الثلاثاء، 16 سبتمبر، 2014

من 6.قم الليل واترك التكاسل الي12.عليك بالخوف من الله

الفصل السادس: قم الليل واترك التكاسل:
لله در أقوام هجروا لذيذ المنام وتنصلوا لما نصبوا له الأقدام وانتصبوا للنصب في الظلام، يطلبون نصيباً من الإنعام، إذا جن الليل سهروا، وإذا جاء النهار اعتبروا، وإذا نظروا في عيوبهم استغفروا، وإذا تفكروا في ذنوبهم بكوا وانكسروا.
قال عليه الصلاة والسلام: «عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وإنه قربة إلى ربكم، ومغفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم».
وفي المسند عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «عجب ربنا من رجلين: رجل ثار عن وطائه ولحافه من بين حبه وأهله إلى صلاته، ورجل غزا في سبيل الله فانهزموا فعلم ما عليه في الفرار وما له في الرجوع فرجع حتى أهريق دمه».
قال أبو ذر رضي الله عنه: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم «أي صلاة الليل أفضل؟ قال: نصف الليل وقليل فاعله».
قال داود عليه الصلاة والسلام: يارب، أي ساعة أقوم لك؟ فأوحى الله إليه: يا داود، لا تقم أول الليل ولا آخره، ولكن قم في شطر الليل حتى تخلو بي وأخلوا بك، وارفع إلى حوائجك.
وروى عمر بن عبسة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة، فكن».
كان همام بن الحارث يدعو: اللهم ارزقني سهراً في طاعتك، فما كان ينام إلا هنيهة وهو قاعد، وكان طاوس يتقلب على فراشه ثم يدرجه ويقول: طير ذكر جهنم نوم العابدين.
وقال القاسم بن راشد الشيباني: كان ربيعة نازلاً بيننا، وكان يصلي ليلاً طويلاً، فإذا كان السحر نادي بأعلى صوته: يأيها الركب المعرسون: أهذا الليل تنامون، ألا تقومون فترحلون، قال: فيسمع من ههنا باك ومن ههنا داع.
فإذا طلع الفجر نادى بأعلى صوته: عند الصباح يحمد القوم السرى.
وكان كهمس يختم في الشهر تسعين ختمه.
قال الضحاك: أدركت قوماً يستحيون من الله في سواد هذا الليل من طول الضجعة.
يا منزل الأحباب: أين ساكنوك؟ يا بقاع الإخلاص: أين قاطنوك؟ يا مواطن الأبرار: أين عامروك؟ يا مواضع التهجد: أين زائروك؟ خلت والله الديار، وباد القوم، وارتحل أرباب السهر وبقى أهل النوم، واستبدل الزمان أكل الشهوات يا أهل الصوم:
كفى حزناً بالواله الصب أن يرى ** منازل من يهوى معطلة قفرا

لله در أقوام اجتهدوا في الطاعة، وتاجروا ربهم فربحت البضاعة، وبقى الثناء عليهم إلى قيام الساعة، لو رأيتهم في الظلام وقد لاح نورهم، وفي مناجاة الملك العلام وقد تم سرورهم فإذا تذكروا ذنباً قد مضى ضاقت صدورهم، وتقطعت قلوبهم أسفاً على ما حملت ظهورهم، وبعثوا رسالة الندم والدمع سطورهم.
ولما وقفنا والرسائل بيننا ** دموع نهاها الواجدون توقفا

ذكرنا الليالي بالعقيق وظله ** الأنيق فقطعنا القلوب تأسفا

نسيم الصبا إن زرت أرض أحبتي ** فخصهم مني بكل سلام

وبلغهم أني برهن صبابة ** وأن غرامي فوق كل غرام

وإني ليكفيني طروق خيالهم ** لو أن جفوني متعت بمنام

ولست أبالي بالجنان ولا لظى ** إذا كان في تلك الديار مقامي

وقد صمت من أوقات نفسي كلها ** ويوم لقاكم كان فطر صيامي

جال الفكر في قلوبهم فلاح صوابهم، وتذكروا فذكروا كذكر إعجابهم، وحاسبوا أنفسهم فحققوا حسابهم، ونادموا للمخافة فأصبحت دموعهم شرابهم، وترنموا بالقرآن فهو سمرهم مع أترابهم، وكلفوا بطاعة الإله فانتصبوا بحرابهم، وخدموه مبتذلين في خدمته شبابهم، فيا حسنهم وريح الأسحار قد حركت أثوابهم، وحملت قصص غصصهم ثم ردت جوابهم.


.الفصل السابع: اندم على ذنوبك:
أيها العبد: تفكر في عمر مضى كثيره، وفي قدم ما يزال تعثيره، وفي هوى قد هوى أسيره، وفي قلب مشتت قد قل نظيره، وتفكر في صحيفة قد اسودت، وفي نفس كلما نصحت صدت، وفي ذنوب ما تحصى لو أنها عدت.
قال أبو الدرداء رضي الله عنه: تفكر ساعة خير من قيام ليلة.
وقال أبو يوسف بن أسباط: الدنيا لم تخلق لتنظر إليها، وإنما خلقت لتنظر بها إلى الآخرة.
وكان سفيان الثوري من شدة تفكيره يبول الدم.
وقال أبو بكر الكاتني: روعة عند انتباه من غفلة، وانقطاع عن حظ نفس، وارتعاد من خوف قطيعة، أفضل من عبادة الثقلين.
وقال يحيى بن معاذ: لو سمع الخلائق صوت النائحة على الدنيا في الغيب من ألسنة الفنا تساقطت القلوب منهم حزناً، ولو رأت القلوب بعين الإيمان نزهة الجنة لذابت النفوس خوفاً.
ولو أدركت القلوب كنه محبة خالقها لتخلعت مفاصلها ولهاً، ولطارت الأرواح من أبدانها دهشاً.
سبحان من أغفل الخليقة عن كنه هذه الأشياء وألهاهم بالوصف عن حقائق هذه الأنباء.
يا ذاهباً في شططه، يا وقفاً مع غلطه، يا معترضاً لعقوبة الأحد، ما سخطه؟ يا معرضاً عن الاعتبار سمعه، يا مطلقاً لسانه في غلطه، يا من لا يفرق بين صحيح القول وسقطه، أما له عبرة بقرطبة؟ أما هناك استدراك لفارطه، إلى متى على قبيح غطه؟ هلا عبأ متاعه في سقطه، ألا حذر من في يد طاهي، كلا لو صحا لا تعظ وأثر فيه اللوم وازدجر، لكنه في غاية الغلظ، أفسدته المعاصي فلم يظهر الشيب، وانقرض لا يلتفت إلى من لام ولا من وعظ، سيندم على تضييع ما كان احتفظ، سيفر العلاج إذا زادت الكظظ، سيخرس لسان طال ما لفظ، من لم يبق من عمره إلا الأمل، وهو للوزر العظيم قد حمل وأثقل، سيعرض عليك من المعاصي مما دق وجل، تراعى الخلق وتنسى حقه عز وجل، قد سود صحيفته وملأها من قبيح العمل، حملت عليه الأمانة فتغافل عنها وضل، يدعى إلى الاستقامة، وكلما قوم ذل، لا يعرف ولا يقبل، قد حله رحلة، نحلة مناحلها من حل، قد غره مكر سوف، وأوثقه قيد لعل، إلام تمنى النفس ما لا تناله؟ وتذكر عيشاً لم يعد متصرماً، وقد قالت السبعون للهرى: دعاني لشأني واذهبا حيث شئتما.


.الفصل الثامن: امقت نفسك وازدرها:
إخواني: من تفكر في ذنوبه تاب ورجع، ومن تذكر قبيح عيوبه ذل وتواضع، ومن علم أن الهوى يسكن تصبر، ومن تلمح إساءته لم يتكبر.
كان يزيد الرقاشي يقول: والهفاه، سبق العابدون وقطع بي، وكان قد صام اثنين وأربعين سنة.
وقال حذيفة المرعشي: لو أصبت من يبغضني حقيقة، لأوجبت على نفسي حبه.
فيا أيها العبد، عد على نفسك باللوم والمقت، واحذرها، فكم ضيعت عليك من وقت؟ واندم على زمان الهوى، فمن كيسك أنفقت، ونادها يا محل كل بلية فقد والله صدقت.
روى وهب بن منبه: أن رجلاً صام سبعين سنة يأكل كل سنة إحدى عشرة تمرة، وطلب حاجة من الله فلم يعطها، فأقبل على نفسه فقال: من قبلك بليت، لو كان فيك خيراً أعطيت، فنزل إليه ملك فقال: إن ساعتك هذه التي ازدريت فيها على نفسك خير من عبادتك، وقد أعطاك الله حاجتك.
وقال فضيل بن عياض: أخذت بيد سفيان بن عيينة في هذا الوادي، فقلت له: إن كنت تظن أنه قد بقي على وجه الأرض شر مني ومنك، فبئس ما ترى.
وقال رجل لأبي الحسن الموسمي: كيف أنت؟ فقال: خفيت أضراسي من أكل نعمة، وكل لساني من كثرة ما أشكوه.
يا وقفاً مع هواه وأغراضه، يا معرضاً عن ذكر عوارضه إلى أعراضه، يا غافلاً عن الموت وقد جد بمقراضه، وعلم اندباغ عمر أغراضه، سيعرف خبره إذا أحاط به أشد أمراضه وأخرج من خضرات الديار وروضه، وألقي في لحد وحيد يخلو برضراضه، وعلم أنه باع أغراضه، يا من بالهوى كلامه وحديثه، وفي المعاصي قديمه وحديثه، وعمره في خطايا خفيفه وأثيثه، من له إذا ألحد في قبره من يغيثه، من له إذا حامت حول حماه الردي ليوثه، من له من كرب لا يرحم عطاشه، من له من جحفل لايهدم كباشه، من له من لحد لا يدفع حشاشه، من له من جدث عمله فيه فراشه، من له من قبر فعل فيه معاشه، من له من موقف لا يرد بطاشه، من له يومئذ، ولا يقوى نجاشه، من له من حساب عقاب رذاذه يردي ورشاشه، من يخلصه اليوم من هوى قد أسرته رشاشه، كم عاهد ونكث، كم آثر الهوى وعبث، كم غره غرير بالسحر قد نفث، تالله لقد بولغ في توبيخه وما اكترث، ولقد بعث إليه، ولقد بعث إليه النذير وما يرى من بعث، قلبه مشغول بالهوى ولسانه بالرفث، كلما أصبح معاهداً وأمسى نكث، ظاهر صحيح وباطن قبيح خبيث، سيندم يوم الضريح من القبيح حرث، سيبكي ندمان الهوى يوم الظمأ عند اللهث، سيعرف حيرة المعاصي إذا حل الحدث، سيرى سيره إذا ناقش السائل أو بحث، سيفرغ السن ندماً إذا نادى ولم بعث، عجباً لجاهل باع تعذيب النفوس براحات الجثث، القلب أسير بالحزن، والدمع غزير بالشجن، والفكر يذيب القلب، فما مثل الفكر على البدن؟!، كم بت ودمعي منهم لم يذرأ في وجدي ثمن؟ واهاً لزمان طاب لنا وما أسرع ما ولى وفنى، ما غردت الوراقى على غصن إلا وأهاجت حزنى، يا عيني أعيني قلباً قلقاً بالدمع، ليطفي نار الشجن أصبحت أسيراً في خطئي، وذنوبي قد ملأت بدني، أبكي زللى أبكي خللى، أبكي علمى كي يرحمني، من لي يوم الشدة ينقذني، من كرب الموت يخلصني، ونزلت وحيداً في جدث، قفر وكأني من لبن، أين الأقران وما قرنوا؟ بالموت جميعاً في قرن، كم سرت على ربع لهم، وأطلت مسائلة الزمن [يا دار حبيبي: أين هم عهدي بهم قبل المحن؟ قالت لي دارهم: دارت بهم أماني الزمن]، أسرتهم قوة فهم أسراء الحيرة والحزن، تركوا المال لغيرهم، ولم يصحبهم غير الكفن، تالله لقد سئلوا عما قد كانوا فيه من الفتن، فتيقظ قبل لحاقهم، من طوال الرقدة والوسن.


.الفصل التاسع: سارع إلى الجنة:
إخواني: لقد خاب من باع باقياً بفان، وخطر في ثوبي متوان، وتغافل عن أمر قريب كان، وضيع يوماً موجوداً في تأميل ثان، أما الجنة تشوقت لطالبيها، وتزينت لمريديها، ونطقت آيات القرآن بوصف ما فيها، وملأت أسماع العباد أصوات واصفيها، كأنكم بالجنة وقد فتحت أبوابها، وتقسمها يوم القيامة أصحابها، وغنت ألسن الأماني قريب قبابها.
بشرها دليلها وقالا: ** غداً ترين الطلح والجبالا

روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: «قلنا: يا رسول الله، حدثنا عن الجنة ما بناؤها؟ قال: لبنة من ذهب ولبنة من فضة: ملاطها المسك الأذفر، وحصباؤها الياقوت والجوهر، وترابها الزعفران، من يدخلها ينعم لا يبأس، ويخلد لا يموت، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه».
روى أسامة بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يوماً: «ما ذكر الجنة إلا مشمر إليها، هي ورب الكعبة نور يتلألأ، ونهر مطروز، وزوجة لا تموت، وحبور ونعيم، مقام أبداً، فقالوا: نحن المشمرون لها يا رسول الله، فقال: قالوا: إن شاء الله».
روى سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، وإن جنة الفردوس، وسطها وأعلاها سماء، وعليها يوضع العرش يوم القيامة، ومنها تفجر أنهار الجنة، قال رجل: فداك أبي وأمي يا رسول الله، فيها خيل؟ قال: نعم، والذي بعثني بالحق إن فيها لخيلاً من ياقوت أحمر، يروث بين خلال ورق الجنة، يتراءون عليها، فجاء رجل فقال: بأبي وأمي فداك، هل فيها صوت؟ قال: نعم، والذي نفسي بيده إن الله عز وجل يوحي إلى شجرة في الجنة أن أسمعي عبادي الذين شغلهم ذكري في الدنيا عن عزف المزاهر والمزامير بالتسبيح والتقديس».
يا نفس: بادري بالأوقات قبل انصرامها، واجتهدي في حراسة ليالي الحياة وأيامها، فكأنك بالقبور وقد تشققت وبالأمور وقد تحققت، وبوجوه المتقين، وقد أشرقت، وبرءوس العصاة وقد أطرقت.
يا نفس: أما الورعون فقد جدوا، وأما الخائفون فد استعدوا، وأما الصالحون فقد راحوا، وأما الواعظون فقد صاحوا.
يا نفس: اتعبي قليلاً تستريحي في الفردوس كثيراً، كأنك بالتعب قد مضى، وبحرصك من اللعب قد مضى، وثمر الصبر قد أثمر حلاوة الرضا، لا يطعمن البطال في إدراك الأبطال، هيهات أن يدرك البطل المجتهد من غاب حين النزال فما شهد حفت الجنة بالمكاره فلا يوصل إليها إلا بالمضض، كذلك كل محبوب يلذ، وكل عرض من غير مشقة، وإلا، متى لم يبعد على طالب المشقة:
العلم لا يحصل إلا بالنصب، والمال لا يجمع إلا بالتعب، واسم الجواد لا يناله بخيل، ولا يقلب بالشجاع إلا بعد تعب طويل.
لولا المشقة ساد الناس كلهم ** الجود يفقر والإقبال قتال

أيها العبد: إن عزمت فبادر، وإن هممت فثابر، واعلم أنه لا يدرك المفاخر، من كان في الصف الآخر.
سلع المجد كاسدة، وكأن قد غلت، ومراعي الفضل قريبة، وكأن قد علت، وكأنك بغايات الغفلات قد انجلت، فأصبحت حلاوة البطالة من أفواه الغافلين قد رحلت، وأصبحت رايات المجاهدين قد حلت، وتفاوت في السباق مضمار وبطين، كما تفاوت في الإحراق ماء وطين.
لا تحسب المجد تمراً أنت آكله ** لا تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا

فاصبر للبلايا فحينها يسير، وأثبت للرزيا فأجرها كثير، وأحسن قرى ضيف الهم بالصبر الغزير، وتجلد على الظمأ فبين يديك ماء غبر.
لا تجزعن من المنايا إذا أتت ** واصبر لما تأتي به الأقدار

وغدا الصبور يجر ذيل سروره ** في جنة من تحتها الأنهار

فكأن قد انكشفت غيايات البلا ** وانجابت الآفات والأكدار

وجرى الجزوع لما جنى ثمر الأسى ** فجرى بلا أجر له المقدار

إني رأيت معاشراً لم يفهموا ** معنى الوجود فأصبحوا قد حاروا

دنياك دار للبلايا مهدت ** ووراء ذلك إن عقلت نهار



.الفصل العاشر: جاهد نفسك:
أيها العبد: حاسب نفسك في خلوتك، وتفكر في انقراض مدتك، واعمل في زمان فراغك لوقت شدتك، وتدبر قبل الفعل ما يملى في صحيفتك، وانظر: هل نفسك معك أو عليك في مجاهدتك، لقد سعد من حاسبها، وفاز والله من حاربها، وقام باستيفاء الحقوق منها وطالبها، وكلما ونت عاتبها، وكلما تواقفت جذبها، وكلما نظرت في آمال هواها غلبها.
قال عليه الصلاة والسلام: «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني».
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وطالبوا بالصدق في الأعمال قبل أن تطالبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزنوا، فإنه أهون عليكم في الحساب غداً، وتزينوا للعرض الأكبر: {يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية}.
وقال الحسن البصري رحمه الله: أيسر الناس حساباً يوم القيامة الذين حاسبوا أنفسهم لله عز وجل في الدنيا فوقفوا عند همومهم وأعمالهم، فإ كان الدين لله هموا بالله وإن كان عليهم أمسكوا، وإنما يثقل الحساب على الذين أهملوا الأمور، فوجدوا الله قد أحصى عليهم مثاقيل الذر فقالوا: {يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها}.
وقال أبو بكر البخاري: من نفر عن الناس قل أصدقاؤه، ومن نفر عن ذنوبه طال بكاؤه، ومن نفر عن مطمعه طال جوعه وعناؤه، ونقل توبة بن المعلم أنه نظر يوماً وكان محاسباً لنفسه، فإذا هو ابن ستين إلا عاماً، فحسبها أياماً، فإذا هي إحدى وعشرون ألف يوم وخمسمائة يوم فصرخ وقال: يا ويلتي! ألقي المليك بإحدى وعشرون ألف ذنب وخمسمائه ذنب، فكيف ولي في كل يوم عشرون ألف ذنب؟ ثم خر مغشياً عليه فإذا هو ميت، فسمعوا هاتفاً يقول: يا لها من ركضة إلى الفردوس الأعلى.
إخواني: المؤمن مع نفسه لا يتوانى عن مجاهدتها، وإنما يسعى في سعادتها، فاحترز عليها واغتنم لها منها، فإنها إن علمت منك الجد جدت، وإن رأتك مائلاً عنها صدت، وإن حثها الجد بلحاق الصالحين سعت وقفت، وإن تواني في حقها قليلاً وقفت، وإن طالبها بالجد لم تلبث أن صفت وأنصفت، وإن مال عن العزم أماتها، وإن التفت عربدت، من صبر على حر المجلس خرج إلى روح السعة، من رأى التناهي في المبادي سلم، ومن رأى التناهي هلك، لأن مشاهدة التناهي تقصير أمله، ومشاهدة المبادي في التناهي تسوف عمله، وفي الجملة: من راقب العواقب سلم.
يا هذا: هلال الهدى لا يظهر في غيم الشبع، ولكن يبدو في صحو الجوع وترك الطمع، واحذر أن تميل إلى حب الدنيا فتقع، ولا تكن من الذي قال: سمعت وما سمع، ولا ممن سوف يومه بغده فمات ولا رجع، كلا ليندمن على تفريطه وما صنع، وليسألن عن تقصيره في عمله وما ضيع، فيا لها من حسرة وندامة وغصة تجرع، عند قراءة كتابه وما رأى فيه وما جمع، فبكى بكاء شديداً فما نفع، وبقي محزوناً لما رأى من نور المؤمن يسعى بين يديه وقد سمع، فلا ينفعه الحزن ولا الزفير ولا البكاء ولا الجزع.


.الفصل الحادي عشر: احذر النار:
إخواني: لقد خاب من آثار شهوةً من حرام، فإن عقباها تجرع حميم آن، وخسر- والله- من أطلق نفسه فيما تريد، بعد أن سمع الزبانية وأغلال الحديد، وهلك كل الهلك وبار كل البوار، من اشترى لذة ساعة بعذاب النار.
قال أبو هريرة رضي الله عنه: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أوقد على النار ألف سنة حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة».
وروى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ناركم هذه مما يوقد بنو آدم جزء واحد من سبعين جزءاً من جهنم».
وروى ابن مسعود رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك، يجرونها».
وقال وهب بن منبه: إذا سيرت الجبال، فسمعت حسيس النار، نقيضها وزفيرها وشهيقها، صرخت الجبال كما تصرخ النساء، ثم يرجع أوائلها على أواخرها يدق بعضها بعضاً.
وفي المسند عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يعظم أهل النار حتى إن بين شحمة أذن أحدهم وعاتقه سبعمائة عام، وإن غلظ جلده سبعون ذراعاً، وإن ضرسه مثل أحد».
وروى الزهري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الحميم ليصب على رءوسهم فينفذ الحميم حتى يخلص إلى جوفه فيلهب ما في جوفه، حتى يمرق من قدميه، وهو الصهر ثم يعاد كما كان».
وقال أبو موسى: أهل النار يبكون الدموع حتى تنقطع ثم يبكون الدماء حتى لو أرسلت فيها السفن لجرت.
لله در أقوام أذهبوا أعمارهم في طلبي وأتبعوا أعضاءهم في فرضي وواجبي وقطعوا قواطعهم لأجل التعلق بي، وحلموا عن الجهال خوفاً من غضبي، فإذا مروا على النار، قالت: جرياً يا مؤمن فقد أطفأ نورك نورك لهبي.
إذا رأت النار من جاهد بالخير، وما خافت خافت، وإذا شاهدت نفوساً طال ما صافت صافت، وإذا عاينت أجساماً ما نبتت من الحرام وعافت عافت.
هلا تشبهت يا هذا بهؤلاء القوم، هلا تنبهت من هذا الرقاد والنوم، وأنت وقت العشاء نائم، وقلبك في حب شهوات البهائم [هائم]، قل للذي ألجأه عاجل لهوه عن حظه، يحكي البهائم هائماً: أمسنا الفنا، خذ حكمة تخصنا بها، فانظر ولا تبغ الفنا يا نائم،
يا هذا: المحب يطرد فلا يزول وأنت تدعى فلا تجب.
كم ليلة ينادي- وأنت غائب-: هل من سائل؟ هل من تائب؟
فإن تمنعوا مني السلام فإنني ** لغاد على حيطانكم فمسلم

رحم الله عظماً طالما نصبت وانتصبت، فإذا جن الليل عليهم فتمكن وثبت وثبت، إن ذكرت عدله رهبت وهربت، وإن تفكرت فضله فرحت وطربت، اعترف عن طاعته أنها قد أذنبت، وقامت شاكرة لمن جمعها على إحسانه فنبت، لا حت لها ذنوبها فبكت عليها وندبت وصاحت بها ألسن الغفران، فاهتزت وربت:
قف بالديار فهذه آثارهم ** تبكي الأحبة حسرةً وتشوقاً

كم قد وقفت بها أسائل مخبراً ** عن أهلها أو صادقاً أو مشفقا

فأجابني داعي الهوى في رسمها ** فارقت من تهوى فعز الملتقى

طرق الخيال وقال لي يا مدعي ** أتنام بعد فراق جيران اللقى؟

وحياتكم قسماً بأني صادق ** لا طاب لي من بعدكم فيكم بقا

يا سادة مذ حملوا أجمالهم ** ما أورثني بعدهم إلا الشقا

أترى الأرض خلت منهم أم لم ترهم، كلا لو وصفت أعمالهم عرفناهم، أما الأحياء منهم، فالقطرة تجري مجراهم، أما أمواتهم فمعنى الأحبار معناهم.
قف يا هذا على قبورهم ونادهم، واستنشق ريح فضلهم، فهل المعاني في اجتهادهم ضائر الريحان معهم في وسادهم:
كم قد وقفت وأحبابي بمنزلة ** تبيت يقظاناً ولهاناً وأهلاناً

فهاجها حين حيانا النسيم بما ** سقيا وألقى بالجرع حينا

نبكي فيسعدنا كور المطى فهل ** نحن المشوقون فيها أم مطايانا

ولا من قطر الأشياء ما وجدت ** كوجدنا العيس بل رقت لشكوانا



.الفصل الثاني عشر: عليك بالخوف من الله:
إخواني: من علم عظمة الإله زاد وجله، ومن خاف نقم ربه حسن عمله، فالخوف يستخرج داء البطالة ويشفيه، وهو نعم المؤدب للمؤمن ويكفيه.
قال الحسن: صحبت أقواماً كانوا لحسناتهم أن ترد عليهم أخوف منكم من سيئاتكم أن تعذبوا بها.
ووصف يوسف بن عبد الحسن فقال: كان إذا أقبل كأنه أقبل كأنه أقبل من دفن حميمه، وإذا جلس كأنه أسير من يضرب عنقه، وإذا ذكرت النار فكأنما لم تخلق إلا له.
وكان سميط إذا وصف الخائفون يقول: أتاهم من الله وعيد وفدهم، فناموا على خوف وأكلوا على تنغص.
واعلم أن خوف القوم لو انفرد قتل، غير أن نسيم الرجاء يروح أرواحهم، وتذكر الإنعام يحيى أشباحهم.
ولذلك روى: لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لا عتدلا.
فالخوف للنفس سائق، والرجاء لها قائد، إن ونت على قائدها حثها سائقها، وإن أبت على سائقها حركها قائدها مزيح الرجاء يسكن حر الخوف، وسيف الخوف يقطع سيف- سوف- وإن تفكر في الإنعام شكر وأصبح للهم قد هجر، وإن نظر في الذنوب حذر، وبات جوف الليل يعتذر، وأنشد:
أظلت علينا منك يوماً سحابة ** أضاءت لنا برقاً وأمطرتنا

فلا غيمها فيائس طامع ** ولا غيثها باقي، فيروي عطاشها

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق