الثلاثاء، 16 سبتمبر، 2014

من 15.الإخلاص الي 21.الانتصار على الهوى


.الفصل الخامس عشر: الإخلاص:
الإخلاص مسك مصون في مسك القلب، ينبه ريحه على حامله، العمل صورة، والإخلاص روح، إذا لم تخلص فلا تتعب، لو قطعت سائر المنازل لم تكن حاجا إلا بشهود الموقف، ولا تغتر بصورة الطاعات، فإن خصم الإخلاص إذا جاء عند حاكم الجزاء ألزم الحبس عن القبول. سوق الإخلاص رائجة رابحة ليس فيها كساد، المخلص يعد طاعاته لاحتقارها عرضا، وقلم القبول قد أثبتها في حيز الجوهر، المخلص مبهرج على الحق بستر الحال، وببهرجته يصح النقد.
لما وصف الرسول صلى الله عليه وسلم للصحابة جمال الخمول من حلة حلية أويس عمل معول الشوق في قلب عمر فكان في كل عام ينشد بلفظ الطالب، ويسأل عن أهل اليمن.
ألا أيها الرَكبُ اليَمانونَ عَرَجوا ** عَلَينا فَقَد أَمسى هوانا يَمانيا

نِسائِلُكُم هَل سالَ نِعمانُ بَعدَنا ** وَحُبَّ إلينا بَطنُ نِعمانَ وادِيا

فلما لقيه عمر قال: من أنت؟ قال: راعي غنم، وأجير قوم، وستر ذكر أويس.
الأولياء تحت ستر الخمول ما يعلمهم إلا قليل، فإن عرفتهم بسيماهم فتلمح نقاء الأسرار، لا دنس الثياب {وَلا تَعدُ عَيناكَ عَنهُم}.
كان في أيوب السختياني بعض الطول لستر الحال، وكان إذا تحث فرق قلبه وجاء الدمع قال: ما أشد الزكام؟!
أَفدي ظِباءَ فُلاةٍ ما عَرَفنَ بِها ** مَضغَ الكَلامِ وَلا صَبغ الحواجِبِ

كان إبراهيم بن أدهم إذا مرض يجعل عند رأسه ما يأكله الأصحاء كيلا يتشبه بالشاكين. هذه والله بهرجة أصح من نقدك.
قَد سَحَبَ الناسُ أّذيالَ الظُنونِ بِنا ** وَفَرَّقَ الناسُ فينا قَولَهُم فِرقا

فَكاذِبٌ قَد رَمى بِالظَنِ غَيرَكُمُ ** وَصادِقٌ لَيس يَدري أَنّهُ صَدَقا

للمؤمن في إخلاصه أحوال، يتصدق بيمنيه فيخفيها عن شماله. كان النخعي إذا قرأ في المصحف فدخل عليه داخل غطاه.
وكان ابن أبي ليلى يصلي، فإذا دخل عليه أحد نام على فراشه.
قال الحسن كان الرجل تأتيه عبرته فيسترها، فإذا خشي أن تسبقه قام من المجلس.
باحَ مَجنونُ عامِرٍ بِهواهُ ** وَكَتَمتُ الهَوى فَمَتَّ بِوجدي

سحقت نافجة مسك المحبة فبثت في محاريب المتعبدين، وليس كل ثوب يعلق به الطيب رب قائم حظه السهر.
كما من مراء يتعب في تهجده، فتفض ريح الرياء أوراق تعبده، فتبقى أغصان العمل كالسلا، وليس للشوك نسيم {فَلَو صَدَقوا اللَهَ لَكانَ خَيرا لَهُم}.
إذا بهرج المنافق على عمل المخلص، فماجت أراييج النفاق، القلوب لجيفته، فذهب عمله جفاء.
واعجبا من أهل الرياء! على من يبهرجون؟ {وَرَبُكَ يَعلَمُ ما تَكِنُ صُدورُهُم} غلب على المخلصين الخشوع، فجاء المرائي يبهرج، فقيل: مهلا، فالناقد بصير، لما أخذ دود القز ينسج جاء العنكبوت يتشبه، فنادى لسان الحال الفاروق:
إِذا اِشتَبهت دُموعُ في خُدودٍ ** تَبينَّ مَن بَكى مِمَّن تَباكى

.الفصل السادس عشر: الإقبال على الله تعالى:
يا مختار القدر، اعرف قدر قدرك، خلقت الأكوان لأجلك، أقبل علي، فإني مقبل، متى رمت طلبي فاطلبني عندك بدليل وسعني.
ساكِنٌ في القَلبِ يَعمُرُهُ ** لَستُ أَنساهُ فأَذكُرُهُ

غابَ عَن سَمعي وَعَن بَصَري ** وَسُويدَ القَلبِ يُبصِرُهُ

بيننا عهد أَلستَ شجراته تسقى بمياه هل من سائل.
إِذا مَرِضنا أَتيناكُم نَعُودُكُمُ ** وَتُذنِبونَ فَنَأتيكُم فَنَعتَذِرُ

أودعت إقرارك الحجر الأسود، وأمرتك بالحج لتستحي بالتذكر من نقض العهد.
تَشاغَلتُم عَنا بِصُحبَةِ غَيرِنا ** وَأَظهَرتُم الهِجرانَ ما هَكَذا كُنا

وَأَقسَمتُم أَن لا تُحَوِلوا عِنِ الهَوى ** فَقَد وَحَياةِ الحُبِ حُلتُم وَما حُلُنا

الحجر الأسود صندوق أسرار المواثيق، مستمل لما أملى، المعاهد مشتمل على حفظ العهود، فاستلم المشتمل المستملي، ليعلم أن إقرارك لا عن إكراه، إن كنت نسيتني فما نسيتك.
فَلا تَحسَبوا أَني وِدادُكُم ** فَإِني وَإِن طالَ المَدى لَستُ أَنساكُم

حَفِظنا وَضَيَعتُم عُهودَ وِدادِنا ** فَلا كانَ مَن بالهَجرِ وَاللومِ أَغراكُمُ

يا محدثا في عهد بَلى ما ليس فيه تطهر من أدران الزلل، فلا بد للمحدث من طهارة: خلقتك يوم الفطرة طاهرا، ووفرت نصيبك من رش نوري عليك، فأينعت أغصان الإقرار، وهدأت حمائم الوفقا، وتدلت ثمار الوفاء، فلما تدنست بالذنب عطشت أرض الوصال، فمالت أغصان المحبة، وقحلت روضة المعاملة، فطاف على جنة العزم طائف المصارمة {فَأَصبَحَت كالصَرَيم} فنكس الآن رأس الذل طول شتاء الهجر، وابعث بريد الأسى ليبعث مزن الحزن لعلها تبكي على قاع الإفلاس، ومسكن المسكنة، فتدب المياه في عروق أغصان اللب، فتهتز العيدان في ربيع الإستدراك، فما ارتوى زرع توبة قط إلا من داودل الحدق.
لَعلَ أَيامَنا التَي سَلَفَت ** تَعودُ بَيضا كَما عَهِدناها

يا هذا: لا ضرر يلحقنا في معاصيك، إنما المراد صيانتك، ولا نفع لنا في طاعتك، إنما المقصود ربحك، فتدبر أمرك.
يا قوم من غيرتنا عليكم حرمنا عليكم الفواحش.
كم ندعوك وتأبى إلا الهجر، فلا العهد رعيت، ولا للتقويم استويت.
يا مَن يَعزُّ عَلَينا أَن نُفارِقَهُم ** وَجِدانُنا كُلَّ شَيءٍ بَعدَكُم عَدَمُ

وَبَينَنا لَو رُعيتُم ذاك مَعرِفةٌ ** إنّ المَعارِفَ في أَهلِ الهَوى ذِمَمُ

.الفصل السابع عشر: في اغتنام العمر:
إخواني: من رأى تصرف الدهر انتبه، أما في الغير عبر، مهد الطفل عنوان اللحد، ريح نقع الأجل يقشع غيم الأمل، الشباب باكورة الحياة، والشيب رداء الردى، لو أن أيام الشباب تباع لبذلنا فيها أنفس الأنفس، متى أسفر صبح المشيب هوى نجم الهوى، إذا قرع المرء بباب الكهولة فقد استأذن على البلى، من عرف الستين أنكر نفسه، من بلغ السبعين اختلفت إليه رسل المنية.
يا من انطوى برد شبابه، وجيئت خلع قلعه، وبلغت سفينة سفره الساحل، قف على ثنية الوداع.
فَلَم يَبقَ إِلا نَظرَةٌ تَتَغَنَمُ قطع الشيب سلك العمر، فالتقط الخرز، ورث سفاء الأمل، قاشدد بالعمل بعض الخرز. عمرك يذوب ذوبان الثلج، وتوانيك أبرد منه.
وَلَم يَبقَ مِن أَيامِ جَمعِ إِلى مِنى ** إِلى مَوقِفِ التَجميرِِ غَيرُ أَماني

أنت تحب الإقامة، ولكن ما تحمل المفازة، في نفس الجمل غير ما في نفس السائق، ولو ترك القطا لنام.
العاقل من استعد لما يجوز وقوعه كيف يغفل عما لا بد من كونه؟؟ زمن التردد قصير لا يحتمل التسويف.
واعجبا لعمر لو ملئ بالزاد خيف عليه العوز، فكيف إذا تناهبته أيدي البطالة.
واعجبا لمن ينشد وقد أضل نفسه، ولمن يشفق أن ينفق دراهمه وقد ضيع عمره.
كان ثلاج لا معاش له سوى بيع الثلج، فبقي عنده منه شيء، لم ينفق، فجعل يقول في مناداته: ارحموا من يذوب رأسه ماله.
فقرك من الخير مشوب بالكسل، ومتى كان الفقير كسلان فلا وجه للغنى، لو كانت لك أنفة من التواني لخرجت من ربقة الذل، بعت قيام الليل بفضل لقمة، شربت كأس النعاس ففاتتك رفقة {تَتَجافَى جُنُوبُهُم} امتلأت طعاما فإذا غريم الفراش يتقاضاك بدين النوم، فضرب على أذنك لا في موافقة أهل الكهف، تناولت خمر الرقاد فوقع بك صاحب الشرطة فعمل في حقك بمقتضى أنم وأرقم، فجعل حدك الحبس عن قيام الليل، فخرج على توقيع قصتك وقت الفجر {رَضوا بِأَن يَكونُوا مَعَ الخوالِف}.
والله لو بعت لحظة من خلوة بنا بتعمير نوح في ملك قارون لغبنت، لا بل بما في الجنان كلها ما ربحت، ومن ذاق عرف.
.الفصل الثامن عشر: أعمال الملائكة:
خلقت الملائكة من نور لا ظلمة فيه، وخلقت الشياطين من ظلمة لا نور فيها، وركب البشر من الضدين، فظلام نفسه مقترن بنور عقله، بينهما حاجز لطيف، لا تعلمه إلا بالمجاهدة، كما أن بين الشمس والظل خط لا يراه إلا المهندس، فالملل يسبح لأنه صاف، والشيطان يعصي لأنه كدر، وإنما العجب تقوى من تقوى في حقه الأضداد.
الآدمي عقل وهوى غير أن بين الهوى والهدى برزخ من التوفيق، لولا لطائف الإعانة قلع سكر التماسك، ولم تطق البشرية المدافعة، لولا لاحقة {لَنَهدِيَنّهُم} لسابقة {سَبَقَت لَهُم}.
فالصبر الصبر أيها المحارب، ولا تخف من كمين {وَاستَفزِز} ما دام لك مدد {يُثَبِتُ اللَهُ الَّذَينَ آَمَنوا} هبت عواصف التكليف البشري فلم يتماسك هاروت وماروت فرمى بهما رمي عاد وقال موافق {أَتَجعَلُ فيها} إن للحرب رجالا خلقوا، كانت الملائكة تدعو على العصاة قبل هاروت وماروت فلما جرت قصتهم صاروا يسبحون لمن في الأرض، كما كان داود يقول: لا تغفر للخطائين، فلما زل عرف.
وَعَذَلتُ أَهلَ العِشقِ حَتى ذُقتُهُ ** فَعَجِبتُ كَيفَ يَموتُ مِن لا يَعشَقُ

وَعَرَفتُهُم وَعَرَفتُ ذَنبي أَنَني ** عَيَّرتُهُم فَلَقَيتُ فيهِم ما لَقوا

خب بحر الأمانة فوقفت الملائكة على الساحل ونهضت عزيمة الآدمي لسلوك سبيل الخطر، والمحب لا يرى العواقب، ولسكران الوجد إقدام.
يَغلِبُني شَوقي فَأَطوين السُّرى ** وَلَم يَزَل ذو الشَوقِ مَغلوباً

أين مجاهدة الآدمي من تعبد الملائكة، حال الآدمي أعجب، تسبيح الملائكة يدور على ألسنتهم بالطبع، تعبدهم لا عن تعب، ورد شجرهم خال من شوك الحب، الأغلب على أوصافهم أنوثية السلامة، لا ذكورية الجهاد، سبح تسبيحهم عقود ما نظمها التكليف، ثمرات زرعهم نشأت لا عن كلف، ساقها سيح العصمة، فكثر في زكوات تبعدهم قدر الواجب {وَيَستَغفِرونَ لِمَن في الأرض} ظنت الملائكة أن أيدي العصمة أصنع من نظم التسبيح، ونسوا أن يبس الأشجار أيام الشتاء سبب لزهر النور في الربيع.
.الفصل التاسع عشر: عزيمة الرجال:
العزائم في قلوب أربابها كالنار تشتعل، إنها لتستعمل البدن ولا تحس بالتعب.
يغلبني شوقي فأطوي السرى للعزائم رجال ليسوا في ثيابكم، وطنوا النفوس على الموت فحصلت الحياة.
لَو رَأَيتَ ذا العَزمِ قَد بَرَزَ في بُرازِ ** الجَدِيَمُدُ عِناناً لَم تُخنِةَ الشَكائِمُ

فلما عاين هولا يلين له قلب الجبان، حن إلى عوده المعجوم من الإصابة، فهو في صف الجهاد أثبت قلبا من القطب في الفلك، إن جن الليل لم تتصافح أجفانه، لا تنتظر لقيامه وقت السحر، وكيف وغلة الصادي تأبى له.
انتظارا لوراد فما مضى إلا قَليلٌ فَإِذا بِهِ ** عَلى قِمَةِ المَجدِ المُؤَثًلِ جالِسُ

من لم يقم في طلاب المجد ** لم ينم في ظلال الشرف

تَقولُ سُلَيمى لَو أَقَمتَ بِأَرضِنا ** وَلَم تَدر أَني لِلمُقامِ أَطوفُ

كل الصحابة هاجروا سرا، وعمر خرج ظاهرا وقال للمشركين: ها أنا اخرج إلى الهجرة، فمن أراد لقائي فليلقني في بطن هذا الوادي.
فليت رجالا فيك قد نذروا دمي مذ عزم عمر على طلاق الهوى أحد أهله عن زينة الدنيا، فكان بيته- وهو أمير المؤمنين- كبيت فقير من المسلمين.
تَجَمَعت في فُؤادِهِ هَمَمُ ** مِثلُ فُؤادِ الزَمانِ إِحداها

كان رضي الله عنه يقول: لئن عشت لأدعن أرامل أهل العراق لا يحتجن إلى أحد بعدي.
وَهِمَّةٌ بَعَثتُها هِمِةُ زُحَلُ ** مِن تَحتِها بِمَكانِ التُّربِ مِن زُحَلِ

لما ولي عمر بن عبد العزيز سمع البكاء في داره، فقيل: ما لهم؟ قيل: إنه خير النساء والجواري قال: من شاءت فلتقم، ومن شاءت فلتذهب، فإنه قد جاء أمر شغلني عنكن.
أَقسَمُ بِالعِفَةِ لأتيِّمَهُ ** ظَبيٌ رَنا أَو غُصنُ تَأَوَّدا

وَكُلَما قيلَ لَه تَهِنَّ قَد ** حَزَتِ المِنى فَقَد جَزَت المَدى

واعجبا! أين العزائم؟ إن العجز لشريك الحرمان، وإيثار الراحة يورث التعب.
وَالهُونَ في ظلِ الهُوينا كامِنٌ ** وَجَلالَةُ الأَخطارِ في الأخطارِ

اغسل وجه الجد من غبار الكسل، وأنفق كيس الصبر في طريق الفضائل، إن كانت لك عزيمة فليس في لغة أولي العزم ربما وعسى.
لَيسَ عَزماً ما مَرِض القَلبُ فيه ** لَيس هَماً ما عاقَ عَنهُ الظَلامُ

.الفصل العشرون: الظلام والتيه:
يا تائها في ظلمة ظلمه، يا موغلا في مفازة تيهه، يا باحثا عن مدية حتفه، يا حافرا زبية هلاكه، يا معمقا مهواة مصرعه، بئسما اخترت لأحب الأنفس إليك.
ويحك! تلمح الجادة فأنت في ظلال عين أملك ترى المحبوب وتعمى عن المكاره، إذا كان عمرك في إدبار والموت في إقبال، فما أسرع الملتقى، كيف يبقى على حالته من يعمل الدهر في إحالته؟ كيف تطيب الدنيا لمن لا يأمن الموت ساعة، ولا يتمل له سرور يوم؟ كم قرع الزمان بوعظه فما سمعت {لِيُنذِرَ مَن كانَ حَياً} صاح ديك الإيقاظ في سحر ليل العبر فما تيقظت، فتنبه إذا نعق غراب البين بين البين.
وَمَشَتِتِ العَزَماتِ يُنِفقُ عُمرَهُ ** حَيرانَ لا ظَفَرٌ وَلا إِخفاقُ

يا مؤثرا ما يفني على ما يبقى، هذا رأي طبعك، هلا استشرت عقلك لتسمع أنصح النصائح، من كان دليله البوم كان مأواه الخراب.
ويحك! شهوات الدنيا أحلام يزخر منها نوم الغفلة، ونظر الجاهل لا يتعدى سور الهوى، ولا يخرق حجاب الغفلة، فأما ذو الفهم فيرى ما وراء الستر، لاحت الشهوات لأعين الطباع فغمض عنها {الَّذَينَ يُؤمِنونَ بالغَيب} فوقع أكثر الخلق في التيه، والقوم {عَلى هُدى مِن رَبِهِم}.
رحل الصالحون وفي القوم تثبط، تالله لقد علموا شرف المقصد، ولكن بعدت عليهم الشقة، واأسفا! لو عرفوا عمن انقطعوا لتقطعوا، يصبحون في جمع الحكام، ويبيتون على فراش الآثام، وينفقون في الهوى بضائع الأيام {أَُولَئِكَ الَّذَينَ اِشتَروا الضَلالَةَ بِالهُدى} سلمت إليهم أموال الأعمار فأنفقوها في ديار البطالة {فَما رَبِحَت تِجارَتُهُم} هذا والعبر تصيح {فَهَل يَنتَظِرونَ إِلا مِثلُ أَيامِ الَّذَينَ خَلَوا مِن قَبلِهِم} غير أن المسامع قد تملكها الصمم، ويحهم!! هلا تدبروا فساد رأي أمل {وَأَن عَسى أَن يكونَ قَد اِقترَبَ أَجَلُهُم} إن في الماضي للمقيم عبرة، وليس المرء من غده على ثقة، ولا العمر إذا مر يعود، وغواري الليالي في ضمان الإرتجاع، والدهر يسير بالمقيم، فاشتر نفسك والسوق قائمة والثمن موجود، ولا تسمعن حديث التسويف.
فَما لِغَدٍ مِن حادِثٍ بِكَفيلِ

.الفصل الحادي والعشرون: الانتصار على الهوى:
لما عرف الصالحون قدر الحياة أماتوا فيها الهوى فعاشوا، انتهبوا بأكف الجد ما قد نثرته أيدي البطالين، ثم تخيلوا القيامة فاحتقروا الأعمال فماتت قلوبهم بالمخافة، فاشتاقت إليهم الجوامد، فالجذع يحن إلى الرسول، والجنة تشتاق إلى علي.
كم شخص أشخصه الشوق إلى الحج، يكاد مودع المواثيق قبل تقبيله يقبله، فلما قضى الناسك المناسك، ثم رجع، بقي سهم الشوق إليه في قلب منى، خواطرهم تراقب حدود الشرع، وقلوبهم وقف على محبة الخالق.
وَقَفَ الهَوى بي حَيثُ أَنتَ فَلَيس لي ** مُتَقَدّمٌ عَنهُ وَلا مُتَأَخّرُ

أنفوا من مزاحمة الخلق في أسواق الهوى، وقوي شوقهم فلم يحتملوا حصر الدنيا، فخرجوا إلى فضاء العز في صحراء التقوى، وضربوا مخيم المجد في ساحة الهدى، وتخيروا شواطئ أنهار الصدق، فشرعوا فيها مشارع البكاء، وانفردوا بقلقهم فساعدهم ريم الفلا، وترنمت بلابل بلبالهم في ظلام الدجى، فلو رأيت حزينهم يتقلب على جمر الغضا.
فيا محصورا عنهم في حبس الجهل والمنى، إن خرجت من سجنك لترويح شجنك من غم البلاء، عرج بذلك الوادي. تلمح القوم الوجود ففهموا المقصود، فجمعوا الرحل قبل الرحيل، وشمروا في سواء السبيل، فالناس يخوضون في وحل الاكتساب، وهم في ظل القناعة، ومرض الهوى يستغيثون في مارستان البلاء، وهم في قصور السلامة، وكسالى البطالة على فراش التواني وهم في حلبات السباق {يَرجونَ تِجارَةً لَن تَبور} يجرون خيل العزائم في ميادين المبادرة، ويضربون الدنيا بصولجان الأنفة، فما مضت إلا أيام حتى عبروا القنطرة، وقد سلموا من المكس. غناهم في قلوبهم {سيماهُم في وُجوهِهِم} ما ضرهم ما عزهم، أعقبهم ما سرهم، هان عليهم طول الطريق لعلمهم بشرف المقصد، وحلت لهم مرارات البلاء لتعجيل السلامة، فيا بشراهم يوم {هَذا يُومُكُم}.
شَقينا في الهَوى زَمناً فَلَما ** تَلاقينا كَأَنّا ما شَقَينا

سَخِطنا عِندَما جَنَتِ اللَيالي ** فَما زالَت بِنا حَتى رَضينا

سِعدنا بِالوِصالِ وَكَم سُقينا ** بِكاساتِ النَعيمِ وَكَم شُقينا

فَمَن لَم يَحيَ بَعدَ المَوتِ يَوماً ** فَإِنّا بَعدَ مَيتَتِنا حَيِينا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق