الثلاثاء، 16 سبتمبر، 2014

من37. مجلس التوبة الي43.صفات العابدين


.الفصل السابع والثلاثون: مجلس التوبة:
مجلس الذكر مأتم الأحزان، هذا يبكي لذنوبه، وهذا يندب لعيوبه، وهذا على فوت مطلوبه، وهذا الإعراض محبوبه.
يَتَشاكى الواجِدونَ جَوىَّ ** واحِِداً وَالوَجدُ أَلوانُ

أتدرونن هذا التائب لم أنّ؟ وهذا الحزن كيف حنَّ؟ن ذكر عهدا كان قد صفا ثم تكدر، فأنزعج لحال حال وتغير.
مَنازِلٌ كُنتُ تَهواها وَتَألَفَها ** أًيامَ أَنتَ عَلى الأيامِ مَنصورُ

من سمع نوح الحمام ظن أنه لحسن صوته غنى بل لما ذكر من ماضي العيش.
وَإِذا الغَريبُ صَبا إِلى أَوطانِهِ ** شَوقاً فَمعناهُ إِلى أَحبابِهِ

إنما يبكي المذنب على ديار قد عمرها بالتقوى، كيف أخربتها الذنوب؟
إِذا ذَكرَتَ نَجداً وَطيبَ تُرابُهُ ** وَبَردَ حَصاهُ آَخِرَ اللَيلِ حَنّت

تَمَنَت أَحاليبَ الرَّعاءِ وَخيمَة ** بِنَجدٍ وَلَم يَحصُل لَها ما تَمَنّت

يا من كان له معاملة فترك، يامن خلط الدستور وضرب على الحساب، زمان الوصال يستحق البكاء، أطلال الحبيب تستوجب القلق.
ماءُ النُقَيبِ وَلَو مِقدارَ مَضمَضَةٍ ** شِفاءُ قًلبي وَغَيرُ الماءِ يَشفيني

الوقت يقتضيك يا عاص، فبادر بالتوبة، منادي الوصال على باب القبول يصيح {وَسارِعوا}.
الغَيمُ رَطبٌ يُنادي ** يا نائِمين الصَّبُوحُ

فَقُلتُ أَهلاً وَسَهلاً ** ما دامَ في الجِسم روحُ

يا من كان له قلب: أين قلبك؟ يا زمان الخيف: هل من عودة إن كنت فقدت قلبك فلا تيأس من وجوده.
فَقَد يَجمَعَ اللَهُ الشَتَيتينِ بَعدَما ** يَظَّنانِ كُلَّ الظَنّ أن لا تَلاقِيا

سر بِوادي الطَلَبِ، مُستَغيثاً بِلِسانِ الطَربِ.
رُدوا عَلى لَيالي التَي سَلَفَت ** لَم أَنسَهُنَّ وَما بِالعَهدِ مِن قِدَمِ

ودع طبعك لسفر التوبة، وارفق شرعك في طريق الصحبة، واجهد راحلتيك لتلحق الرفقة، وتهيأ للإحرام قبل الوقفة، وانفذ الوية الشوق إلى منى قبل نخلة، لعل رسالة الحب تصل من صاحب الكعبة.
ألا طال شوق الأبرار إلى لقائي ويأتي الجواب: وإني إلى لقائهم أشوق.
.الفصل الثامن والثلاثون: في صدق العبادة:
لا تعجبوا بصورة التعبد، وتلمحوا أحسن المقصد؟ ليس كل مصل متعبد، ولا كل صائم بزاهد، ولا كل باك بخاشع، ولا كل متصوف بصاف.
وَما كُلُ مَن آَوى إِلى العِزِّ نالَهُ ** وَدَونَ العُلى ضَربٌ يُدَمِّي النَواصِيا

لَيسَ كُلُ مُستَدَيرٍ يَكونُ هِلالاً، لا، لا ** لَيسَ التَكَحُلُ في العَينينِ كالكَحلِ

كم حول معروف من دفينِ ذهب اسمه كما بلي رسمه ومعروف معروف.
وَما كُلُ دارٍ قَفَرَةٍ دارةُ الحُمى ** وَلا كُلُّ بَيضاءَ التَرائِبِ زَينَبُ

ذهب أهل التحقيق، وبقيت بنيات الطريق، واعجبا!! لقد رجل القوم، وتخلف أهل السنة والنوم، خلت البقاع من الأحباب، وتبدلت العمارة بالخراب.
يا دِيارَ الأَحبابِ عِندَكِ خُبرٌ ** أَين ساروا وَهَل لَهُم مُستَقَرُ

كان المشايخ في قديم الزمان أصحاب قدم، والمريدون أرباب ألم، فذهب القدم والألم، كان المريد يسأل عن غصة، والشيخ يعرف القصة، واليوم لا قصة ولا غصة، كان الصوفية قديما يسخرون بالشيطان، والآن يسخر الشيطان بالقوم. كان الزهد في بواطن القلوب، فصار في ظواهر الثياب.
سَلامٌ عَلى تِلكَ الخَلائِق إِنّها ** مُسلَّمَةٌ مِن كُلِ عَيبٍ ومأَثَمِ

ويحك: صوف قلبك لا جسمك، وأصلح نيتك لا مرقعتك، إذا كان العلوي ثابت النسب لم يحتج إلى ضفيرتين، أَتحدوا ومالك بعير؟ أتمد قوسا ومالها وتر؟ تتجشأ من غير شبع؟ واعجبا!! من وحمى بلا حبل. إن لم تكن يعقوب الأمل، فلا تكن زليخا الهوى. واأسفا لقلوب أذابها حب الدنيا، ولأسماع آمالها حديث خرافة، يتلاعب بها الغرور في بحر الهوى تلاعب الموج بالفريق.
صح بالمنقطعين في بوادي الغفلة؛ ترى أي ذنب اقتطعهم. أين تعبد السري؟ أين جد الجنيد؟ أين مجاهدة أبي يزيد؟ أين جوع الشبليط؟ يا راضيا بصفة ابن أدهم أين عزم إبراهيم؟.
أما الخيام فإنها كخيامهم.
انكسر مغزل رابعة وبقي قطن الحلاج.
لم تبق إلا روايات وأخبار:
أَيُها الحادي بأحداج الجَمالِ ** لا تَنُخ بِالرَبعِ إِنَّ الرَبعَ خالي

ما عَسى أن تَرتَجي مَن دِمَنٍ ** أَقَفرتَ مِن أَهلِها فَهي خَوالي

قَد عَفَت أَطلالُها وَاندَرستَّ ** قِف بِنا نَبكي لأَطلالٍ بِوَالي

لَهفَ نَفسي لِليالٍ سَلَفَت ** آَهٍ هَل تَرجَعُ لي تِلكَ اللَيالي

لا تَقُل لي بِمِنَى تُعَطَ المُنى ** بِمِنىَّ كانَ مِِنَ القَومِ اِنفِصالي

.الفصل التاسع والثلاثون: القناعة:
أيها المبتلي بحب الدنيا وما ينال منها إلا ما قدر له، كم مرزوق لا يتعب؟ وكم تعب من لا يرزق؟ هذا موسى يقول {أَرِني} وما أري ومحمد يزعج من منامه وما طلب.
قَضاها لِغَيري وَاِبتِلاني بِحُبِها ** فَهَلاَّ بِشيءٍ غَيرِ لَيلَى اِبتَلانِيا

يا هَذا مَحَبَةُ الدُنيا مِحنَةٌ ** داءُ بِه ماتَ المُحِبونَ مِن قَبلي

إِن أَقبلَت شَغَلَت وإن أدبرت قتلت.
وَيلاهُ إِن نَظَرَت وَإِن هِيَ أَعرَضَت ** وَقعُ السِهامِ وَنَزعُهُنَّ أَليمُ

ويحك: إن الفقر أصلح لك، وإن فقد الدنيا أرفق بك، غير أن الهوى لا ينظر العواقب، كم في طي مكروهك مصلحة، لو زالت غشاوة العين أبصرتها.
فسبحان من قضى على الكامل بمداراة الطبع الجاهل، ناظر العقل إلى الأخير ناظر، والطمع لا يرى إلا الحاضر، وكم يتعب الشيخ في تقويم الطفل؟؟ إنك لم فسحت لنفسك في هواها، ضيقت عليك طريق الخلاص، إنها لتبذر بضاعة العمر بكف التمزيق، كالخرقاء وجدت صوفا.
يا مستغيثا من الفقر بألسنة الشكوى، حبس الفقر حصن، على أنه داء الكرام. الفقر جب، والفاقة غيابة، والشهوات رق. «الدنيا سجن المؤمن».
فيا يوسف الطلب: ذق مرارة الجب، وكمد الغيابة، وصابر رق البيع، ودار السجن، لعلك تخرج إلى مملكة {اِجعَلني عَلى خَزائِنِ الأرض} دافع ليل البلى، فما أسرع فجر الأجر أَلَيسَ عَلى خَزائِن الأَربض، الفقر من الدنيا عدم كله وجود، والغنى فيها وجود كله عدم.
عرضت على نبينا صلى الله عليه وسلم بطحاء مكة ذهبا فأبى.
يا محمد ممن تعلمت القناعة؟ قال لسان حاله: من عجلة أبي.
كان الرجل من الصحابة يدعى إلى المال حلالا فيقول: لا، لا.
يا معاشر الفقراء: زينوا حلة الفقر بحلية الكتمان، فالفقراء الصبر جلساء الله، اصبروا على عطش الفاقة، فالحرة تجوع ولا تأكل بثدينها، إن سألتم فاسألوا مولاكم، فإن سؤال العبد غير سيده تشنيع على السيد.
يا معاشر الغافلين والواقفين مع الأسباب، إنما المعطي والمانع واحد {فَلا تَجعَلوا للِهِ أَنداداً} إذا عرضت حاجة فتعرضوا بالمحراب، واكتفوا من السؤال بالخدمة أتشتغلون بنا وننساكم؟ كلا من شغله ذكري عن مسألتي، أعطيته أفضل ما أعطي السائلين.
وَإِذا طَلَبتَ إِلى كَريمٍ حاجَةً ** فَلِقاؤهُ يُغنيكَ وَالتَسليمُ

ويحك: إن الفقير الصادق يترك الدنيا أنفة، رآها مقاطعة فقاطع، جاز على جيفة مستحيلة فسد منخر الظرف وأسرع، سلك سبيل القناعة فوقع على كنز ما وجده الإسكندر فقلبه أغنى من قارون وبيته أفرغ من فؤاد أم موسى.
وَمَن كانَ في ثوبِ القَناعَةِ رافِِلاً ** أَصابَ الغِنى في الفَقرِ وَالخَصَبِ في المَحل

إذا حشر الفقراء يوم القيامة بادورا باب الجنة فتقول لهم الملائكة: قفوا فهذا يوم الحساب، فينفضون أكمام الإدلال من يد المعوق، ويقولون: هل أعطيتمونا شيئا تحاسبونا عليه؟؟
الصَبرُ مِثلُ اِسمِهِ في كُلِ نائِبَةٍ ** لَكِن عَواقِبُهُ أَحلى مِنَ العَسلِ

.الفصل الأربعون: ذم الحرص على المال:
يا مشغولا بالعمل للدنيا، والدنيا تعمل فيه، تجمع ما يفرقك، وتوصل ما يمزقك، ويحك: أتبني قصرا وتهدم مصرا؟ إن لم تعرف عيوبها فاخبر تقهل.
داء الآدمي الهوى، وعلاجه الحسم، متى استعجل الداء، فالكي أنفع، وما يفيدك من جار السوء التوقي. المال ماء كلما زاد غرق. قنعت العنكبوت بزاوية البيت فسبق الحريص إليها وهو الذباب، فصار قوتا لها، وصوت بك نذير العبر: رب ساع لقاعد.
ويحك: طلق كواذب آمالك، لتكون وارث مالك. أعظم المغبونين حسرة من نفع كده لغيره. أفضل أعمال البخيل الصدقة لأنه يحارب شيطانين أصغرهما إبليس، وأعظمهما النفس وجنودها، ومن يقوى بأسد الحرص، وكلب الهوى، وخنزير الشره؟؟!.
امدد يديك بالصدقة فإن لم تطق فاكففهما عن الظلم، أطلق لسانك بالذكر، فإن لم تطق فاحبسه عن الغيبة.
كم يقف السائل سائل الدمع على باب الذل لديك فتقول: هذا هذاء.
كلام الجائع عند الشبعان كله هذيان. ويحك: إن الدقة صداق الجنة، فدع جمع الأكياس {مَن ذا الَّذي يُقرِضُ اللهَ قَرضاً حَسناً}.
انظر في أخلاقِ الفَقيرِ لا في إِخلاقِهِ ** وَما ضَرُ نَصلُ السَيفِ إِخلاقُ غَمدِهِ

إن أعطيت فاحذر منا يتأذى به المعروف. ويحك: كلما عاش أملك مات الفقراء.
كَأَنَنَي كُلَما أَصبَحتُ أُعتِبُهُ ** أَخطُّ حَرفاً عَلى صَفحٍ مِنَ الماءِ

واعجبا! لمن يجمع الأموال جمع الثريا نفسها، كيف تأتي الأقدار فتفرقه تفريق بنات نعش، يا كدر القلب: آثار كدر باطنك ما تخفى على ناظرك، إن أسرار القلوب تبين ما في وجوده الوجنات.
لو سمعت كلامي بقلبك كان طول الأسبوع نصب عينيك، وإنما تسمعه بأذنك، وفرق بين السامعين: كثر المال على الصديق وثعلبة ووقه التفاوت بين البخل والتخلل.
وليس كُلُّ ذَواتِ المِخلَبِ السَّبُعُ أما حب الدنيا عندك فراسخ، وأما قلبك من الموعظة فعلى فراسخ، وإذا غلب الهوى فمن ينتبه؟ وإذا غاب القلب فمن يحدث؟
إذا كانَ قَلبي مَوثِقاً بِحِبالُكُم ** وَجِسمي لَدَيكُم كَيفَ أَفهَمُ عَنكُم؟

فإِن شِئتُم أَن تَعذُلوا فَتُوصِّلوا ** إِلى أن تُعيدوا القلب ثم تُكلِموا

.الفصل الحادي والأربعون: إحياء القلوب بالعبرات:
يا جامد العين اليوم، غدا تدنو الشمس إلى الرؤوس، فتنفتح أفواه مسام العروق، فتبكي كل شعرة بعينس.
كأنك بالسماء قد نفضت أكمامها لسرعة فورانها، وانتثرت النجوم، ويوسف الهيبة قد برز، فقد قميص الكون.
نفحة فم الريح تحرك الشجر، ونفحة من في الصور تعمل في الصور، نفحة من الصور أماتت، والأخرى أعاشت، لا تعجبوا فإن نفحة نفخة الشتاء في صور البرد أماتت صور الأشجار، ونفس الربيع اعاد الروح.
ريح الدنيا بين مثير ولاقح، وريح الصور تثير الأبدان، وتلقح أشباح الأرواح لقراءة دفاتر الأعمال.
كان الفضيل ميتا بالجهل، وابن أدهم مقتولا بالهوى، والسبتي هالكا بالمال، والشبلي من جند الجنيد فنفخ في صور التوفيق، فانشقت عنهم قبور الغفلة، فصاح إسرافيل الاعتبار {كَذِلِكَ يُحيي اللَهُ المَوتى}.
إنما سمع الفضيل آية فذلت بها نفسه واستكانت، وهي كانت، إنما زجر ابن أدهم بموعظة واحدة، هاتف عاتبه، ولائم لامه، أخرجه من بلخ إلى الشام.
كانت عقدة قلوبهم أنشوطة، ومشد قلبك كله عقد، أقبلت المواعظ إلى ندى قلب رياض القلوب، فالتقى الماءان. كانت الأعمال تعرض عليهم فيرون الخيانة نقض عهد الزهد.
حَلَفتُ بِدينِ الحُبِ لا خُنتُ عَهدَكُم ** وَتِلكَ يَمينٌ لَو عَرَفَت غَموسُ

كان الفضيل بن عياض قد تعود البكاء، فكان يبكي في نومه حتى ينتبه أهل داره.
وكان ابن أدهم من شدة خوفه يبول الدم، وكذلك سري.
إذا خرجت القلوب بالتوبة من حصر الهوى إلى بيداء التفكر جرت خيول الدموع في حلبات الوجد، كالمرسلات عرفا.
إذا استقام زرع الفكر قامت العبرات تسقي ونهضت الزفرات تحصد، ودارت رحى التحير تطحن، واضطرمت نيران القلق فحصلت للقلوب ملة تتقوتها في سفر الحب.
اسمحوا بحرمة الوفاء، فما كل وقت يطلع سهيل طالما أمتم قلوبكم بالهوى، فأحيوها اليوم بوابل العبرات، إذا خرجتم عن المجلس فلا تذهبوا إلى البيوت، واطلبوا هذه المساجد خراب، وضعوا وجوهكم على التراب، واستغيثوا بألسنة الفاقة من قلوب قد أحرقها الأسف على ضياع العمر في الهوى والبطالة فإنه إذا صعد نفس يعقوب الحزن لم ينتبه دون جمال يوسف.
وَإِن شِفائي عِبرةً مُهَراقَةٌ ** فَهَل عِندَ رَسمٍ دراسٍ مِن مُعَوَّلِ

.الفصل الثاني والأربعون: الشيب علامة النهاية:
يامن مطية عمره قد أنضاها الحرص، هلا كففتها قليلا بزمام القناعة؟ فرب جد أعطب، ورب أكلة تمنع أكلات، وكثرة الماء شرق أو عزق؟ أخل بنفسك في بيت العزلة، واستعن عليها بعدول اللوم، ونادها بلسان التوبيخ، إلى كم؟ وحتى ومتى؟ ألم يأن؟ ويحك!! سرق لص الشيب رأس مال الشباب.
فَأَصبَحتُ مُفلِسَ العُمرِ ** فَهَل ليَ اليَومَ إلا زَفرَةَ النَدَمِ

يا نفس: ذهب عرش بلقيس، وبلى جمال شيرين وتمزق فرش بوران وبقي نسك رابعة.
كانت أيام الشباب كفصل الربيع، وساعاته كأيام التشريق، والعيش فيه كيوم العيد، فأقبل الشيب يعد بالفناء، ويوعد بصفر الإناء، فأرخى مشدود أطناب العمر، ونقض مشيد سرائر القوى.
أديل ضعف الشيب على الشباب فعمل معول الوهن وراء الجلد في الجلد، فصار مربع الحياة قفرا قد خلت بطاحه، ومربع اللهو هباء تذروه الرياح، وإن الهالك من ضل في آخر سفره وقد قارب المنزل، أبقي بعد الشيب منزل غير البلى؟ بلى أنت تدري أين تنزل.
مرحلة الشيب تحط على شفير القبر، وقد اتخذت من رأي الهوى حصنا، فما هذا الأمل؟.
اتطلب ربيع وأنت في ذي القعدة؟! اللذة سلاف ولكن مزاجها زعاف، الهوى عارف في العاجلة، ونار في الآجلة، ومن تبصر تصبر.
أيظن الخائض في الدنيا أن له فراغا عنها؟؟ هيهات، ما يفرغ منها إلا من اطرحها.
فَما قَضى أَحَدٌ مِنها لُبانَتَهُ ** وَلا اِنتَهى أَرَبٌ إِلا إِلى أَرَبِ

أيتوهم المسوف بالتوبة أن لمرحلة الهوى آخر؟ كلا؛ إن الذي يقطعه عن الإنابة اليوم معه في غد، وما يزيده مرور الأيام إلا رسوخا بدليل: يشيب ابن آدم وتشيب معه خصلتان.
يَطلُبُ المَرءُ أَن يَنالَ رِضاهُ ** وَرِضاهُ في حاجَةٍ لا تُنال

وإنما وجد الراحة في الدنيا من خلالها لا من خاللها، لاح لهم عيبها، فما ضيعوا الزمان في السوم، بلغتهم خطوات الرياضة إلى الرياض فاستوطنوا فردوس الأنس في قلة طور الطلب.
يا مؤثرا على بساتين القوم مقابر النوم: ليس في طريق الوصال تعب، إنما التعب ما دام في النفس بقية من الهوى، الظلمة ليل لا لليلى.
يا لَيلُ ما جِئتُكُم زائِراً ** إِلا وَجدَتُ الأَرضُ تُطوى لي

وَلا انثَني قَصدي عَن بابِكُم ** إِلا تَعَثَرتُ بِأَذيالي

المنحرف ضال عن الجادة، طر بجناح الخوف والرجاء من وكر الكسل على خط مستقيم الجد لا تعدل فيه عن العدل، فإذا أنت في مقعد صدق.
.الفصل الثالث والأربعون: صفات العابدين:
وقت العارف جد كله، لعلمه بشرف الزمان، والنهار مطالب بحق الملك، والليل يقتضي دين الحب، فلا وجه للراحة.
لما عاينت أبصار البصائر يوسف العواقب، قطعت أيدي الهوى بسكين الشوق، فولوج الجمل في سم الخياط، أسهل من دخول اللوم في تلك الأسماع، فإذا حان حين الحين فرح سائر الليل بقطع المنزل، وصاحت ألسنة الجد بالعاذلين {فَذَلِكُنّ الَّذي لُمتُنَني فيه}.
قُلوبٌ أَبَت أَن تَعرِفَ الصَبرَ عَنهُم.
أَثمانُ المَعالي غالِيَةً فَكيفَ يَستامها مفلس.
وَكَيف يُنالُ المَجدُ وَالجِسمُ وادِعُ ** وَكَيفَ يُحازُ الحَمدُ وَالوَفرُ وافِرُ

كلما تعاظمت الهمم تصاغرت الجثث.
وَلَستَ تَرى الأَجسامَ وَهي ضَيئلَةٌ ** نواحِلُ إِلا وَالنُفوسُ كِبارُ

قال يحيى بن معاذ: لتكن الخلوة بيتك، والمناجاة حديثك، فإما أن تموت بدائك، أو تصل إلى دوائك.
لا تَزل بي عَنِ العَقيقِ فَفَيهِ ** وَطَري إِن قَضيتُهُ أو نَحبي

لا رَعيتُ السُّوامَ إِن قُلتُ لِلصُحبَةِ خِفّي عَني وَلَلعينُ هُبّي.
دخلوا على أبي بكر النهشلي وهو في السوق يركع ويسجد، ودخلوا على الجنيد وهو في النزع وهو يصلي، فسلموا عليه، فرد السلام وقال: هذا وقت يؤخذ منه: الله أكبر.
إذا اِشتَغَلَ اللاهونَ عَنكَ بِشُغلِهِم ** جَعلتُ اِشتِغالي فيكَ يا مُنتهى شُغُلي

فَمَن لي بِأَن أَلقاكَ في كُلِ ساعَةٍ ** وَمَن لي بِاَن أَلقاكَ وَالكُلُ بي مِن لي

دارت قلوبهم من الخوف دوران الكرة تحت الصولجان، فلعبت بها أكف الأشجان في فلوات المحبة، فمن بين سكران يبث، وبين منبسط يقول، وبين خائف يستجير.
إذا لَعِبَ الرِجالُ بِكُلِ فَنٍّ ** رَأَيتَ الحُبَّ يَلعَبُ بالرِجالِ

نجائب أبدانهم أنضاها سير الرياضة، تجوهرت أرواحهم في بوتقة الجسم، فترافقا في سفر الشوق، فاللسان مشغول بالذكر، والسر مغلوب بالوجد، والعين عبرى بالخوف، والنفس هاربة إلى دار الزهد.
إِنَما أَهرُبُ مِما ** حَلَّ بي مِنكَ إِليكَ

أَنتَ لَو تَطلُب رَوحي قُلتُ هاخُذها إٍليك.
كان الحسن كأنه حديث عهد بمصيبة، وكان مالك بن دينار قد سوّد طريق الدمع في خده.
وَمَن لُبُّهُ مَعَ غَيرِهِ كَيفَ حالُهُ ** وَمَن سَرَّهُ في جَفنِهِ كَيفَ يُكتَمُ؟

كان عطاء السّلمي يبكي في غرفته حتى تجري دموعه في الميزاب إلى الطريق، فقطرت دموعه يوما فصاح رجل: يا أهل الدار: ماؤكم طاهر؟ فقال عطاء: اغسله فإنه دمع من عصى الله تعالى.
كان داود عليه السلام يؤتى بالإناء ناقصا فلا يشربه حتى يتمه بدموعه.
يا ساقي القَومِ إِن دارَت إِليَّ فَلا ** تَمزِج فَإِني بِدَمعي مازِجٌ كاسي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق