعواه و مضمونها .
منهم من حمل على نفسه بالجوع و الصوم الدائم ، و قد صح عن النبي صلى الله عليه و سلم إنه قال لعبد الله بن عمرو : صم يوماً و أفطر يوماً ، فقال أريد أفضل من ذلك ، فقال لا أفضل .
و فيهم من خرج إلى السياحة ، فأفأت نفسه الجماعة . و فيهم من دفن كتب العلم و قد يصلي و يصوم ، و لم يعلم أن دفنها خطأ قبيح ، لأن النفس تغفل و تحتاج إلى التذكير في كل وقت ، و نعم المذكر كتب العلم .
و إنما دخل إبليس على قوم منهم من حيث قدر ، و كان مقصوده بدفن الكتب إطفاء المصباح ، ليسير العابد في الظلمة .
و ما أحسن ما قال بعض العلماء لرجل سأله فقال : أريد أن أمضي إلى جبل الأكام . فقال هذه ـ هوكلة ـ و هذه كلمة عامية معناها حب البطالة .
و على الحقيقة الزهاد في مقام الخفافيش . قد دفنوا أنفسهم بالعزلة عن نفع الناس ، و هي حالة حسنة إذا لم تمنع من خير من جماعة ، و اتباع جنازة ، و عيادة مريض .
إلا أنها حالة الجنباء ، فأما الشجعان فهم يتعلمون و يعلمون . و هذه مقامات الأنبياء عليهم السلام .
أترى كم بين العابد إذا نزلت به حادثة و بين الفقيه ؟
بالله لو مال الخلق إلى التعبد لضاعت الشريعة .
على أنه فهم معنى التعبد لم يقتصر به على الصلاة و الصوم فرب ماش في حاجة مسلم فضل تعبده ذلك على صوم سنة .
و العمل بالبدن سعى الآلات الظاهرة . و العلم سعي الآلات الباطنة من العقل و الفكر و الفهم ، فلذلك كان أشرف .
فإن قلت : كيف تذم المعتزلين للشر و تنفي عنهم التعبد ؟
قلت : ما أذمهم بل حدثت منهم حوادث اقتضاها الجهل من الدعاوي و الآفات التي سببها قلة العلم . و حملوا على أنفسهم التي لبست لهم . و عن غير إذن الأمر ما لم يجز .
حتى إن أحدهم يرى أن فعل ما يؤذي النفس على الإطلاق فضيلة . و حتى قال بعض الحمقى : دخلت الحمام فوجدت غفلة . فآليت ألا أخرج حتى أسبح كذا و كذا تسبيحة ، فطال الأمر فمرضت .
و هذا رجل خاطر بنفسه في فعل ما ليس له . و من المتصوفة و الزهاد من قنع بصورة اللباس ، و ركب من الجهل في الباطن ما لا يسعه كتاب .
طهر الله الأرض منهم ، و أعان العلماء عليهم .
فإن أكثر الحمقى معهم ، فلو أنكر عالم على أحدهم ، مال العوام على العالم بقوة الجهل .
و لقد رأيت كثيراً من المتعبدين و هو مقام العجائز يسبح تسبيحات لا يجوز النطق بها ، و يفعل في صلاته ما لم ترد به السنة .
و لقد دخلت يوماً على بعض من كان يتعبد ، و قد أقام إماماً و هو خلفه في جماعة يصلي بهم صلاة الضحى و يجهر ، غفلت لهم : إن النبي صلى الله عليه و سلم قال : صلاة النهار عجماء ، فغضب ذلك الزاهد و قال : كم ينكر هذا علينا !
و قد دخل فلان و أنكر فلان و أنكر ، نحن نرفع أصواتنا حتى لا ننام .
فقلت : واعجباً و من قال لكم لا تناموا ، أليس في الصحيحين من حديث ابن عمرو و أن النبي صلى الله عليه و سلم قال له : قم و نم ، و قد كان رسول الله صلى الله عليه و سلم ينام ، و لعله ما مضت عليه ليلة إلا و نام فيها .
و لقد شاهدت رجلاً كان يقال له حسين القزويني بجامع المنصور و هو يمشي في الجامع مشياً كثيراً دائماً . فسألت ما السبب في هذا المشي ؟ فقيل لي : حتى لا ينام .
و هذا كلها حماقات أوجبتها قلة العلم ، لأنه إذا لم تأخذ النفس حظها من النوم إختلط العقل ، و فات المراد من التعبد لبعد الفهم .
و لقد حدثني بعض الصالحين المجاورين بجامع المنصور أن رجلاً إسمه كثير دخل عليهم الجامع فقال : إني عاهدت الله على أمر و نقضته ، و قد جعلت تقوبتي لنفسي ألا آكل شيئاً أربعين يوماً ، قال : فمكث منها عشرة أيام قريب الحال يصلي في جماعة ، ثم في العشر الثاني بان ضعفه و كان يداري الأمر ، ثم صار في العشر الثالث يصلي قاعداً ، ثم استطرح في العشر الرابع ، فلم تمت الأربعون جيء بنقوع فشربه ، فسمعنا صوته في حلقه مثل ما يقع الماء على المقلاة ، ثم مات بعد أيام .
فقلت : يا لله العجب ، أنظروا ما فعل الجهل بأهله ، ظاهر هذا أنه في النار ، إلا أن يعفى عنه ، و لو فهم العلم و سأل العلماء لعرفوه أنه يجب عليه أن يأكل و أن ما فعله بنفسه حرام ، و لكن من أعظم الجهل إستبداد الإنسان بعلمه ، و كل هذه الحوادث نشأت قليلاً قليلاً حتى تمكنت .
فأما الشرب الأول فلم يكن فيه من هذا شيء . و ما كانت الصحابة تفعل شيئاً من هذه الأشياء و قد كانوا يؤثرون و يأكلون دون الشبع . و يصبرون إذا لم يجدوا . فمن أراد الإقتداء فعليه برسول الله صلى الله عليه و سلم و أصحابه ففي ذلك الشفاء و المطلوب .
و لا ينبغي أن يخلد العاقل إلى تقليد معظم شاع إسمه . فيقول : قال : أبو يزيد و قال الثوري . فإن المقلد أعمى . و كم قد رأينا أعمى يأنف من حمل عصا . فمن هذا المشار إليه طلب الأفضل و الأعلى . و الله الموفق .
· فصل : لكل بدعة أصل
تأملت الدخل الذي دخل في ديننا من ناحيتي العلم و العمل ، فرأيته من طريقين قد تقدما هذا الدين و أنس الناس بهما .
فأما أصل الدخل في العلم و الاعتقاد فمن الفلسفة .
و هو أن خلقاً من العلماء في ديننا لم يقنعوا بما قنع به رسول الله صلى الله عليه و سلم من الإنعكاف على الكتاب و السنة ، فأوغلوا في النظر في مذاهب أهل الفلسفة وخاضوا في الكلام الذي حملهم على مذاهب رديئة أفسدوا بها العقائد .
و أما أصل الدخل في باب العمل فمن الرهبانية .
فإن خلقاً من المتزهدين أخذوا عن الرهبان طريق التقشف ، و لم ينظروا في سيرة نبينا صلى الله عليه و سلم و أصحابه ، و سمعوا ذم الدنيا و ما فهموا المقصود ، فاجتمع لهم الإعراض عن علم شرعنا مع سوء الفهم للمقصود ، فحدثت منهم بدع قبيحة .
فأول ما ابتدأ به إبليس أنه أمرهم بالإعراض عن العلم ، فدفنوا كتبهم و غسلوها و ألزمهم زاوية التعبد فيما زعم ، و أظهر لهم من الخزعبلات ما أوجب إقبال العوام عليهم فجعل إلههم هواهم ، و لو علموا أنهم منذ دفنوا كتبهم و فارقوا العلم انطفأ مصباحهم ما فعلوا ، لكن إبليس كان دقيق المكر يوم جعل علمهم في دفين تحت الأرض .
و بالعلم يعلم فساد الطريقين ، و يهتدي إلى الأصوب .
نسأل الله عز وجل ألا يحرمنا إياه فإنه النور في الظلم ، و الأنيس في الوحدة ، و الوزير عند الحادثة .
· فصل : و ما يلقاها إلا ذو حظ عظيم
أعوذ با الله من صحبة البطالين ، لقد رأيت خلقاً كثيراً يجرون معي فيما قد إعتاده الناس من كثرة الزيارة ، و يسمون ذلك الترددخدمة ، و يطلبون الجلوس و يجرون فيه أحاديث الناس و ما لا يعني ، و ما يتخلله غيبة .
و هذا شيء يفعله في زماننا كثير من الناس ، و ربما طلبه المزور و تشوق إليه ، و إستوحش من الوحدة ، و خصوصاً في أيام التهاني و الأعياد . فتراهم يمشي بعضهم إلى بعض ، و لا يقتصرون على الهناء و السلام ، بل يمزجون ذلك بما ذكرته من تضييع الزمان .
فلما رأيت أن الزمان أشرف شيء ، و الواجب إنتهاؤه بفعل الخير ، كرهت ذلك و بقيت مهم بين أمرين :
إن أنكرت عليهم و قعت وحشة لموضع قطع المألوف ، و إن تقبلته منهم ضاع الزمان ، فصرت أدافع اللقاء جهدي ، فإذا غلب قصرت في الكلام لأتعجل الفراق ، ثم أعددت أعمالاً تمنع من المحادثة لأوقات لقائهم لئلا يمضي الزمان فارغاً . فجعلت من المستعد للقائهم قطع الكاغد و بري القلام ، و حزم الدفاتر ، فإن هذه الأشياء لا بد منها . و لا تحتاج إلى فكر و حضور قلب ، فأرصدتها لأوقات زيارتهم يضيع شيء من و قتي .
نسأل الله عز وجل أن يعرفنا أوقات العمر ، و ان يوفقنا لإغتنامه .
و لقد شاهدت خلقاً كثيراً لا يعرفون معنى الحياة ، فمنهم من أغناه الله عن التكسب بكثرة ماله ، فهو يقعد في السوق أكثر النهار ينظر إلى الناس ، و كم تمر به من آفة و منكر .
و منهم من يخلو بلعب الشطرنج ، و منهم من يقطع الزمان بكثرة الحوادث من السلاطين و الغلاء و الرخص ، إلى غير ذلك .
فعلمت أن الله تعالى لم يطلع على شرف العمر و معرفة قدر أوقات العافية إلا من و فقه و ألهمه إغتنام ذلك و ما يلقاها إلا ذو حظ عظيم .
· فصل : اغتنم شبابك قبل هرمك
رأيت من الرأي القويم أن نفع التصانيف أكثر من نفع التعليم بالمشافهة .
لأني أشافه في عمري عدداً من المتعلمين و أشافه بتصنيفي خلقاً لا تحصى ما خلقوا بعد .
و دليل هذا أن إنتفاع الناس بتصانيف المتقدمين أكثر من إنتفاعهم بما يستفيدونه من مشايخهم .
فينبغي للعالم أن يتوفر على التصانيف إن وفق للتصنيف المفيد ، فإنه ليس كل من صنف صنف .
و ليس المقصود جمع شيء كيف كان ، و إنما هي أسرار يطلع الله عز وجل عليها من شاء من عباده و يوفقه لكشفها ، فيجمع مافرق ، أو يرتب ما شتت ، أو يشرح ما أهمل ، هذا هو التصنيف المفيد .
و ينبغي إغتنام التصنيف في وسط العمر ، لأن أوائل العمر زمن الطلب ، و آخره كلال الحواس .
و ربما خان الفهم و العقل من قدر عمره ، و إنما يكون التقدير على العادات الغالبة ، لأنه لا يعلم الغيب فيكون زمان الطلب و الحظ و التشاغل إلى الأربعين ، ثم يبتدىء بعد الأربعين بالتصانيف و التعليم .
هذا إذا كان قد بلغ ما يريد من الجمع و الحفظ ، و أعين على تحصيل المطالب .
فأما إذا قلت الآلات عنده من الكتب ، أو كان في أول عمره ضعيف الطلب فلم ينل ما يريده في هذا الأوان ، أخر التصانيف إلى تمام خمسين سنة .
ثم ابتدأ بعد الخمسين في التصنيف و التعليم إلى رأس الستين . ثم يزيد فيما بعد الستين في التعليم و يسمع الحديث و العلم و يعلل التصانيف إلى أن يقع مهم إلى رأس السبعين ، فإذا جاوز السبعين جعل الغالب عليه ذكر الآخرة و التهيؤ للرحيل ، فيوفر نفسه على نفسه إلا من تعليم يحتسبه ، أو تصنيف يفتقر إليه ، فذلك أشرف العدد للآخرة .
و لتكن همته في تنظيف نفسه ، و تهذيب خلاله ، و المبالغة في إستدراك زلاته ، فإن إختطف في خلال ما ذكرنا ، فنية المؤمن خير من عمله .
و إن بلغ إلى هذه المنازل ، فقد بينا ما يصلح لكل منزل .
و قد قال سفيان الثوري : من بلغ سن رسول الله صلى الله عليه و سلم فاليتخذ لنفسه كفناً ، و قد بلغ جماعة من العلماء سبعاًو سبعين سنة ، منهم أحمد بن حنبل فإنه بلغها فليعلم أنه على شفير القبر ، و أن كل يوم يأتي بعدها مستطرف .
فإن تمت له الثمانون فليجعل همته كلها مصروفة إلى تنظيف خلاله ، و تهيئه زاده ، و ليجعل الإستغفار حليفه ، و الذكر أليفه ، و ليدقق في محاسبة النفس و في بذل العلم ، أو مخالطة الخلق .
فإن قرب الاستعراض للجيش يوجب عليه الحذر من العارض .
و ليبالغ في إبقاء أثره قبل رحيله ، مثل بث علمه ، و إنفاق كتبه ، و شيء من ماله .
و بعد ، فمن تولاه الله عز وجل علمه ، و من أراده ألهمه .
فسأل الله عز وجل أن ينعم علينا بأن يتولانا و لا يتولى عنا إنه قريب مجيب .
· فصل : الانقياد للشرع لا إتباع العادات
رأيت عادات الناس قد غلبت على عملهم بالشرع ، فهم يستوحشون من فعل الشيء لعدم جريان العادة لا لنهي الشرع !
فكم من رجل يوصف بالخير يبيع و يشتري ، فإذا حصلت له القراضة باعها بالصحيح من غير تقليد لإمام ، أو عمل برخصة ، عادة من القوم ، و إستثقالاً للإستفتاء .
و نرى خلقاً يحافظون على صلاة الرغائب و يتوانون عن الفرائض .
و كثيراً من المتصوفين لا يستوحشون من ظلم الناس ، ثم يتصدقون على الفقراء .
و ربما توانو عن إخراج الزكاة . و تكاسلوا بإستعمال التأويلات فيها .
ثم إذا حضر أحدهم مجلس وعظ بكى كأنه يصانع بتلك الحال .
و منهم من يخرج بعض الزكاة مصانعة عما لم يخرجه .
و منهم من يعلم أن أصل ماله حرام ، و يصعب عليه فراقه للعادة .
و فيهم من يخلف بالطلاق و يحنث ، و يرى الفراق صعباً .
فربما تأول ، و ربما تكاسل عن التأويل إتكالاً على عفو الله تعالى ، و وعداً من النفس بالتوبة .
و منهم من يرى أن إستعمال الشرع ربما كان سبباً في تضييق معاشه .
و قد ألف التفسح فلا يسهل عليه فراق ما قد ألف و العادات في الجملة هي المهلكة .
و لقد حضر عندي رجل شيخ ابن ثمانين سنة ، فاشتريت منه دكاناً و عقدت معه العقد .
فلما إفترقنا غدر بعد أيام . فطلبت منه الحضور عند الحاكم فأبى .
فأحضرته فحلف باليمين الغموس إنه ما بعته ، فقلت ما تدور عليه السنة . و أخذ يبرطل لمن يحول بيني و بينه من الظلمة .
فرأيت من العوام من قد غلبت عليه العادات فلا يلتفت معها إلى قول فقيه ، يقول هذا ما قبض الثمن فكيف يصح البيع ؟ و آخر يقول : كيف يجوز لك أن تأخذ دكانه بغير رضاه ؟ و آخر يقول : يجب عليك أن تقيله البيع .
فلما لم أقله أخذ هو و أقاربه يأخذون عرضي ، و رأى أنه يحامي عن ملكه ، ثم سعى بي إلى السلطان سعاية يحرض فيها من الكذب ما أدهشني ، و يبرطل مالاً لخلق من الظلمة ، فبالغوا و سعوا . إلا أن الله تعالى نجاني من شرهم .
ثم إني أقمت عليه البينة عند الحاكم ، فقال بعض أرباب الدنيا للحاكم : لا تحكم له ، فوقف عن الحكم بعد ثبوت البنية عنده ، فرأيت من هذا الحاكم و من حاكم آخر أعلى منه من ترك إنفاذ الحق حفظاً لرياستهم ما هون عندي ما فعله ذلك الشيخ حفظاً لماله ، لجله و علم هؤلاء ، فينحل لي من الأمر أن العادات غلبت على الناس ، و إن الشرع أعرض عنه .
و إن وقعت موافقة للشرع فكما أتفق أو لأجل العادة .
فإن الإنسان لو ضرب بالسياط ما أفطر في رمضان عادة قد إستمرت . و يأخذ أعراض الناس و أموالهم عادة غالبة !! .
فكم قد رأيت هذا الشيخ يصلي و يحافظ على الصلاة . ثم لما خاف فوت غرضه ترك الشرع جانباً .
و كم قد رأيت أولئك الحكام يتعبدون و يطلبون العلم . غير أنهم لما خافوا على رياستهم أن تزول تركوا جانب الدين .
ثم إن الله تعالى نصرني عليه و تقدم إلي الحاكم بإنفاذ ما ثبت عنده ، و دارت السنة فمات الشيخ على قل ، فنسأله عز وجل التوفيق للإنقياد لشرعه و مخالفة أهوائنا .
· فصل : فضل عزلة العالم
ما أعرف للعالم قط لذة و لا عزاً و لا شرفاً و لا راحة و لا سلامة أفضل من العزلة ، فإنه ينال بها سلامة بدنه و دينه و جاهه عند الله عز وجل و عند الخلق ، لأن الخلق يهون عليهم من يخالطهم ، و لا يعظم عندهم قد المخالط لهم ، و لهذا عظم قدر الخلفاء لإحتجابهم .
و إذا رأى العوام أحد العلماء مترخصاً في أمر مباح هان عندهم ، فالواجب عليه صيانه علمه و إقامة قدر العلم عندهم .
فقد قال بعض السلف : كنا نمزح و نضحك ، فإذا صرنا يقتدى بنا فما أراه يسعنا ذلك .
و قال سفيان الثوري : تعلموا هذا العلم و اكظموا عليه ، و لا تخلطوه بهزل فتمجه القلوب .
فمراعاة الناس لا ينبغي أن تنكر .
و قد قال صلى الله عليه و سلم لعائشة : لو لا حدثنا قومك في الكفر لنقضت الكعبة و جعلت لها بابين .
و قال أحمد بن حنبل في الركعتين قبل المغرب : [ رأيت الناس يكرهونهما فتركتهما ] .
و لا تسمع من جاهل يرى مثل هذه الأشياء رياء ، إنما هذه صيانة للعلم .
و بيان هذا أنه لو خرج العالم إلى الناس مكشوف الرأس أو في يده كسرة يأكلها قل عندهم و إن كان مباحاً ، فيصير بمثابة تخليط الطبيب الآمر بالحمية .
فلا ينبغي للعالم أن ينبسط عند العوام حفظاً لهم ، و متى أراد مباحاً فليستتر به عنهم .
و هذا القدر الذي لاحظه أبو عبيدة حين رأى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قد قدم الشام راكباً على حمار و رجلاه من جانب ، فقال : [ يا أمير المؤمنين يتلقاك عظماء الناس ، فما أحسن ما لاحظ ] .
إلا أن عمر رضي الله عنه أراد تأديب أبي عبيدة بحفظ الأصل فقال : [ إن الله أعزكم بالإسلام فمهما طلبتم العزة في غيره أذلكم ] .
و المعنى ينبغي أن يكون طلبكم العز بالدين لا بصور الأفعال ، و إن كانت الصور تلاحظ .
فإن الإنسان يخلو في بيته عرياناً ، فإذا خرج إلى الناس لبس ثوبين و عمامة و رداء .
و مثل هذا لا يكون تصنعاً و لا ينسب إلى كبر .
و قد كان مالك بن أنس يغتسل و يتطيب و يقعد للحديث ، و لا تلتفت يا هذا إلى ما ترى من بذل العلماء على أبواب السلاطين ، فإنه العزلة أصون للعالم و العلم ، و ما يخسره العلماء في ذلك أضعاف ما يربحونه .
و قد كان سيد الفقهاء سعيد بن المسيب لا يغشى الولاة ، و عن قول هذا سكتوا عنه ، و هذا فعل الحازم .
فإن أردت اللذة و الراحة فعليك أيها العالم بقعر بيتك ، و كن معتزلاً عن أهلك يطب لك عيشك ، و إجعل للقاء الأهل وقتاً ، فإذا عرفوه تصنعوا للقائد ، فكانت المعاشرة بذلك أجود .
و ليكن لك مكان في بيتك تخلو فيه ، وتحادث سطور كتبك ، و تجري في حلبات فكرك .
و إحيرس من لقاء الخلق و خصوصاً العوام .
و اجتهد في كسب يعفك عن الطمع ، فهذه نهاية لذة العالم في الدنيا .
و قد قيل لا بن المبارك : ما لك لا تجالسنا ؟ فقال : أنا أذهب فأجالس الصحابة و التابعين و أشار بذلك إلى أنه ينظر في كتبه .
و متى رزق العالم الغنى عن الناس و الخلوة ، فإن كان له فهم يجلب التصانيف فقد تكاملت لذة .
و إن رزق فهماً يرتقي إلى معاملة الحق و مناجاته فقد تعجل دخول الجنة قبل الممات .
نسأل الله عز وجل همة عالية تسمو إلى الكمال ، و توفيقاً لصالح الأعمال ، فالسكون طريق الحق أفراد .
· فصل : حديث ابن الجوزي عن نفسه
تأملت أحوال الناس في حالة علو شأنهم ، فرأيت أكثر الخلق تبين خسارتهم حينئذ .
فمنهم من بالغ في المعاصي من الشباب ، و منهم من فرط إكتساب العلم ، و منهم من أكثر من الإستمتاع باللذات .
فكلهم نادم في حاله الكبر حين فوات الإستدراك لذنوب سلفت أو قوى ضعفت ، أو فضيلة فاتت ، فيمضي زمان الكبر في حسرات .
فإن كانت للشيخ إفاقة من ذنوب قد سلفت قال : و اأسفاً على ما جنيت . و إن لم يكن له إفاقة صار متأسفاً على فوات ما كان يلتذ به .
فإما من أنفق عصر الشباب في العلم فإنه في زمن الشيخوخة يحمد جنى ما غرس ، و يلتذ بتصنيف ما جمع ، و لا يرى ما يفقد من لذات البدن شيئاً بالإضافة إلى ما يناله من لذات العلم .
هذا مع و جود لذاته في الطلب الذي كان يتأمل به إدراك المطلوب .
و ربما كانت تلك الأعمال أطيب مما نيل منها ،كما قال الشاعر :
اهتز عند تمني وصلها طرباً و رب أمنية أحلى من الظفر
و لقد تاملت نفسي بالإضافة إلى عشيرتي الذبين أنفقوا أعمالهم في اكتساب الدنيا ، و أنفقت زمن الصبوة و الشباب في طلب العلم ، فرأيتني لم يفتني مما نالوه إلا ما لو حصل لي ندمت عليه .
ثم تأملت حالي فإذا عيشي في الدنيا أجود من عيشهم ، و جاهي بين الناس أعلى من جاههم. و ما نلته من معرفة العلم لا يقاوم .
فقال لي إبليس : و نسيت تعبك و سهرك ؟
فقلت له :أيها الجاهل ، تقطيع الأيدي لا و قع له عند رؤية يوسف . و ما طالت طريق أدت إلى صديق :
جرى الله المسير إليه خيراً و إن ترك المطايا كالمزاد
و لقدكنت في حلاوة طلبي العلم ألقى من الشدائد ما هو عندي أحلى من العسل لأجل ما أطلب و أرجو .
كنت زمان الصبا آخذ معي أرغفة يابسة فأخرج في طلب الحديث ، و أقعد على نهر عيسى فلا أقدر على أكلها إلا عند الماء .
فكلما أكلت لقمة شربت عليها ، و عين همتي لا ترى إلا لذة تحصيل العلم .
فأثمر ذلك عندي أني عرفت بكثرة سماعي لحديث الرسول صلى الله عليه و سلم و أحواله و آدابه ، و أحوا ل أصحابه و تابعيهم ، فصرت في معرفة طريقه كابن أجود .
و أثمر ذكل عندي من المعاملةما لا يدري بالعلم ، حتى أنني أذكر في زمان الصبوة و وقت الغلمة و العزبة قدرتي علىأشياء كانت النفس تتوق إليها توقان العطشان إلى الماء الزلال ، و لم يمنعني عنها إلا ما أثمر عندي العلم من خوف الله عز وجل .
و لولا خطايا لا يخلو منها البشر ، لقد كنت أخاف على نفسي من العجب .
غير أنه عز وجل صانني ، و علمني ، و أطلعني من أسرار العلم على معرفة ، و إيشار الخلوة به ، حتى إنه لو حضر معي معروف و بشر لرأيتهما زحمة .
ثم عاد فغمسني في التقصير و التفريط حتى رأيت أقل الناس خيراً مني .
و تارة يوقظني لقيام الليل و لذة مناجاتة ، و تارة يحرمني ذلك مع سلامة بدني .
و لولا بشارة العلم بأن هذانوع تهذيب و تأديب لخرجت إما إلى العجب عند العمل ، و إما إلى اليأس عند البطالة .
لكن رجائي في فضله قد عادل خوفي منه .
و قد يغلب الرجاء بقوة أسبابه ، لأني رأيت أنه قد رباني منذ كنت طفلاً فإن أبي مات وأنا لا أعقل ، و الأم لم تلتفت إلي . فركز في طبعي حب العلم .
و ما يوقعني علىالمهم فالمهم ، و يحملني إلى من يحملني على الأصوب ، حتى قوم أمري .
و كم قد قصدني عدو فصده عني . وإذ رأيته قد نصرني و بصرني و دافع عني ، و وهب لي ، قوى رجائي في المستقبل بما قد رأيت في الماضي .
و لقد تاب على يدي في مجالس الذكر أكثر من مائتي ألف . و أسلم على يدي أكثر من مائتي نفس .
و كم سألت عين مختبر بوعظي لم تكن تسيل . و يحق لمن تلمح هذا الإنعام أن يرجو التمام .
و ربما لا حت أسباب الخوف بنظري إلى تقصيري و زللي .
و لقد جلست يوماً فرأيت حولي أكثر من عشرة آلاف ما فيهم إلا من قد رق قلبه ، أو دمعت عينيه . فقلت لنفسي : كيف بك إن نجونا و هلكت : فصحت بلسان وجدي : إلهي و سيدي إن قضيت علي بالعذاب غداً فلا تعلمهم بعذابي ، صيانة لكرمك لا لأجل ، لئلا يقولوا عذب من دل عليه .
إلهي قد قيل لنبيك صلى الله عليه و سلم : إقتل ابن أبي المنافق، فقال : لا يتحدث الناس أن محمد اً يقتل أصحابه .
إلهي فأحفظ حسن عقائدهم في بكرمك أن تعلمهم بعذاب الدليل عليك .
حاشاك و الله يارب من تكدير الصافي .
لا تبر عوداً أنت ريشته حاشا لباني الجود أن ينقضا
لا تعطش الزرع الذي نبته بصوب إنعامك قد روضا
· فصل : إختر ما تميل النفس إليه و لا يرقى لمقام العشق
من الأمور التي تخفي على العاقل أن يرى أنه متى لم تكن عنده إمرأة أوجارية يهواها هوى شديداً أنه لا يلتذ في الدنيا . فإذا صور محبوباً مملوكاً تخايل لذة عظيمة . و إذا كان عنده من لا يميل إليه إعتقدنفسه محروماً .
و هذا أمر شديد الخفاء . فينبغي أن يوضح . و هو أن المملوك مملول .
و متى قدر الإنسان على ما يشتبه مله و مال إلى غيره .
تارة لبيان عيوبه التي تكشفها المخالطة فإنه قد قال الحكماء : العشق يعمي عن عيوب المحبوب .
و تارة لمكان القدر عليه ، و النفس لا تزال تتطلع إلى ما لا تقدر عليه .
ثم لو قدرنا دوام المحبة مع القدر فإنها قد تكون و لكن ناقصة بمقدار القدرة ، و إنما بقوتها تجني المحبوب . فيكون تجنبه كالإمتناع ، او إمتناعه من الموافقة .
فإذا صفا فلا بد من اكدار ، منها الحذر عليه ، و منها قلة ميله إلى هذا العاشق . و ربما يتكلف القرب منه ، و يعلم الإنسان بقلة ميل محبوبه إليه فينغص بل يبغض .
فإن خاف منه خيانة إحتياج إلى حراسة فقويت النغص .
و أصلح المقامات التوسط ، و هو إختيار ما تميل النفس إليه و لا يرتقي إلى مقام العشق ، فإن العاشق في عذاب . و إنما يتخايل الفارغ من العشق إلتذاذ العاشق و ليس كذلك . فإنه كما قيل :
و ما في الأرض أشقى من محب و إن وجد الهوى عذب المذاق
تراه باكياً في كل و قت مخافة فرقة أو لا إشتياق
فيبكي إن نأوا شوقاً إليهم و يبكي إن دنوا خوف الفراق
فتسخن عينه عن التداني و تسخن عينه عند الفراق
· فصل : نية المؤمن ابلغ من عمله
و ما ابتلى الإنسان قط بأعظم من علو همته . فإن من علت همته يختار المعالي .
و ربما لا يساعده الزمان ، وقد تضعف الآلة ، فيبقى في عذاب .
و إني أعطيت من علو الهمة طرفاً فأنا به في عذاب و لا أقول ليته لم يكن فإنه إنما يحلو العيش بقدر عدم العقل ، و العاقل لا يختار زيادة اللذة بنقصان العقل .
و لقد رأيت أقواماً يصفون علو هممهم ، فتأملتها بها في فن واحد . و لا يبالون بالنقص فيما هو اهم ، قال الرضي :
و لكل جسم في النحول بلية و بلاء جسمي من تفاوت همتي
فنظرت فإذا غاية أمله الإمارة .
و كان ابو مسلم الخرساني في حال شبيبته لا يكاد ينام ، فقيل له في ذلك فقال : ذهن صاف ، و هم بعيد ، و نفس تتوق إلى معالي الأمور ، مع عيش كعيش الهمج الرعاع .
قيل : فما الذي يبرد غليلك ؟ قال : الظفر بالملك .
قيل : فاطلبه ، قال لا يطلب إلا بالأهوال .
قيل : فاركب الأهوال . قال : العقل مانع .
قيل : فما تصنع ؟ قال : سأجعل من عقلي جهلاً . و أحاول به خدراً لا ينال إلا بالجهل .
و أدبر بالعقل ما لا يحفظ إلا به . فإن الخمول أخو العدم .
فنظرت إلى حال هذا المسكين فإذا هو قد ضيع أهم المهمات و هو جانب الآخرة ، و انتصب في طلب الولايات . فكم فتك و قتل ؟ حتى نال بعض مراده من لذات الدنيا .
ثم لم يتنعم في ذكل غير ثمان سنين .
ثم اغتيل ، و نسى تدبير العقل ، فقتل و مضى إلى الآخرة على أقبح حال .
و كان المتنبي يقول :
و في الناس من يرضى بميسور عيشه و مركوبه رجلاه و الثوب جلده
و لكن قلباً ـ بين جنبي ـ ماله مدى ينتهي بي في مراد أحده
يرى جسمه يكسي شفوفاً تربه فيختار أن يكسي دروعاً تهده
فتأملت هذا الآخر فإذا نهمته فيما يتعلق بالدنيا فحسب .
و نظرت إلى علو همتي فرأيتها عجباً . و ذلك أنني أروم من العلم ما أتيقن أني لا أصل إليه ، لأني أحب نيل كل العلوم على إختلاف فنونها .
و أريد إستقصاء كل فن ، هذا أمر يعجز العمر عن بعضه .
فإن عرض لي ذو همة في فن بلغ منتهاه رأيته ناقصاً في غيره ، فلا أعد همته تامة .
مثل المحدث فاته الفقه . و الفقيه فاته علم الحديث . فلا أرضى بنقصان من العلوم إلا حادثاً عن نقص الهمة .
ثم أني أروم نهاية العمل بالعلم ، فأتوق إلى ورع بشر ، و زهادة معروف و هذا مع مطالعة التصانيف و إفادة الخلف و معاشرتهم بعيد .
ثم إني أروم الغنى عن الخلق ، و أستشرف الإفضال عليهم و الإشتغال بالعلم مانع من الكسب . و قبول المنن مما تأباه الهمة العالية .
ثم إني أتوق إلى طلب الأولاد ، كما أتوق إلى تحقيق التصاميم ، لبقى الخلفان نائبين عني بعد التلف . و في طلب ذلك ما فيه من شغل القلب المحب للتفرد .
ثم إني أروم الاستمتاع بالمستحسنات ، و في ذلك إمتناع من جهة قلة المال ثم لو حصل فرق جمع الهمة .
و كذلك أطلب لبدني ما يصلحه من المطاعم و المشارب ، فإنه متعود للترفه و اللطف ، و في قلة المال مانع ، و كل ذلك جمع بين أضداد .
فأين أنا و ما و صفته من حال من كانت غاية همته الدنيا ؟ و أنا لا أحب أن يخدش حصول شيء من الدنيا وجه ديني بسبب . و لا أن يؤثر في علمي و لا في عملي .
فواقلقي من طلب قيام الليل ، و تحقيق الورع مع إعادة العلم ، و شغل القلب بالتصانيف ، و تحصيل ما يلائم البدن من المطاعم .
و وا أسفي على ما يفوتني من المناجاة في الخلوة مع ملاقاة الناس و تعليمهم .
و يا كدر الورع مع طلب ما لا بد منه للعائلة .
غير أني قد إستسلمت لتعذيبي و لعل تهذيبي في تعذيبي ، لأن علو الهمة تطلب المعالي المقربة إلى الحق عز وجل .
و ربما كان الحيرة في الطلب دليلاً إلى المقصود ، و ها أنا أحفظ أنفاسي من أن يضيع منها نفس في غير فائدة .
و إن بلغ همي مراده . . . و إلا فنية المؤمن أبلغ من عمله .
· فصل : مغالطة النفس ليتم العيش
لما سطرت هذا الفصل المتقدم ، و رأيت إدكار النفس بما لا بد لها في الطريق منه .
و هو أنه لا بد لها من التلطف ، فإن قاطع مرحلتين في مرحلة خليق بأن يقف . فينبغي أن يقطع الطريق بألطف ممكن .
و إذا تعبت الرواحل نهض الحادي يغنيها ، و أخذ الراحة للجد جد ، و غوص السابح في طلب الدر صعود . و دوام السير يحسر الإبل ، و المفازة صعبة .
و من أراد أن يرى التلطف بالنفس ، فلينظر في سيرة الرسول صلى الله عليه و سلم ، فإنه كان يتلطف بنفسه ، و يمازح ، و يخالط النساء ، و يقبل و يمص اللسان ، و يختار المستحسنات ، و يستعذب له الماء و يختار الماء البارد ، و الوفق من المطاعم ، كلحم الظهر و الذراع و الحلوى ، و هذا كله رفق بالناقة في طريق السير .
فأما من جرد عليها السيوط فإنه يوشك ألا يقطع الطريق .
و قد قال صلى الله عليه و سلم : إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق ، فإن المنبت لا أرضاً قطع ، و لا ظهراً ابقى .
و اعلم أنه ينبغي للعاقل أن يغالط نفسه فيما يكشف العقل عن عوراه ، فإن فكر المتيقظ قبل مباشرة المرأة إلى أنها اعتناق بجسد يحتوي على قذارة ، و قبل بلع اللقمة إلى أنها متقلبة في الريق ، و لو أخرجها الإنسان لفظها .
و لو فكرت في قرب الموت و ما يجري عليه بعده ، لبغض عاجل لذته .
فلا بد من مغالطة تجري لينتفع الإنسان بعيشة كما قال لبيد :
‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‍‍‍‌‌‍‌‌‌‌‌‌‌‌‍‌‌‌‌‌‌‌ فأكذب النفس إذا حدثتها إن صدق النفس يزري بالأمل
و قال البستي :
أفد طبعك المكدود بالهم راحة تجم و علله بشيء من المزح
و لكن إذا أعطيته ذاك فليكن بمقدار ما يعطى الطعام من الملح
و قال أبو علي بن الشبل :
و إذا هممت فناج نفسك بالمنى و عداً ، فخيرات الجنان عدات
و اجعل رجاءك دون بأسك جنة حتى تزول بهمك الأوقات
و اسر عن الجلساء بثك ، إنما جلساؤك الحساد و الشمات
و دع التوقع للحوادث إنه للحى ـ من قبل الممات ـ ممات
فالهم ليس له ثبات مثل ما في أهله ما للسرور ثبات
لولا مغالطة النفوس عقولها لم تصف للمتيقظين حياة
و قال أيضاً :
بحفظ الجسم تبقى النفس فيه بقاء النار تحفظ بالوعاء
فباليأس الممض فلا تمتها و لا تمدد لها طول الرجاء
و عدها في شدائدها رخاء و ذكرها الشدائد في الرخاء
يعد صلاحها هذا و هذا و بالتركيب منفعة الدواء
و قد كان عموم السلف يخضبون الشيب لئلا يرى الإنسان منهم ما يكره .
و إن كان الخضاب لا يعدم النفس علمها بذلك . و لكنه نوع مخادعة للنفس .
و ما زالت النفوس ترى الظاهر . و إنما الفكر و العقل مع الغائب . و لا بد من مغالطة تجري ليتم العيش .
و لو عمل العامل بمقتضى قصر الأمل ، ما كتب العلم و لا صنف .
فافهم هذا الفصل مع الذي تقدمه ، فإن الأول في مقام العزيمة ، و هذا في مكان الرخصة .
و لا بد للتعب من راحة و إعانة ، و الله عز وجل معك على قدر صدق الطلب ، و قوة اللجأ ، و خلع الحول و القوة ، و هو الموفق .
· فصل : بين الإسراف و الإعتدال
قوام الآدمي بشيئين : الحرارة ، و الرطوبة .
و من شأن الحرارة أن تحلل الرطوبة و تفنيها ، فلأدمي محتاج إلى تحصيل خلف المتحلل .
فأبدان النشئ تغتدي بأكثر مما يتحلل منها .
و الأبدان المتناهية تغتذي بمقدار ما يتحلل منها ، و الأبدان التي قد أخذت في الهرم يتحلل منها أكثر مما تغتذي به ، فينبغي للناشئ البالغ أن يتحفظ في النكاح ، لأنه يربي قاعدة قوة يجد أثرها في الكبر .
و أما المتوسط و الواقف فينبغي أن يحذر فضول الجماع ، فإن حصل له مثل ما يخرج منه فأسرف ، فاللازم أخذ من الحاصل ، و يوشك أن يسرع النفاد .
و أما الشيخ فترك النكاح كاللازم له ، خصوصاً إذا زاد علو السن ، لأنه ينفق من الجوهر الذي لا يحصل مثله أبداً .
ثم ينبغي أن ينظر العاقل في ماله فيكتسب أكثر مما ينفق ليكون الفاضل مدخراً لوقت العجز .
و ليحذر السرف ، فإن العدل هو الأصلح .
ثم ينظر الزوجة ، و المطلوب منها شيئان : وجود الولد ، و تدبير المنزل ، فإذا كانت مبذرة فعيب لا يحتمل ، فإن إنضمت صفة العقر ، فلا وجه للإمساك . إلا أن تكون مستحسنة الصورة ، فإن ضم إليها عقل و عفاف ، حسن الإمساك .
و إن كان مما يحتاج أن تحفظ فتركها لازم .
فأما الخدم فليجتهد في تحصيل خادم لا تستعبده الشهوة ، فإن عبد الشهوة له مولى غير سيده .
و لينظر المالك في طبع المملوك ، فمنهم من لا يأتي إلا على الإكرام فليكرمه ، فإنه يربح محبته .
و منهم من لا يأتي إلا على الإهانة فليداره و ليعرض عن الذنوب .
فإن لم يمكن عاتب بلطف ، و ليحذر العقوبة ما أمكن ، و ليجعل للماليك زمن راحة .
و العجب ممن يعنى بدابته و ينسى مداراة جاريته ، و أجود الممالك الصغار و كذلك الزوجات ، لأنهم متعودون خلق المشتري .
و ليحفظ نفسه بالهيبة من الانحراف مع الزوجة ، و لا يطلعها على ماله ، فإنها سفيهة تطلب كثرة الإنفاق . و أما تدبير الأولاد فحفظهم من مخالطة تفسد . و متى كان الصبي ذا أنفة ـ حييا ـ رجي خيره .
و ليحمل على صحبة الأشراف و العلماء ، و ليحذر من مصاحبته الجهال و السفهاء ، فإن الطبع لص .
و ليحذر الصبي من الكذب غاية التحذير ، و من المخالطة للصبيان ، و ليوصه بزيادة البر للوالدين ، و ليحفظ من مخالطة النساء .
فإذا بلغ فليزوج بصبيه فينتفعان . هذه الإشارة إلى تدبير أمور الدنيا .
فأما تدبير العلم فينبغي أن يحمل الصبي من حين يبلغ خمس سنين على التشاغل بالقرآن و الفقه و سماع الحديث .
و ليحصل له المحفوظات أكثر من المسموعات ، لأن زمان الحفظ إلى خمس عشرة سنة ، فإذا بلغ تشتت همته ، فليضرب تارة ، و يرشي أخرى ، ليبلغ و قد حصل محفوظات سنية .
و أول ما ينبغي أن يكلف حفظ القرآن متقناً ، فإنه يثبت و يختلط باللحم و الدم ، ثم مقدمة من النحو يعرف بها اللحن ، ثم الفقه مذهباً و خلافاً ، و ما أمكن بعد هذا من العلوم فحفظه حسن .
و ليحذر من عادات أصحاب الحديث . فإنهم يفنون الزمان في سماع الأجزاء التي تتكرر فيها الأحاديث ، فيذهب العمر و ما حصلوا فهم شيء .
فإذا بالغوا سناً طلبوا جواز فتوى ، أو قراءة جزء من القرآن ، فعادوا القهقرى .
لأنهم يحفظون بعد كبر السن ، فلا يحصل مقصودهم ، فالحفظ في الصبا للمهم من العلم ، أصل عظيم .
و قد رأينا كثيراً ممن تشاغل بالمسموعات و كتابة الأجزاء و رأى الحفظ صعباً ، فمال إلى الأسهل فمضى عمره في ذلك .
فلما احتاج إلى نفسه ، قعد يتحفظ على كبر ، فلم يحصل مقصوده .
فاليقظة لفهم ما ذكرت ، و انظر في الإخلاص ، فما ينفع شيء دونه .
· فصل : النظر في العاقبة
اشتد الغلاء ببغداد في أول سنة خمس و سبعين ، و كلما جاء الشعير زاد السعر .
فتواقع الناس على إشتراء الطعام ، فاغتبط من يستعد كل سنة يزرع ما يقوته ، و فرح من بادر في أول نيسان إلى إشتراء الطعام فإنه يضاعف ثمنه .
و أخرج الفقراء ما في بيوتهم فرموه في سوق الهوان . و بان ذل نفوس كانت عزيزة .
فقلت : يا نفس خذي من هذه الحال إشارة ، ليغبطن من له عمل صالح وقت الحاجة إليه ، و ليفرحن من له جواب عند إقبال المسألة .
و كل الويل على المفرط الذي لا ينظر في عاقبته ، فتنبهى .
فقد نبهت ناسياً الدنيا على أمر الآخرة .
و بادري موسم الزرع ما دامت الروح في البدن . فالزمان كله تشرين قبل أن يدخل نيسان الحصاد .
و مالك زرع ، و حاجة المفتقرين إلى أموالهم تمنعهم من الإيثار .
· فصل : الخوف من الله
تأملت حالة أزعجتني ، و هو أن الرجل قد يفعل مع إمرأته كل جميل و هي لا تحبه ، و كذا يفعل مع صديقه و الصديق يبغضه ، و قد يتقرب إلى السلطان بكل ما يقدر عليه و السلطان لا يؤثره ، فيبقى متحيراً يقول : ما حيلتي ؟
فخفت أن تكون هذه حالتي مع الخالق سبحانه ، أتقرب إليه و هو لا يريدني . و ربما يكون قد كتبني شقياً في الأزل .
و من هذا خاف الحسن فقال : أخاف أن يكون إطلع على بعض ذنوبي فقال : لا غفرت لك .
فليس إلا القلق و الخوف لعل سفينة الرجاء تسلم ـ يوم دخولها الشاطئ ـ من جرف .
· فصل : شبهة في عدد الأحاديث و الرد عليها
جرى بيني و بين أحد أصحاب الحديث كلام في قول الإمام أحمد : صح من الحديث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ، سبع مائة ألف حديث .
فقلت له : إنما يعني به الطرق ، فقال : لا ، بل المتون ، فقلت : هذا بعيد التصور . ثم رأيت لأبي عبد الله الحاكم كلاماً ينصر ما قال ذلك الشخص ، و هو أنه قال في كتاب المدخل إلى كتاب الإكليل : كيف يجوز أن يقال : إن حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم لا يبلغ عشرة آلاف حديث ، و قد روى عنه من أصحابه أربعة آلاف رجل و امرأة ، صحبوه نيفاً و عشرين سنة بمكة ثم بالمدينة ، حفظوا أقواله و أفعاله ، و نومه و يقظته و حركاته و غير ذلك ، سوى ما حفظوا من أحكام الشريعة .
و احتج بقول أحمد : صح من الحديث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم سبع مائة ألف حديث و كسر ، و أن إسحاق بن راهوية كان يملي سبعين ألف حديث حفظاً ، و أن أبا العباس بن عقدة قال : أحفظ لأهل البيت ثلاث مائة ألف حديث .
قال ابن عقدة : و ظهر لابن كريب بالكوفة ثلاثمائة ألف حديث .
قلت : و لا يحسن أن يشار بهذا إلى المتون و قد عجبت كيف خفى هذا على الحاكم و هو يعلم أن أجمع المسانيد الظاهرة مسند أحمد بن حنبل ، و قد طاف الدنيا مرتين حتى حصله و هو أربعون ألف حديث ، منها عشرة آلاف مكررة .
قال حنبل بن إسحاق : جمعنا أحمد بن حنبل أنا و صالح و عبد الله ، و قرأ علينا المسند ، و قال لنا : هذا كتاب جمعته من أكثر من سبع مائة ألف و خمسين ألفاً .
فما إختلف المسلمون فيه من حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم فارجعوا إليه ، فإن وجدتموه و إلا فليس بحجة .
أفترى يخفى على متيقظ أنه أراد بكونه جمعه من سبعمائة ألف أنه أراد الطرق . لأن السبع مائة الألف ، إن كانت من كلام رسول الله صلى الله عليه و سلم فكيف أهملها ؟
فإن قيل : فقد أخرج في مسنده أشياء ضعيفة . ثم أعوذ بالله أن يكون سبع مائة ألف ما تحقق منها سوى ثلاثين ألفاً .
و كيف ضاعت هذه الجملة ؟ و لم أهملت و قد وصلت كلها إلى زمن أحمد فانتقى منها و رمى الباقي ؟
و أصحاب الحديث قد كتبوا كل شيء من الموضوع و الكذب .
و كذلك قال أبو داود : كتاب السنن من ستمائة ألف حديث . و لا يحسن أن يقال : إن الصحابة الذين رووها ماتوا و لم يحدثوا بها التابعين .
فإن الأمر قد وصل إلى أحمد فأحصى سبع مائة ألف حديث ، و ما كان الأمر ليذهب هكذا عاجلاً .
و معلوم أنه لو جمع الصحيح و المحال الموضوع و كل منقول عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ، ما بلغ خمسين ألفاً ، فأين الباقي ؟
و لا يجوز أن يقال تلك الأحاديث كلام التابعين ، فإن الفقهاء نقلوا مذاهب القوم و دونوها و أخذوا بها ، و لا وجه لتركها .
ففهم كل ذي لب أن الإشارة إلى الطرق ، و إن ما توهمه الحاكم فاسد . و لو عرض هذا الإعتراض عليه ، و قيل له : الباقي ؟ لم يكن له جواب .
لكن الفهم عزيز . و الله المنعم بالتوفيق .
و مثل هذا تغفيل قوم قالوا : إن البخاري لم يخرج كل ما صح عنده ، و أن ما أخرج كالأنموذج ، و إلا فكان يطول .
و قد ذهب إلى نحو هذا أبو بكر الإسماعيلي . و حكى عن البخاري أنه قال : ما تركت من الصحيح ، أكثر .
و إنما يعني الطرق ، يدل على ما قلته ، أن الدار قطني ـ و هو سيد الحفاظ ـ جمع ما يلزم البخاري و مسلم إخراجه فبلغ ما لم يذكراه أحاديث يسيرة ، و لو كان كما قالوا ، لأخرج مجلدات .
ثم قوله : [ ما يلزم البخاري ] دليل صريح على ما قلته ، لأنه من أخرج الأنموذج ، لا يلزمه شيء .
و كذلك أخرج أبو عبد الله الحاكم كتاباً ، جمع فيه ما يلزم البخاري ، فذكر حديث الطائر ، فلم يلتفت الحفاظ إلى ما قال .
فما أقل فهم هؤلاء الذين شغلهم نقل الحديث عن التدقيق الذي لا يلزم في صحة الحديث . و إنما وقع لقلة الفقه و الفهم .
إن البخاري و مسلم ، تركا أحاديث أقوام ثقات ، لأنهم خولفوا في الحديث ، فنقص الأكثرون من الحديث و زادوا .
و لو كان ثم فقه ، لعلموا أن الزيادة من الثقة مقبولة . و تركوا أحاديث أقوام ، لأنهم افردوا بالرواية عن شخص . و معلوم أن إنفراد الثقة لا عيب فيه ، و تركوا من ذلك الغرائب ، و كل ذلك سوء فهم .
و لهذا لم يلتزم الفقهاء هذا ، و قالوا : الزيادة من الثقة مقبولة و لا يقبل القدح حتى يبين سببه .
و كل من يخالط الفقهاء و جهد مع المحدثين ، تأذى و ساء فهمه . فالحمد لله الذي أنعم علينا بالحالتين .
· فصل : في الفرق بين اللغة و النحو
اعلم أن الله عز وجل وضع في النفوس أشياء لا تحتاج إلى دليل . فالنفوس تعلمها ضرورة ، و أكثر الخلق لا يحسنون التعبير عنها .
فإنه وضع في النفس أن المصنوع لا بد له من صانع ، و أن المبنى لا بد له من بان ، و أن الاثنين أكثر من الواحد ، و أن الجسم الواحد لا يكون في مكانين في حالة واحدة . و مثل هذه الأشياء لا تحتاج إلى دليل .
و ألهم العرب النطق بالصواب من غير لحن ، فهم يفرقون بين المرفوع و المنصوب بأمارات في جبلتهم ، و إن عجزوا عن النطق بالعلة .
قال عثمان بن جني : سألت يوماً أبا عبد الله محمد بن عساف العقيلي فقلت له : كيف تقول ضربت أخوك ؟ فقال : أقول ضربت أخاك .
فأدرته على الرفع فأبى و قال لا أقول أخوك أبداً .
قال فكيف تقول ضربني أخوك ؟ فرفع ، فقلت : أليس زعمت أنك لا تقول أخوك أبداً ؟ فقال : إيش هذا ، اختلفت جهتها في الكلام .
و هذا أدل شيء على تأملهم مواقع الكلام ، و إعطائهم إياه في كل موضوع حقه ، و إنه ليس إسترسالاً و لا ترخيماً .
قال عثمان : و اللغة هي أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم ، و النحو انتحاء سمت كلام العرب في تصرفه من إعراب و غيره ، كالتثنية و الجمع و التحقير و التكسير و غير ذلك ، ليلحق من ليس من أهل اللغة أهلها .
· فصل : تعجيل اللذة يفوت الفضائل
تدبرت أحوال الأخيار و الأشرار فرأيت سبب صلاح الأخيار النظر ، و سبب فساد الأشرار ، إهمال النظر .
و ذاك أن العاقل ينظر فيعلم أنه لا بد من صانع ، و أن طاعته لازمة ، و يتأمل معجزات رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فيسلم قياده إلى الشرع .
ثم ينظر فيما يقربه إليه ، و يزلفه إليه .
فإذا شق عليه إعادة العلم ، تأمل ثمرته ، فسهل ذلك ، و إذا صعب عليه قيام الليل ، فكذلك .
و إذا رأى مشتهى ، تأمل عاقبته ، فعلم أن اللذة تفنى ، و العار و الإثم يبقيان ، فيسهل الترك .
و إذا إشتهى الإنتقام ممن يؤذيه ، و ذكر ثواب الصبر ، و ندم الغضبان على أفعاله في حال الغضب .
ثم لا يزال يتأمل سرعة ممر العمر فيغتنمه بتحصيل أفضل الفضائل فينال مناه .
و أما الغافل ، فإنه لا يرى إلا الشيء الحاضر .
فمنهم من لم يتأمل في معنى المصنوع و إثبات الصانع ، فجحدوا و تركوا النظر ، و جحدوا الرسل و ما جاءوا و نظروا إلى العاجل ، و لم يتفكروا في مبدئه و منتهاه .
فليس عندهم من عرفان المطعم إلا الأكل .
و لو تأملوا كيف أنشئ ؟ و لماذا جعل حافظاً للأبدان ؟ لعرفوا حقائق الأمور .
و كذلك كل شهوة تعرض لا ينظرون في عاقبتها ، بل في عاجل لذتها . و كم قد جنت عليهم من وقوع حد ، و قطع يد و فضيحة .
فتعجيل اللذة يفوت الفضائل ، و يحصل الرذائل .
و سببه ، عدم النظر في العواقب ، و هذا شغل لعقل ، و ذاك المذموم ، شغل الهوى .
نسأل الله عز وجل ، يقظة ترينا العواقب ، و تكشف لنا الفضائل و المعائب إنه قادر على ذلك .
· فصل : الهمة تطلب الغايات
خلقت لي همة عالية تطلب الغايات .
فقلت السن و ما بلغت ما أملت ، فأخذت أسأل تطويل العمر و تقوية البدن ، و بلوغ الأمال .
فأنكرت علي العادات و قالت : ما جرت عادة بما تطلب .
فقلت إنما أطلب من قادر يخرق العادات .
و قد قيل لرجل : لنا حويجة ، فقال : اطلبوا لها رجيلاً .
و قيل لآخر : جئناك في حاجة لا ترزؤك ، فقال : هلا طلبتم لها سفاسف الناس ؟
فإذا كان أهل الأنفة من أرباب الدنيا يقولون هذا ، فلم لا نطمع في فضل كريم قادر ؟
و قد سألته هذا السؤال في ربيع الآخر ، من سنة خمس و سبعين ، فإن مد لي أجل ، و بلغت ما أملته ، نقلت هذا الفصل إلى ما بعد و بيضته ، و أخبرت ببلوغ آمالي .
و إن لم يتفق ذلك ، فسيدي أعلم بالمصالح ، فإنه لا يمنع بخلاً ، و لا حول إلا به .
· فصل : تزينوا للحق لا للخلق
ما أقل من يعمل لله تعالى خالصاً ، لأن أكثر الناس يحبون ظهور عباداتهم و سفيان الثوري كان يقول : [ لا أعتد بما ظهر من عملي ] . و كانوا يسترون أنفسهم .
و اليوم ثياب القوم تشهرهم ، و قد كان أيوب السختياني يطول قميصه ، حتى يقع على قدميه ، و يقول : كانت الشهرة في التطويل ، و اليوم الشهرة في التقصير .
فاعلم أن ترك النظر إلى الخلق و محو الجاه من قلوبهم بالعمل و إخلاص القصد و ستر الحال ، هو الذي رفع من رفع .
فقد كان أحمد بن حنبل يمشي حافياً في وقت و يحمل نعليه في يديه و يخرج للقاط ، و بشر يمشي حافياً على الدوام وحده ، و معروف يلتقط النوى .
و اليوم صارت الرياسات أكثر من كل جانب ، و ما تتمكن الرياسات حتى تتمكن من القلب الغفلة ، و رؤية الخلق ، و نسيان الحق ، فحينئذ تطلب الرياسة على أهل الدنيا .
و لقد رأيت من الناس عجباً ، حتى من يتزين بالعلم ، إن رآني أمشي وحدي أنكر علي ، و إن رآني أزور فقيراً عظم ذلك ، و إن رآني أنبسط بتبسم ، نقصت من عينه .
فقلت : فواعجباً ، هذه كانت طريق الرسول صلى الله عليه و سلم و أصحابه رضي الله عنهم .
فصارت أحوال الخلق ، نواميس لإقامة الجاه .
لا جرم ـ و الله ـ سقطتم من عين الحق ، فأسقطكم من عين الخلق .
فكم ممن يتعب في تربية ناموس ، و لا يلتفت إليه و لا يحظى بمراده ، و يفوته المراد الأكبر .
فالتفتوا ـ إخواني ـ إلى إصلاح النيات ، و ترك التزين للخلق . و لتكن عمدتكم الإستقامة مع الحق ، فبذلك صعد السلف و سعدوا .
و إياكم و ما الناس عليه اليوم ، فإنه بالإضافة إلى يقظة السلف ، نوم .
· فصل : إن الهدي هدي الله
و الله ما ينفع تأديب الوالد إذا لم يسبق إختيار الخالق لذلك الولد ، فإنه سبحانه إذا أراد شخصاً ، رباه طفولته ، و هذاه إلى الصواب ، و دله على الرشاد ، و حبب إليه ما يصلح ، و صحبه من يصلح ، و بغض إليه ضد ذلك ، و قبح عنده سفساف الأمور ، و عصمه من القبائح ، و أخذ بيده كلما عثر .
و إذا أبغض شخصاً ، تركه دائم التعثير ، متخبطاً في كل حال ، و لم يخلق له همة لطلب المعالي ، و شغله بالرذائل عن الفضائل .
و إن قال : لم خصصت بهذا ؟
قال الخطاب الذي لا يحاب : فبما كسبت أيديكم .
· فصل : نفس الإنسان أكبر الأدلة على وجود الخالق
من أكبر الدليل على وجود الخالق سبحانه هذه النفس الناطقة المميزة المحركة للبدن على مقتضى إرادتها التي دبرت مصالحها ، و ترقت إلى معرفة الأفلاك ، و اكتسبت ما أمكن تحصيله من العلوم ، و شاهدت الصانع في المصنوع ، فلم يحجبها ستر ، و إن تكاثف ، و لا يعرف مع هذا ، ماهيتها و لا كيفيتها ، و لا جوهرها و لا محلها .
و لا يفهم من أين جاءت ، و لا يدري أين تذهب ، و لا كيف تعلقت بهذا الجسد ؟
و هذا كله يوجب عليها أن لها مدبراً و خالقاً ، و كفى بذلك دليلاً عليه . إذ لو كانت وجدت بها لما خفيت أحوالها عليها . فسبحانه سبحانه . 
 
*فصل : من لم يتشاغل بالعلم كيف يبلغ الشريعة للخلق ؟
سبحان من من على الخلق بالعلماء الفقهاء الذي فهموا مقصود الأمر و مراد الشارع ، فهم حفظة الشريعة ، فأحسن الله جزاءهم  وإن الشيطان ليتجافاهم خوفاً منهم ، فأنهم يقدرون على آذاه و هو لا يقدر على أذاهم .
و لقد تلاعب بأهل الجهل و القليلي الفهم .
و كان من أعجب تلاعبه ، أن حسن لأقوام ترك العلم ، ثم لم يقنعوا بهذا حتى قدحوا في المتشاغلين به .
و هذا ـ لو فهموه ـ قدح في الشريعة ، فأن رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : بلغوا عني ، و قد قال له ربه عز وجل : بلغ .
فإذا لم يتشاغل بالعلم ، فكيف يبلغ الشريعة إلى الخلق ؟
و لقد نقل مثل هذا عن كبار الزهاد ، كبشر الحافي ، فإنه قال لعباس بن عبد العظيم : [ لا تجالس أصحاب الحديث ] .
و قال لإسحاق بن الضيف : [ إنك صاحب حديث ، فأحب ألا تعود إلي ] .
ثم إعتذر فقال : [ إنما الحديث فتنة ، إلا لمن أراد الله به ، و إذا لم يعمل به فتركه أفضل ] ، و هذا عجب منه .
من أين له أن طلابه لا يريدون الله به ، و أنهم لا يعملون به ؟
أو ليس العمل به على ضربين : عمل بما يجب ، و ذلك لا يسع أحداً تركه .
و الثاني : نافلة و لا يلزم .
و التشاغل بالحديث ، أفضل من التنفل بالصوم و الصلاة .
و ما أظنه أراد إلا طريقة في دوام الجوع و التهجد ، و ذلك شيء لا يلام تاركه .
فإن كان يريد ألا يوغل في علوم الحديث ، فهذا خطأ ، لأن جميع أقسامه محمودة .
أفترى لو ترك الناس طلب الحديث كان بشر يفتي ؟
فالله الله في الإلتفات إلى قول من ليس بفقيه ، و لا يهولنك تعظيم إسمه فالله يعفو عنه .
· فصل : إلتماس رضى الله و إن سخط الناس
العاقل من يحفظ جانب الله عز وجل ، و إن غضب الخلق .
و كل من يحفظ جانب المخلوقين ، و يضيع حق الخالق ، يقلب الله قلب الذي قصد أن يرضيه فيسخطه عليه .
قال المأمون لبعض أصحابه : [ لا تعص الله بطاعتي فيسلطني عليك ] .
و لما بلغ طاهر بن الحسين فيما فعل بالأمين و فتك به ، وصلب رأسه و إن كان ذلك عن إرادة المأمون ، و لكن بقى أثر في قلبه ، فكان المأمون لا يقدر أن يراه .
و لقد دخل عليه يوماً فبكى المأمون ، فقال له طاهر : لم تبكي لا أبكى الله عينك ، فلقد دانت لك البلاد ؟
فقال : أبكي لأمر ذكره ذل ، و سره حزن ، و لن يخلو أحد من شجن .فلما خرج طاهر أنفذ إلى حسين الخادم مائتي ألف درهم ، و سأله أن يسأل المأمون لم بكى ؟ فلما تغذى المأمون قال : يا حسين إسقني .قال لا و الله لا أسقيك حتى تقول لم بكيت حين دخل عليك طاهر ؟
قال : يا حسين و كيف عنيت بهذا حتى سألت عنه ؟ قال : لغمي بذلك .قال : يا حسين أمر إن خرج من رأسك قتلك .
قال : يا سيدي و متى أخرجت لك سراً ؟
قال : إني ذكرت أخي محمداً و ما ناله من الذلة ، فخنقني العبرة ، فاسترحت إلى إفاضتها و لن يفوت طاهراً مني ما يكره .
فأخبر حسين طاهراً بذلك ، فركب طاهر إلى أحمد بن أبي خالد .
فقال له إن المعروف عندي ليس بضائع ، فغيبني عن عينه . قال : سأفعل .فدخل على المأمون فقال : ما بت البارحة . قال : و لم ؟ قال : لأنك وليت غسان بن عباد خراسان . و هو و من معه أكلة رأس ، فأخاف أن يخرج خارج من الترك فيصطلمه .
قال : فمن ترى ؟ قال : طاهر بن الحسين . فعقد له فمضى ، فبقي مدة ثم قطع الدعاء للمأمون على المنبر يوم الجمعة .
فقال له صاحب البريد : ما دعوت لأمير المؤمنين . قال : سهو فلا تكتب .ففعل ذلك في الجمعة الثانية و الثالثة . فقال له : لا بد أن أكتب لئلا يكتب التجار و يسبقوني . قال : أكتب . فكتب .
فدعا المأمون أحمد بن أبي خالد و قال : إنه لم يذهب على إحتيالك في أمر طاهر ، و أنا أعطي الله عهداً إن لم تشخص حتى توافيني به كما أخرجته من قبضتي لتذمن عقباك .
فشخص و جعل يتلوم في الطريق و يعتل بالمرض ، فوصل إلى الري و قد بلغته وفاة طاهر .قلت : و لما خرج الراشد من بغداد و أرادوا تولية المقتفى ، شهد جماعة من الشهود بأن الراشد لا يصلح للخلافة ، فنزعوه ، و ولى المقتفي .فبلغني أنه ذكر للمقتفي بعض الشهود فذمه ، و قال : كان فيمن أعان على أبي جعفر .
و على ضد هذا ، كل من يراعي جانب الحق و الصواب ، يرضى عنه من سخط عليه .ولقد حدثني الوزير ابن هبيرة أن المستنجد بالله كتب إليه كتاباً و هو يومئذ ولي عهد ، و أراد أن يستره من أبيه قال فقلت للواصل به : و الله ما يمكنني أقرؤه و لا أجيب عنه . فلما ولي الخلافة دخلت عليه فقلت : أكبر دليل على صدقي و إخلاصي أني ما حابيتك في أبيك . فقال : صدقت أنت الوزير .
و حدثني بعض الأصدقاء أن قوماً ألحقوا إلى المخزن بعض دين لهم ليستخلص ، فقال المسترشد لصاحب المخزن : خلصه لهم ، و خذ ما ضمنوا لنا .فأحضر ابن الرطبي و عرض الأمر عليه ، فقال : هذا أمر بظلم ، و ما أحكم فيه .
فقال : إن السلطان قد تقدم ، قال : ما أفعل .
فأحضر قاضياً آخر ، فبت الحكم ، فأخبر الخليفة بالحال .
فقال : أما ابن الرطبي فيشكر على ما قال . و أما الآخر فيعزل و ذلك لأنه بان له أن الحق ما قاله ابن الرطبى .
و كذلك ما طلبه السلطان من أن يلقب ملك الملوك ، فاستفتى الفقهاء فأجازوا ذلك ، و امتنع من إجازته الماوردي ، فعظم قدره عند السلطان .
و مثل هذا ـ إذا تتبع ـ كثير .فينبغي أن يحسن القصد لطاعة الخالق ، و إن سخط المخلوق ، فإنه يعود صاغراً . ولا يسخط الخالق ، فيفوت الحظان جميعاً .
· فصل : الحذر واجب
ينبغي للعاقل أن ينظر إلى الأصول فيمن يخالطه و يعاشره و يشاركه و يصادقه و يزوجه أو يتزوج إليه .
ثم ينظر بعد ذلك في الصور ، فإن صلاحها دليل على صلاح الباطن .
أما الأصول فإن الشيء يرجع إلى أصله ، و بعيد ممن لا أصل له أن يكون فيه معنى مستحسن .
إن المرأة الحسناء إذا كانت من بيت رديء فقل إن تكون صينة ، و كذلك أيضاً المخالط و الصديق و المباضع و المعاشر .
فإياك أن تخالط إلا من له أصل يخاف عليه الدنس ، فالغالب معه السلامة و إن وقع غير ذلك كان نادراً .
و قد قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لرجل : أشر علي فيمن أستعمل .فقال : أما أرباب الدين فلا يريدونك أي لا يسألونك الرياسة ، و أما أرباب الدنيا فلا تردهم ، و لكن عليك بالأشراف ، فإنهم يصونون شرفهم عما لا يصلح .
و قد روى أبو بكر الصول ي قال : حدثني الحسين بن يحي عن إسحاق قال ، دعاني المعتصم يوماً فأدخلني معه الحمام ، ثم خرج فخلا بي و قال : يا أبا إسحاق في نفسي شيء أريد أن أسألك عنه .
إن أخي المأمون اصطنع قوماً فأنجبوا ، و اصطفيت أنا مثلهم فلم ينجبوا .
قلت و من هم ؟ قال : اصطنع طاهراً و ابنه إسحاق و آل سهل فقد رأيت كيف هم .
و اصطنعت أنا الافشين فقد رأيت إلى ما آل أمره . و أسناش فلم أجده شيئاً ، و كذلك إيتاح و وصيف .
قلت : يا أمير المؤمنين ، ههنا جواب ، على أمان من الغضب .
قال : لك ذاك . قلت : نظر أخوك إلى الأصول فاستعملها فأنجبت فروعها ، و استعملت فروعاً لا أصول لها فلم تنجب .
فقال : يا أبا إسحاق مقاساة ما مر بي طول هذه المدة أهون علي من هذا الجواب .
أما الصور ، فإنه متى صحت البينة و لم يكن فيها عيب فالغالب صحة الباطن و حسن الخلق ، و متى كان فيها عيب فالعيب في الباطن أيضاً .
فاحذر من به عاهة كالأقرع و الأعمى و غير ذلك ، فإن بواطنهم في الغالب ردية .
ثم مع معرفة أصول المخالط ، و كمال صورته لا بد من التجربة قبل المخالطة و استعمال الحذر لازم ، و إن كان كما ينبغي .
· فصل : ملاطفة الأعداء حتى التمكن منهم
ينبغي أن يكون شغل العاقل النظر في العواقب و التحرز مما يمكن أن يكون .
و من الغلط النظر في الحالة الحاضرة الموافقة لمعاشه و لصحة بدنه ، و ربما لا يجري له مصحوبة فينبغي أن يعمل على انقطاع ذلك ، فيكون مستعداً لتغير الأحوال .
كذلك النظر في لذة تفنى و تبقى تبعتها و عارها ، و إيثار الكسل و الدعة لما يجيء بعدهما من بقاء الجهل .
و كذلك تحصيل المرادات التي لا تحصل إلا بالتلطف في الاحتيال ، خصوصاً إذا أريد من ذكي فإنه يفطن بأقل تلويح .
فمن أراد غلبة الذكي دقق النظر و تلطف في الاحتيال .
و قد ذكر في كتب الحيل ما يشحذ الخواطر ، و أتينا بجملة منه في كتاب الأذكياء .
مثلما روي أن رجلاً من الأشراف كان لا يقوم لأحد و لا يخشى أحداً ، فجاز عليه بعض الوزراء و حي فلم يرد و لم يقم .
فقال ذاك الوزير لرجل : أخبر فلاناً أني قد كلمت أمير المؤمنين في حقه ، و قد أمر له بمائة ألف ، فليحضر ليقبضها ، فأخبره ذلك الرجل .
فقال الشريف : إن كان أمر لي بشيء فلينفذه لي ، و إنما مقصوده أن يضع مني بالتردد عليه .
فمتى وقع الإنسان مع ذكي فينبغي أن يتحرز منه ، [ كما ينظر صاحب الرقعة النقلات ] .
و كثير من الأذكياء لم يقدروا على أغراضهم من ذكي فاعطوه و بالغوا في إكرامه ليصيدوه ، فإن كان قليل الفطنة وقع في الشرك ، و إن كان أقوى منهم ذكاء علم أن تحت هذه النية خبيئاً فزاده ذلك احترازاً .
و أقوى ما ينبغي أن يكون الاحتراز من موتور ، فإنك إذا آذيت شخصاً فقد غرست في قلبه عداوة ، فلا تأمن تفريع تلك الشجرة ، و لا تلتفت إلى ما يظهر من ود و إن حلف ، فإن قاربته فكن مكنه على حذر .
و من التغفل أن تعاقب شخصاً أو تسيء إليه إساءة عظيمة و تعلم أن مثل ذلك يجدد الحقد ، فتراه ذليلاً لك طائعاً تائباً مقلعاً عما فعل ، فتعود فتستطيبه و تنسى ما فعلت و تظن أنه قد انمحى من قلبه ما أسلفت .
فربما عمل لك المحن ، و نصب لك المكايد ، كما جرى لقصير مع الزباء ، و أخباره معروفة .
فإياك أن تساكن من آذيته ، بل إن كان و لا بد فمن خارج ، فما تؤمن الأحقاد .
و متى رأيت عدوك فيه غفلة لا يثنيه مثل هذا فأحسن إليه ، فإنه ينسى عداوتك و لا يظن أنك قد أضمرت له جزاء على قبح فعله ، فحينئذ تقدر على بلوغ كل غرض منه .
و من الخور إظهار العداوة للعدو .... و من أحسن التدبير التلطف باللأعداء إلى أن يمكن كسر شوكتهم ... و لو لم يمكن ذاك كان اللطف سبباً في كف أكفهم عن الأذى ، و فيهم من يستحي لحسن فعلك فيتغير قلبه لك .
و قد كان جماعة من السلف إذا بلغهم أن رجلاً قد شتمهم أهدوا إليه و أعطوه ، فهم بالعاجل يكفوه شره ، و يحتالون في تقليب قلبه ، و يقع ذلك لهم مهلة لتدبير الحيل عليه إن أرادوا .
و كفى بالذهن الناظر إلى العواقب و التأمل لكل ممكن مؤدباً .
· فصل : استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان
رأيت أكثر الناس لا يتمالكون من إفشاء سرهم ، فإذا ظهر عاتبوا من أخبروا به .
فواعجباً كيف ضاقوا بحبسه ذرعاً ثم لاموا من أفشاه .
و في الحديث : استعينوا على قضاء أموركم بالكتمان .
و لعمري إن النفس يصعب عليها كتم الشيء ، و ترى بإفشائه راحة ، خصوصاً إذا كان مرضاً أو هماً أو عشقاً .
و هذه الأشياء في إفشائها قريبة . إنما اللازم كتمانه احتيال المحتال فيما يريد أن يحصل به غرضاً .
فإن من سوء التدبير إفشاء ذلك قبل تمامه ، فإنه إذ ظهر بطل ما يراد أن يفعل ، و لا عذر لمن أفشى هذا النوع .
و قد كان النبي صلى الله عليه و سلم إذا أراد سفراً ورى بغيره .
فإن قال قائل : إنما أحدث من أثق به .
قيل له : و كل حديث جاوز الاثنين شائع ، و ربما لك يكتم صديقك وكم قد سمعنا من يحدث عن الملوك بالقبض على صاحب فنم الحديث إلى الصاحب و هرب ففات السلطان مراده .
وإنما الرجل الحازم الذي لا يتعداه سره و لا يفشيه إلى أحد .
و من العجز إفشاء السر إلى الولد و الزوجة .
و المال من جملة السر . فاطلاعهم عليه ، إن كان كثيراً فربما تمنوا هلاك الموروث .
و إن كان قليلاً تبرموا بوجوده .
و ربما طلبوا من الكثير على مقدار كثرته فأتلفته النفقات .
و ستر المصائب من جملة كتمان السر ، لأن إظهارها يسر الشامت و يؤلم المحب .
و كذلك ينبغي أن يكتم مقدار السن ، لأنه إن كان كبيراً استهرموه ، و إن كان صغيراً احتقروه .
و مما قد انهال فيه كثير من المفرطين أنهم يذكرون بين أصدقائهم أميراً أو سلطاناً فيقولون فيه فيبلغ ذلك إليه فيكون سبب الهلاك .
و ربما رأى الرجل من صديقه إخلاصاً وافياً فأشاع سره و قد قيل : إحذر عدوك مرة و احذر صديقك ألف مرة
فلربما انقلب الصديق فكان أدرى بالمضرة
و رب مفش سره إلى زوجة أو صديق فيصير بذلك رهيناً عنده و لا يتجاسر أن يطلق الزوجة ، و لا أن يهجر الصديق ، مخافة أن يظهر سره القبيح .
فالحازم من عامل الناس بالظاهر ، فلا يضيق صدره بسره فإن فارقته امرأة أو صديق أو خادم لم يقدر أحد منهم أن يقول ما يكره .ومن أعظم الأسرار الخلوات ، فليحذر الحازم فيها من الإنبساط بمرأى من مخلوق . و من خلق له عقل ثاقب دله على الصواب قبل الوصايا .
· فصل : في طريق الاستذكار

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق