الأربعاء، 17 سبتمبر، 2014

من الفصل الرابع عشر:يا من أقعده الحرمان، هذه رفاق التائبين عليك عبور الي الفصل السادس عشر:يا تائها في الضلال بلا دليل ولا زاد


.الفصل الرابع عشر:
يا من أقعده الحرمان، هذه رفاق التائبين عليك عبور.
 لا رسالة دمع ولا نفس آسف، وما أراك إلا مهجور. هذا نذير الشيب ينذر بالرحلة تهيأ لها منذور. كم أعذار؟ كم كسل؟ كم غفلة؟ ما أجدك يوم الحساب معذور. بيت وصلك خراب، وبيت هجرك معمور. بدر عساك تجبر بالتوبة وتعود مجبور، سجدة واحدة واصل بها السحر وتنجو من الأهوال، {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} [الرعد 15].
لله در أقوام قلوبهم معمورة بذكر الحبيب، ليس فيها لغيره حظ ولا نصيب، إن نطقوا فبذكره، وإن تحرّكوا فبأمره، وإن فرحوا فبقربه، وإن ترحوا فبعتبته، أقواتهم ذكر الحبيب، وأوقاتهم بالمناجاة تطيب، لا يصبرون عنه لحظة، ولا يتكلمون في غير رضاه بلفظة.
وأنشدوا:

حياتي منك في روح الوصال ** وصبري عنك من طلب المحال

وكيف الصبر عنك وأي صبر ** لعطشان عن الماء الزلال

إذا لعب الرجال بكل شيء ** رأيت الحبّ يلعب بالرجال

يروى عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «إذا بلغ العبد أربعين سنة، ولم يغلب خيره على شرّه، قبّله الشيطان بين عينيه، وقال: فديت وجها لا يفلح أبدا، فإن منّ الله عليه، وتاب إليه، واستنقذه من الضلالة، واستخرجه من غمرات الجهالة، يقول الشيطان لعنه الله: يا ويلاه، قطع عمره بالضلالة، فأقرّ بالمعصية عيني، ثم أخرجه الله من الجهالة بتوبته ورجوعه إلى ربه».
وذكر في بعض الأخبار أن رجلا كان من الفقهاء من أهل بغداد، وكان ممن يسار إليه في العلم والصلاح، وكان شيخا كبيرا فاضلا، وأراد الحج إلى بيت الله الحرام، وزيارة قبر نبيّه عليه الصلاة والسلام، فألّف من أصحابه جماعة من الذين كانوا يقرؤون عليه، فارتبط معهم على أنهم يخرجون متوكلين على الله عز وجل.
فلما ساروا في بعض الطريق، وإذا بدير نصراني، وقد أعياهم الحرّ والعطش، فقالوا: يا أستاذنا، نسير لهذا الدير، فنستظل حتى يبرد النهار، ونرحل إن شاء الله تعالى، فقال لهم: افعلوا ما شئتم، فساروا إلى ذلك الدير، ونزلوا عند جداره وقد أصابهم العياء والحر، فنام الطلبة، والشيخ لم ينم.
قال: فتركهم الشيخ نائمين، وخرج يطلب ماء لوضوئه، ولم يكن له همّ إلا ذلك، فبينما هو يمشي في حومة الدير يطلب الماء، فرفع رأسه، فرأى جارية صغيرة السن، كأنها الشمس الضاحية، فلما رآها الشيخ تمكّن إبليس من قلبه، ونسي الوضوء والماء، ولم يكن له هم إلا الجارية، فأقبل يقرع الباب قرعا عنيفا، فخرج إليه راهب وقال له: من أنت؟
قال له: أنا فلان العالم الفلاني، وعرّفه بنفسه واسمه.
فقال له الراهب: ما تريد يا فقيه المسلمين؟.
قال له: يا راهب، هذه الصبية التي بدت من أعلى الدير، ما هي منك؟.
قال الراهب: هي ابنتي، فما سؤالك عنها؟.
قال له الشيخ: أريد أن تزوّجني إياها.
قال له الراهب: إن ذلك لا يجوز عندنا في ديننا، ولو كان جائزا، لكنت أزوّجها منك بغير مشورتها، ولكن قد جعلت لها على نفسها عهدا، أن لا أزوّجها إلا من ترضى لنفسها، ولكن أنا أدخل عليها وأعلمها بخبرك، فإن هي رضيتك لنفسها، زوّجتك منها.
قال له الشيخ: حبا وكرامة.
قال: فذهب الراهب إلى ابنته، فأعلمها بالقصة، والشيخ يسمع.
فقالت: يا أبت، كيف تزوّجني منه، وأنا على دين النصرانية، وهو على دين الإسلام، إن ذلك لا يتم له إلا أن يدخل في دين النصرانية.
قال: فعند ذلك، قال لها الراهب: أرأيت إن دخل في دينك، تتزوجينه؟.
قالت: نعم.
والشيخ العالم في هذا كله يتضاعف به الأمر، وإبليس يزيّنها في عينيه، وأصحابه رقود، ليس عندهم علم بما حلّ به.
قال: فعند ذلك، أقبل عليها الشيخ وقال لها: قد نبذت دين الإسلام، ودخلت في دينك.
قالت له الجارية: هذا زواج قدري، ولكن لا بد من حق الزوجية ودفع المهر، وأين الحق، وأراك رجلا فقيرا، ولكن أقبل منك في حقي إن ترعى هذه الخنازير عاما كاملا، ويكون ذلك صداقي.
قال لها: نعم، لك ذلك، ولكن أشترط عليك إن لا تجبي وجهك عني، لأنظر إليك غدوة وعشيا.
قالت: نعم.
فأخذ عصاه التي كان يخطب عليها، وأقبل بها على الخنازير، يزجرها لتمشي للمرعى.
وجرى هذا كله وأصحابه نيام، فلما استيقظوا من نومهم طلبوا الشيخ فلم يجدوه، فسألوا عنه الراهب، فأعلمهم بالقصة.
قال: فمنهم من خرّ مغشيا عليه، ومنهم من بكى وناح، ومنهم من تأسف على ما حلّ به.
ثم قالوا للراهب: وأين هو؟.
قال لهم: يرعى الخنازير.
قال: فمضينا إليه، فوجدناه متكئا على عصاه التي كان يخطب عليها وهو يزجر بها الخنازير، وقلنا له: يا سيّدنا، ما هذا البلاء الذي حلّ بك.
وجعلنا نذكّره فضل القرآن والإسلام، وفضل محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقرأنا عليه القرآن والحديث.
فقال لنا: إليكم عني، فأنا أعلم بما تذكرونني به منكم، ولكن قد نزل بي البلاء من عند رب العالمين.
قال: فكلما عالجناه ليسير معنا، ما قدرنا عليه، فمضينا إلى مكة وتركناه، وفي قلوبنا منه حسرة.
وقضينا حجنا ورجعنا نريد بغداد، فلما صرنا إلى ذلك الموضع، فقلنا: تعالوا ننظر ما فعل الشيخ، لعله ندم وتاب إلى الله عز وجلّ، ورجع عما كان فيه.
قال: فذهبنا إليه، فوجدناه على حالته، وهو يزجر الخنازير، فسلمنا عليه وذكّرناه، وقرأنا عليه القرآن، فما ردّ علينا شيئا، فانصرفنا عنه وفي قلوبنا منه حسرة عظيمة.
قال: فلما صرنا على بعد من الدير، وإذا نحن بسواد قد أقبل علينا من ناحية الدير، وهو يصيح علينا، فوقنا له، فإذا هو صاحبنا الشيخ قد لحق بنا.
وقال: اشهد أن لا اله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، وأنا قد تبت إلى الله، ورجعت عما كنت فيه، وما كنت فيه، وما كان ذلك إلا من ذنب كان بيني وبين ربي عاقبني به، فكان من البلاء ما رأيتم.
قال: فسررنا بذلك غاية السرور، وجئنا إلى بغداد، وأقبل الشيخ على العبادة والاجتهاد أكثر مما كان عليه قبل ذلك، فبينما نحن في دار الشيخ نقرأ عليه، وإذا نحن بامرأة قد قرعت الباب، فخرجنا إليها وقلنا لها: ما حاجتك أيتها المرأة.
قالت: أريد الشيخ وقولوا: إن فلانة بنت فلان الراهب قد جاءت لتسلم على يديك، فأذن لها بالدخول، فدخلت، وقالت: يا سيدي جئت لأسلم على يديك.
فقال لها الشيخ: وما كانت القصة.
قالت له: لما وليت عني، غلبتني عيناي، فنمت، فرأيت فيما يرى النائم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو يقول: لا دين إلا دين محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال لي ذلك ثلاث مرّات، ثم قال لي بعد ذلك: ما كان الله ليبتلي بك وليا من أوليائه. وها أنا ذا قد جئت إليك، وأنا بين يديك، وأقول: أشهد أن لا اله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ففرح الشيخ بذلك، حيث منّ الله عليها بدين الإسلام على يديه، فتزوجها على كلمة الله وسنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قال: فسألناه عن ذلك الذنب الذي كان بينه وبين الله.
قال: كنت يوما ماشيا في بعض الأزقة، وإذا برجل نصراني قد لصق بي، فقلت له: ابعد عني عليك لعنة الله. فقال: ولم؟ قلت له: أنا خير منك.
فالتفت النصراني، وقال: ما يدريك أنك خير مني، وهل تدري ما عند الله تعالى حتى تقول هذا الكلام؟.
وقد بلغني بعد ذلك أن هذا الرجل النصراني قد أسلم وحسن إسلامه، ولزم العبادة، فعاقبني الله تعالى من أجل ذلك ما رأيتم.
نسأل الله العافية في الدنيا والآخرة.
.الفصل الخامس عشر:
معاشر التائبين: تعالوا نبكي على الذنوب فهذا مأتم الحزان، تعالوا نسكب المدامع. ونشتكي الهجران، لعل زمان الوصال يعود كما كان.
هذا بياض الشيب ينذر بخراب الأوطان، يا من تخلف حتى شاب، وقد رحلت الأظعان.
يا تائها في تيه، التخلف، يا حائرا في بريّة الحرمان، نهارك في الأسباب، وليلك في الرقاد، هذه الخسارة عيان، إذا ولى الشباب ولم يربح، ففي الشباب ولم يربح، ففي المشيب يكون الخسران، أملك طويل بعيد، وربما هيئت لك الأكفان.
قف على ساحل التوبة، فبحار المعاصي طوفان، ضيعت ربيع الشباب حتى ذبل من معاصي الرحمن، فعند إقبال المشيب، ندمت على ما قد كان. إن لم يشاهدك رفيق التوفيق، وإلا ففي الحرمان حرمان. وقد يرحم المولى من ضعف عن الأسباب {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} [الرعد 39].
وأنشدوا:
أتبني بناء الخالدين وإنما ** بقاؤك فيها لو عقلت قليل

لقد كان في ظل الأراك مقيل ** لمن كل يوم يقتفيه رحيل

ويروى عن الحسن البصري رضي الله عنه، أنه كان يقول: يا ابن آدم، إن لك عاجلا وعاقبة، فلا تؤثر عاجلتك على عاقبتك، فقد، والله، رأيت أقواما آثروا عاجلتهم على عاقبتهم، فهلكوا وذلوا وافتضحوا.
يا ابن آدم، بع دنياك بآخرتك تربحهما جميعا، ولا تبع آخرتك بدنياك فتخسرهما جميعا.
يا ابن آدم، لا يضرّك ما أصابك منشدة الدنيا إذا ادّخر لك خير الآخرة، وهل ينفعك ما أصبت من رخائها إذا حرمت من خير الآخرة.
يا ابن آدم، الدنيا مطيّة، إن ركبتها حملتك، وإن حملتها قتلتك.
يا ابن آدم: إنك مرتهن بعملك، وآت على أجلك، ومعروض على ربك، فخذ مما في يديك لما بين يديك، وعند لموت يأتيك الخبر.
يا ابن آدم: لا تعلق قلبك بالدنيا فتعلقه بشر متعلق، حسبك أيها المرء ما بلّغك المحل.
ويروى عن مالك بن دينار رضي الله عنه، أنه كان ماشيا في بعض أزقة البصرة، إذا هو بجارية من جواري الملك، راكبة ومعها الخدم والمماليك، فسمع مالك حسّها خلفه، فالتفت إليها وهي راكبة، فرأى زهرتها وهيأتها وحالها، فنادى: أيتها الجارية هل يبيعك مولاك.
قال: فلما سمعت منه تلك الكلمة، نظرت إليه، فرأت عباءة خلقة بالية، وله هيأة حسنة وتواضع وسكينة لله عز وجل.
فقالت للخدم: أمسكوا مطيتي، فمسكوها، فردّت رأسها إليه، وقالت له: يا شيخ، أعد عليّ مقالتك. قال: قلت هل يبيعك مولاك. قالت: ويلي عليك، وهل لمثلك ما يشتريني به لو باعني؟!.
قال: فحفّ به المماليك، قال: خلوا عني أسير معكم، فسار معهم حتى أتت قصرها، فقام إليها حجبة الدار فأنزلوها، فدخلت، وبقي مالك بباب القصر حتى وصلت إلى مولاها، فقالت: يا مولاي، إلا أحدثك بعجب؟!.
قال: وما هو يا حسنة؟.
قالت: يا مولاي لقيني شيخ كبير فقير عليه عباءة رثة بالية، فنظر إلى حسني وجمالي وبهائي وكمالي وممإليكي، فأعجبه ما رأى من هيأتي، فقال: هل يبيعك مولاك، فضحك مولاها من ذلك، وقال لها: وأين هو ويلك؟! قالت: قد جئتك به معي، وها هو بباب القصر، فقال: أدخلوه عليّ.
فدخل مالك، ولم يعرفه الرجل، فلما وقف بباب مجلسه، إذ هو بيت مملوء بضروب من الوطأ، والمتكأ، وإذا هو بصاحب القصر قاعد على مرتبة عظيمة، فجعل مالك ينظر إليه. فقال: مالك؟ أدخل أيها الشيخ.
فقال مالك: لا أدخل حتى ترفع هذا الوطاء، وتغيّب عني فنتنته، حتى لا أنظر إليه، ولا أطأ شيئا منه.
فألقى الله الهيبة والطاعة في قلب صاحب القصر، فأمر برفع الوطاء والبسط، حتى كشف عن الرخام، وقعد صاحب القصر على كرسي قال: اجلس أيها الشيخ كما أحببت.
قال: لا والله حتى تنول عن هذا الكرسي، وتجلس على هذا المرمر. قال: فجلس الرجل، وجلس مالك معه.
فقال رب البيت: قل حاجتك أيها الشيخ.
قال: جاريتك هذه التي دخلت عليك الساعة، أتبيعها لي؟.
فقال له صاحب القصر: وهل لك ما تبتاعها به مني؟.
قال: وما ثمنها؟.
قال له: إن من شأنها وقدرها وحالها ومالها، تساوي كذا وكذا ألفا.
فقال مالك: والله ما تساوي عندي نواتين مسوستين، فضحك الرجل، وضحكت الجارية، وضحك الجواري والخدم من وراء الستر من كلام مالك.
فقال مالك: وما الذي أضحككم؟.
قال صاحب البيت: وكيف كان ثمنها بهذه الخساسة عندك؟.
فقال مالك: لكثرة عيوبها.
قال: ومن أعلمك بعيوبها.
قال: أنا أعلم من عيوبها ما لم تعلم أنت.
قال: أعلمني بها، وأوقفني عليها.
قال: إن لم تتعطر تغيّرت، وإن لم تستك بخرت، وإن لم تغتسل بظرت، وإن لم تمتشط قملت وشعثت، وإن عمّرت عن قليل هرمت وهي ذات بخار، وبصاق، وحيض وبول وغائط أقذار جملة، وآفات بينة، ولعلها لا تريدك إلا لنفسها، ولا تحبك إلا لتمتعها بك، وتمتعك بها، فلا تفي بعهدك، ولا تصدق في ودّك وعهدك، ولا يتخلف عليها أحد من بعدك إلا رأته مثلك. وأنا أجد بدون ما سألت جارية خلقت من سلالة الكافور، ولو مزج بريقها الأجاج لطاب، ولو دعي ميت بكلامها لأجاب، ولو بدا معصمها.
للشمس لأظلمت دونه، ولو برز لسواد الليل لسطع نوره، ولو واجهت الآفاق بحليّها وحللها، لتزخرفت، ولو نفخ ريح ذوائبها على الأرض وما فيها لتعطّرت، فهي العطرة الشكلة المغنّجة المتنسقة، التي نشأت في رياض المسك والزعفران وغنيت بماء التنسيم، فلا يكسف بالها، ولا يحول حالها، ولا يخلف عهدها، ولا يتبدّل ودّها، ولا يتوقع ضدها. فأيهما أحق بالرفعة أيها المغرور؟.
قال: التي وصفت، فما ثمنها رحمك الله؟.
قال: اليسير المبذول، أن تتفرّغ ساعة عن ليلك، فتقوم فتصلي ركعتين تخلصهما لربك، وأن تضع طعامك بين يديك، فتذكر جائعا، فتؤثره على شهوتك، وأن تخطو الطريق فتلتقط منه حجرا ومدرا، وأن تحرّك لسانك بطيب الكلام، أو بذكر الله، وأن تقطع أيامك باليسير من القوت، وترفع همّتك عن دار الغفلة، فتعيش في الدنيا عيش القنوع راسخا، وتأتي غدا يوم القيامة آمنا، وتنزل على الملك الأكبر مخلدا.
قال: فعند ذلك نادى: يا جارية.
قالت: لبيك يا مولاي.
قال: أسمعت ما قاله الرجل؟.
قالت: نعم.
قال لها: هل هو صادق، أم كاذب؟.
قالت: بل هو، والله صادق.
قال: فأنت إذن حرّة لوجه الله تعالى، وضيعة كذا وكذا عليك صدقة، وأنتم أيها الغلمان أحرار، وضياع كذا وكذا عليكم صدقة، وهذه الدار صدقة بجميع ما فيها من الأثاث والأموال على الفقراء والمساكين.
ومدّ يده على ستر كان على بعض أبوابه، فأخذه وستر به نفسه ورمى جميع ما كان عليه من اللباس.
قالت الجارية: يا مولاي، لا عيش لي بعدك، فرمت بكسوتها ولبست ثوبا خشنا وخرجت معه، فودّعهما مالك بن دينار ودعا لهما وأخذا طريقا، وأخذ مالك طريقا آخر.
قال ناقل الحديث: فذكر أنها لم يزالا يعبدان الله عز وجل على تلك الحالة حتى لقياه. رحمة الله عليهم ونفعنا ببركاتهم. آمين.
.الفصل السادس عشر:
يا تائها في الضلال بلا دليل ولا زاد، متى يوقظك منادي الرحيل فترحل عن الأموال والأولاد؟ قل لي: متى تتيقّظ وماضي الشباب لا يعاد، ويحك كيف تقدم على سفر الآخرة بلا زاد ولا راحلة. ستندم إذ حان الرحيل، وأمسيت مريضا تقاد، ومنعت التصرف فيما جمعت، وقطعت الحسرات منك الأكباد، فجاءتك السكرات، ومنع عنك العوّاد، وكفنت في أخصر الثياب، وحملت على الأعواد، وأودعت في ضيق لحد وغربة ما لها من نفاذ، تغدو عليك الحسرات وتروح إلى يوم التناد، ثم بعده أهوال كثيرة، فيا ليتك لمعاينتها لا تعاد.
فاغتنموا بضائع الطاعات، فبضائع المعاصي خاسرة {كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ} [القيامة 20- 21].
وأنشدوا:
احذر دنياك وغرّتها ** واحذر إن تبد لها طلبا

تبغى ودّا ممن قدما ** لك قد قتلت أمّا وأبا

وعلى الجيران فقد جارت ** كلا قهرت أولت عطبا

كم من ملك ذي مملكة ** قد مال لها سكرا وصبا

أضحى في اللحد ومقعده ** بتراب اللحد قد احتجبا

اطلب مولاك ودع دنياك ** ففي أخراك ترى عجبا

كم من قصر قد شيد بنا ** بالموت وها أضحى خربا

يا طالبها لا تله بها ** كم من تاه ملك غضبا

أين الماضون قد سكنوا ** لحدا فردا خربا تربا

كانوا ومضوا ثم انقرضوا ** فتأدب أنت بهم أدبا

فالعمر مضى والشيب أتى ** والموت لجينك قد قربا

فأعدّ الزاد فما سفر ** عمر الأيام قد انتهبا

بادر بالتوب وكن فطنا ** لا تلق بجريتك النصبا

فلعل الله برحمته ** يلقي بالعفو لنا سببا

قال أبو سليمان الداراني رحمه الله: كنت أحمل الحطب من الجبال وأتقوّت به، وكان طريقي فيه التقوى والتحري، فرأيت جماعة من صلحاء البصرة في النوم، منهم الحسن ومالك بن دينار، وفرقد السّبخي.
فقلت لهم: أنتم أئمة المسلمين فدلوني على الحلال الذي ليس فيه تبعة، ولا للخلق فيه منّة، فأخذوا بيدي وأخرجوني من طرسوس إلى مرج فيه خبّازي، فقالوا لي: هذا هو الحلال الذي ليس فيه لله تبعة، ولا للخلق فيه منة.
قال: قعدت آكل منه دهرا نيئا، وآكل منه مطبوخا، فأوجدني الله تعالى قلبا طيبا.
قلت: إن كان أهل الجنة بالقلب الذي لي، فهم والله في عيش.
فخرجت يوما على باب البلد، وإذا بفتى يريد البلد، وكانت لي قطيعات بقيت لي من الحطب الذي كنت أبيعه قبل ذلك، فقلت: هذه لا أحتاج إليها، أدفعها لهذا الفقير ينفقها.
فلما دنا مني، أدخلت يدي لأخرجها له، فرأيته قد حرّك شفتيه، وإذا كل ما حولي من الأرض ذهب وفضة، حتى كاد يخطف بصري.
قال: ثم خرجت مرة أخرى، فرأيته قاعدا وبين يديه ركوة وفيها ماء، فسلمت عليه، ثم طلبت منه أن يكلمني فمدّ رجله، فقلب الركوة بمائها، ثم قال: كثرة الكلام تنشفّ الحسنات، كما تنشف هذه الأرض الماء، يكفيك.
قال محمد بن غسان صاحب الكوفة وقاضيها: دخلت على أمي في يوم عيد أضحى، فرأيت عندها عجوزا في أطمار رثة، وإذا لها بيان ولسان، فقلت لأمي من هذه؟ فقالت: خالتك عانية أم جعفر بن يحيى البرمكي، وزير هارون الرشيد، فسلكت عليها، وسلمت علي، فسألتها عن حالها، وقلت لها: صيّرك الدهر إلى ما أرى!.
قالت: نعم يا بنيّ، إنما كنا في عوار ارتجعها الدّهر منا.
فقلت لها: حدّثني ببعض شأنك.
قالت: خذ جملة، وقس على ذلك. لقد مضى عليّ عيد مثل هذا منذ ثلاث سنين، وعلى رأسي أربعمائة وصيفة، وأنا أزعم أن ابني عاق، وقد كان بعث إليّ برسم الضاحي ألف رأس من الغنم، وثلاثمائة رأس من البقر، دون ما يتبع ذلك من الزينة واللباس، وقد جئتكم اليوم أطلب جلدي شاتين أجعل إحداهما شعارا، والآخر دثارا، تعني غطاء بليل.
قال: فغمّني ذلك من قولها، وكربني ما رأيت من حالها، وأبكاني والله قولها، فوهبت لها دنانير كانت عندي.
فانظر أخي حال الدنيا، وكيف يحوّل نعيمها وكيف يذهب ويزول، فالمغرور، والله من اغترّ بها، والمسعود من رأى عيبها وفرّ منها والمصائب في الدنيا أعداد: فواحد يصاب في الأموال والأولاد، والآخر يعرى من الإسلام بالطرد والإبعاد.
قال: بعض السادات: كنت جالسا عند الحسن البصري رضي الله عنه، فمرّ بنا قوم يجرون قتيلا، فلما رآه الحسن البصري، وقع مغشيا عليه، فلما أفاق من غشيته، سألته عن أمره فقال: إن هذا الرجل كان من أفضل العبّاد والزهاد وكبار السادات، فقلت له: يا أبا سعيد أخبرنا بخبره، وأطلعنا على أمره.
قال: إن هذا الشيخ خرج من بيته يريد المسجد ليصلي فيه، فرأى في طريقه جارية نصرانية، فافتتن بها، فامتنعت عليه، فقالت: لا أتزوجك حتى تدخل في ديني، فلما طالت المدة، وزاد به الأمر جبذته شهوته، ثم غلبت عليه شقوته، فأجاب إلى ذلك، وبريء من دين الحنيفية.
فلما صار نصرانيا، وكان منه ما كان، خرجت المرأة من خف الستر، وقالت: يا هذا، لا خير فيك، خرجت من دينك الذي صحبته عمرك من أحل شهوة لا قدر لها، لكن أنا أترك دين النصرانية طلبا لنعيم لا يفنى عني طول الأبد في جوار الواحد الصمد، ثم قرأت: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ} [سورة الإخلاص].
فتعجب الناس من أمرها، وقالوا لها: أكنت تحفظين هذه السورة قبل هذا؟! قالت: لا والله ما عرفتها قط، ولكن هذا الرجل لما ألحّ عليّ، رأيت في النوم كأني دخلت النار، فعرض عليّ مكاني منها، فارتعبت وخفت خوفا شديدا، فقال لي مالك: لا تخافي ولا تحزني، فقد فداك الله بهذا الرجل منها، ثم أخذ بيدي، وأدخلني الجنة، فوجدت فيها سطرا مكتوبا. فقرأته، فوجدت فيه {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} [الرعد 39]. ثم أقرأني سورة الإخلاص، فأقبلت أردّدها، ثم انبتهت وأنا أحفظها.
قال الحسن: فأسلمت المرأة، وقتل الشيخ على ردّته نصرانيا. نسأل الله العافية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق